قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على السلطة الفلسطينية أن تنفذ فوراً التوصيات التي أسفر عنها تحقيق المجلس التشريعي الفلسطيني في تعذيب ومقتل ماجد البرغوثي أثناء احتجازه. وعلى السلطة الفلسطينية محاسبة عناصر الأجهزة الأمنية الذين انتهكوا القانون الفلسطيني والدولي بالتسبب في قتله.

وكان قد تم اعتقال البرغوثي، وهو إمام مسجد بقرية كوبر القريبة من رام الله، ويبلغ من العمر 42 عاماً، من قبل المخابرات العامة التابعة للسلطة الفلسطينية في 14 فبراير/شباط 2008 وتم الإعلان عن وفاته في 22 فبراير/شباط.

واستعادت الأسرة جثمان البرغوثي في 24 فبراير/شباط. والصور التي تم التقاطها للجثمان ذلك اليوم، وقد اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش، تُظهر ندوباً غائرة وكبيرة على الساقين والقدمين والظهر، وهي تتفق مع العلامات التي تتخلف عن الضرب. وكان كلاً من المعصمين مجروحين، والواضح أن السبب هو التقييد بالأصفاد.

ورداً على مقتل البرغوثي، شكّل المجلس التشريعي الفلسطيني لجنة خاصة للتحقيق في مصرعه، وأصدرت اللجنة تقريرها في 3 أبريل/نيسان وخلصت فيه إلى أن البرغوثي تعرض للتعذيب وأن السلطة الفلسطينية مسؤولة عن مقتله. وطالبت اللجنة السلطة الفلسطينية بمحاسبة عناصر المخابرات العامة التابعة لها وضمان القضاء على تعذيب المحتجزين لدى السلطة الفلسطينية.

وقال جو ستورك المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "الأدلة التي جمعتها هيومن رايتس ووتش ولجنة تحقيق المجلس التشريعي الفلسطيني توحي بقوة بأن البرغوثي مات متأثراً بالتعذيب". وتابع قائلاً: "ونأمل أن يساعد الرئيس محمود عباس على وضع حد للتعذيب بتقديم المسؤولين عن مقتل ماجد البرغوثي للعدالة".

وبعد ثلاثة أيام من مصرع البرغوثي، تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى شقيق الضحية وشاهد من القرية. وقال كلاهما إن ثمانية رجال في ثياب مدنية قاموا باعتقال البرغوثي دون أمر توقيف فيما كان يغادر المسجد بعد صلاة العشاء. وقال الشاهد إنه تحدث إلى أحد هؤلاء الرجال وتبين أنه من عناصر المخابرات العامة.

وكانت إسرائيل قد اعتقلت البرغوثي خمس مرات فيما سبق للاشتباه بوجود صلات تربطه بحماس، ومنذ يونيو/حزيران 2007 استدعاه مسؤولو السلطة الفلسطينية مرتين للتحقيق معه، على حد قول شقيقه موفق.

وعرفت أسرة البرغوثي في 14 فبراير/شباط بأن المخابرات العامة تحتجزه، لكن أقاربه قالوا إنهم لم يتمكنوا من معرفة مكانه أو سبب احتجازه. وبعد ثمانية أيام، في 22 فبراير/شباط، عرفت الأسرة أن البرغوثي يتلقى العلاج الطبي بمستشفى الخالد في رام الله. وذهب الشقيق إلى مقر المخابرات العامة في رام الله لكن الحراس رفضوا إمداده بالمعلومات. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم عرفت الأسرة بوفاة البرغوثي. إلا أن بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية قالوا لوسائل الإعلام إن البرغوثي توفي متأثراً بذبحة قلبية.

وقال شقيق البرغوثي: "لم يكن مريضاً، ولم يكن يعاني من أية مشكلات صحية".

وفي 25 فبراير/شباط قابلت هيومن رايتس ووتش رجلين قالا إنهما كانا شاهدان على معاملة عناصر المخابرات العامة للبرغوثي رهن احتجازه. وكانا ضمن المحتجزين في مقر المخابرات العامة في ذلك الحين. وقالا إنهما سمعا وشاهدا البرغوثي يتعرض للتعذيب ثم يُحرم من العلاج الطبي.

وقال أحد الرجال – وكان قد زعم أيضاً أن عناصر المخابرات العامة قاموا بضربه ضرباً مبرحاً فيما كان معلقاً من خطاف مُدلى من أحد الجدران – إنه شاهد البرغوثي رهن الاحتجاز ثم سمع قوات الأمن تكيل له التهديدات والضرب. وتناقلت التقارير ما اقتبسه من أقوالهم: "نعرف أنك مع حماس، أين الأسلحة؟" وقال إنه شاهد البرغوثي في أوقات مختلفة على مدى بضعة أيام وهو مقيد اليدين إلى جدار ويديه وراء ظهره. وشاهدت هيومن رايتس ووتش جروحاً على معصميّ الشاهد، وقال إنها ناجمة عن الأصفاد المعدنية التي كانت تنغرس في جلده.

أما الشاهد الآخر – وتم إجراء مقابلة منفصلة معه – فقال إنه شاهد البرغوثي في أوضاع مُجهدة كثيرة، معروفة باللغة العربية باسم "الشَبح". في أحد الأوضاع كان يتم ربط يدي البرغوثي وراء ظهره ويُعلق من أحد الجدران ولا يلامس من جسده الأرض إلا أطراف أصابع قدميه. وفي وضع آخر كان يتم ربط ذراعيه من وراء ظهره ويُجبر على الوقوف بإحدى قدميه في الهواء. وقال الرجل إنه سمع أصوات تعرُّض البرغوثي للضرب بأنبوب بلاستيكي، وقال الرجل: "راح يصرخ: يا رب أغثني!"

وبعد ثلاثة أيام رهن الاحتجاز – حسب قول الرجلين – سمعا البرغوثي يخبر الحراس بأنه يتقيأ دماً. ونقله ضباط المخابرات العامة إلى المستشفى بعد ساعات قليلة ثم عادوا به. وقال أحد الشاهدين: "لقد رأيته. رأيت أن لون قدميه ويديه تحول للونين الأسود والأزرق. وكان يرتجف ولا يظهر في عينيه إلا البياض، ويمسك به اثنان من الحراس".

وإثر مقتل البرغوثي، دعى الرئيس محمود عباس النائب العام إلى إجراء تحقيق، لكن البيانات الأخرى التي أدلت بها الحكومة في ذلك الحين أكدت أن البرغوثي لم يتعرض للإساءة أثناء الاحتجاز. وفي 26 فبراير/شباط قال وزير الإعلام بالسلطة الفلسطينية رياض المالكي لوسائل الإعلام إن الحكومة سوف "تتخذ كل الإجراءات الضرورية بناء على تقرير اللجنة الخاصة"، لكنه أنكر علناً أن وفاة البرغوثي كانت نتيجة للتعذيب. وقال مسؤولون آخرون إن عضلة قلب البرغوثي كانت ضعيفة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة إلى المزاعم القابلة للتصديق بالتعرض للتعذيب، ارتكبت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية انتهاكات أخرى للقانونين الفلسطيني والدولي في تعاملها مع القضية. إذ لم يتم إخطار البرغوثي – وكذلك الرجلين المحتجزين معه في الوقت نفسه – بأسباب الاعتقال، ولم يُسمح له بمقابلة محامي، أو هو مثل أمام قاضي تحقيق، أثناء 24 ساعة من الاعتقال، حسب ما ينص القانون الفلسطيني. كما يبدو أنه تم حرمان البرغوثي من الرعاية الطبية العاجلة.

ومنذ يونيو/حزيران 2007، منذ أخرجت حماس قوات فتح من غزة واستولت على السلطة في القطاع، قامت السلطة الفلسطينية، التي تهيمن عليها فتح في الضفة الغربية، بإغلاق عشرات المنظمات والمنافذ الإعلامية المنتمية لحماس، واعتقلت مئات الأشخاص ممن تعتقد أن ثمة صلات تربطهم بحماس.

كما أغلقت السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح العشرات من المنظمات والمنافذ الإعلامية التابعة لحماس في كل أرجاء الضفة الغربية.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن حماس ارتكبت في غزة انتهاكات جسيمة ومتفشية بحق الأشخاص المشتبه بعضويتهم في فتح، وشمل هذا الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاستخدام المفرط للقوة في تفريق المسيرات والتسبب في وفاة المحتجزين أثناء الاحتجاز.

ودعت هيومن رايتس ووتش السلطة الفلسطينية إلى القيام بالآتي:

• يجب تنفيذ توصيات اللجنة الخاصة التابعة للمجلس التشريعي الفلسطيني المعنية بالتحقيق في وفاة البرغوثي.
• يجب أن يبدأ النائب العام في إجراءات – تشمل أية تحقيقات أخرى لازمة – تهدف إلى محاسبة الأشخاص المسؤولين عن انتهاك القانون الفلسطيني أو الدولي.
• يجب على النائب العام أن يراقب على نحو منتظم كل مراكز الاحتجاز التي تديرها المخابرات العامة والأمن الوقائي والشرطة.
• يجب السماح لمنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بتفقد مراكز الاحتجاز وبمراقبتها. والمنظمات الوحيدة المسموح لها حالياً بمراقبة هذه المراكز هي هيئة حقوق الإنسان، والهيئة المستقلة لحقوق المواطن (http://www.piccr.org/)، ويتم منع كل من المنظمتين من الزيارة أحياناً.