قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم أن المسئولين الحكوميين المحليين في نيجيريا، وهي أغنى الدول المنتجة للنفط في أفريقيا، يبددون الموارد النفطية المتنامية التي بوسعها تأمين الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم لفقراء البلاد. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن امتناع الحكومة عن معالجة الفساد على المستوى المحلي يعتبر خرقاً لالتزام البلاد بتوفير الخدمات التعليمية والصحية الأساسية لجميع المواطنين.

ويعرض التقرير الذي جاء في 107 صفحات وحمل عنوان "تبديد الأموال: أثار فساد الحكومة المحلية وسوء إدارتها على حقوق الإنسان في ولاية ريفرز بنيجيريا" تفاصيل عن إساءة استخدام الأموال العامة من قبل المسئولين في قلب نيجيريا الجغرافي الذي يشهد طفرة الصناعة النفطية، وكذلك تفاصيل الآثار الضارة الواقعة على التعليم الابتدائي والخدمات الصحية الأساسية. ويستند التقرير إلى عشرات المقابلات التي جرت في الولاية مع مسئولي الحكومة والوكالات المانحة، ومع الموظفين الحكوميين وعمال الرعاية الصحية والمعلمين ومجموعات المجتمع المدني والسكان. كما يحلل التقرير كل من موازنة الحكومة وموازنات الحكومات المحلية.

وقال بيتر تاكيرامبودي، مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أقدم كثير من مسئولي الحكومة ومسئولي ولاية ريفرز المحليين على تبديد أو سرقة المال العام الذي كان يمكن توجيهه إلى توفير خدمات الصحة والتعليم الأساسية"، وتابع يقول "شهدت الموازنات الحكومية والمحلية تنامياً كبيراً في السنوات الأخيرة، لكن السرقة وسوء الإدارة تركا الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية في حالة بالغة التدهور".

ودعت هيومن رايتس ووتش جميع المستويات الحكومية في نيجيريا إلى عدم التقاعس عن اعتماد إصلاحات أساسية تجعل الحكومة الولاية والحكومات المحلية أكثر شفافية وخضوعاً للمحاسبة من قبل الجمهور. ويجب أن تشمل هذه الإصلاحات استقلالية مؤسسات مكافحة الفساد ومنحها الموارد اللازمة للتعامل مع الفساد المستشري على المستوى المحلي في ولاية ريفرز وغيرها. ومن المهم جدًّا أن تنشر جميع المستويات الحكومية وتعلن معلومات تفصيلية دقيقة عن كيفية استخدامها للموارد العامة.

ومنذ عام 1999، ازدادت إيرادات 23 حكومة محلية في ريفرز أكثر من أربعة أضعاف. وفي عام 2006 بلغت موازنة حكومة ولاية ريفرز 1.3 مليار دولاراً أمريكياً، وهذا ما يفوق موازنات عدد من بلدان غرب أفريقيا. لكن الحكومات المحلية لم تقم بتحويل هذه الثروة المفاجئة إلى مساعٍ لتحسين التعليم الأساسي وأنظمة الرعاية الصحية التي تقف على حافة الانهيار منذ سنوات كثيرة.

وتتولى الحكومة الفيدرالية في نيجيريا وبشكل جزئي استنادا إلى دستور البلاد معظم مسؤولية توفير الرعاية الصحية الأولية وخدمات التعليم الأساسي إلى 774 حكومة محلية. ويلزم القانون الدولي نيجيريا بضمان حقّي الصحة والتعليم الأساسيين للنيجيريين على نحو متزايد، وذلك بأقصى ما تسمح به الموارد المتاحة. وفي حين تعمل الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات على وضع السياسات وتقديم أشكال أخرى من الدعم؛ تقع على كاهل إدارات الحكومة المحلية المسؤولية اليومية الخاصة بتوفير الخدمات. لكن كثيراً من الحكومات المحلية تتجاهل هذه المسؤوليات تجاهلاً تاماً.

ويوثق التقرير كيفية تَعرُض الموارد التي تم ضخها في خزائن الحكومات المحلية خلال السنوات الأخيرة إلى سوء توزيع شديد، بل إلى السرقة المباشرة أحياناً. وقد أغدقت حكومات محلية كثيرة المال على المقرات الحكومية الجديدة وغيرها من المشاريع الإنشائية الضخمة التي فاقت نفقاتها ما يتم إنفاقه على الصحة والتعليم أضعافاً مضاعفة، وخصصت إحدى الحكومات المحلية 2.4% من إيراداتها للإنفاق على البنية التحتية لمدارس التعليم الابتدائي المتداعية، في حين أنفقت 30% من موازنتها على رواتب رئيسها ومستشاريها التشريعيين ونفقات مكاتبهم. كما خصص بعض رؤساء الحكومات المحلية لأسفارهم و"نفقاتهم النثرية" من المال أكثر ما خصصوه للمدارس والمراكز الصحية التي تقع مسؤولية تشغيلها عليهم.

ويتلخص الأمر فيما كشفه مواطن تعتريه المرارة بقوله: "كل ما يفعلونه هو بناء مقراتهم وتزويدها بأشياء ضخمة وبمكيفات الهواء، وكذلك شراء السيارات التي يتجولون بها".

لكن قدراً مهماً من الموارد يضيع بفعل السرقات الواضحة أيضاً. فقد أنفق أحد رؤساء الحكومات المحلية مبالغ ضخمة على سلسلة مشاريع لا وجود لها كان من بينها "بركة لعرض الأسماك" من غير ماء ولا أسماك، و"مدرسة لكرة القدم" لم يتم بناؤها أبداً. وقام غيره بتخصيص مبالغ من موازنة الحكومة من أجل دفع أجور أكثر من 100 "لجان وظيفية/موظفي مراسم" لم يتم توضيح مهامها أبداً، إن كان لها مهام أصلاً؛ وتجاوز مجموع رواتب هؤلاء ما يتقاضاه جميع العاملين في القطاع الصحي الحكومي. وكشف تحقيق قضائي عن قيام أحد رؤساء الحكومات المحلية، على نحو غير قانوني، بمنح نفسه عقود صيانة مربحة جداً، وغيرها من العقود، وذلك مقابل خدمات امتنع عن تقديمها أحياناً.

وقال موظفون حكوميون وعاملون صحيون وغيرهم لـ هيومن رايتس ووتش أن الأموال التي يتم تخصيصها في موازنات الحكومات المحلية للتعليم والرعاية الصحية لا تصل إلى وجهتها أبداً. ويتأخر سداد رواتب كثير من العاملين الصحيين شهوراً كثيرة رغم وجود مخصصات لها في الموازنة. وقال كبير المعلمين في مدرسة ابتدائية لـ هيومن رايتس ووتش إن الرد على شكواه من عدم توفر المواد المستخدمة في مدرسته، من قبيل الطباشير مثلاً، كان بأن الحكومة المحلية لا تملك مالاً للإنفاق على التعليم. كما زارت هيومن رايتس ووتش عيادات طبية بلغ افتقارها إلى التجهيزات حداً جعل عامليها المحبطين غير قادرين على تقديم أي نوع من الخدمات تقريباً، بل أقفل العاملون في بعض الحالات الأبواب وتركوا مراكز عملهم جملةً. وتفتقر الكثير من المدارس الابتدائية في ولاية ريفرز إلى المقاعد أو الكتب أو غيرها من مستلزمات التعليم، كما أن قاعات الدرس تقع في أبنية متداعية تفتقر إلى المياه والمراحيض.

وقال معلم تابع لحكومة أكوكو/تورو المحلية لـ هيومن رايتس ووتش: "بدأ إنتاج النفط هنا عام 1957، لكن الحكومة لم تفعل شيئاً من أجلنا"، وأضاف "يُفترض بالإدارة المحلية أن تنفق على المدارس، لكنها لا تفعل ذلك، وهي لا تقدم لنا أي دعم ... ونحن بحاجة ماسة إلى الكتب المدرسية والمواد التعليمية والمراحيض".

وحكومة ولاية ريفرز مسئولة عن الإشراف على سلوك حكوماتها المحلية. لكن قدراً كبيراً من مشكلات الحكم على المستوى المحلي تنعكس في سلوك حكومة الولاية أيضاً. وعلى سبيل المثال، قاربت مخصصات السفر في مكتب حاكم الولاية 65000 دولار أمريكي لليوم الواحد، إضافة إلى موازنة من أجل "منح" و "مساهمات" و"تبرعات" غير محددة بلغ مجموعها 92000 دولاراً لليوم الواحد. ويتناقض هذا البذخ الرسمي تناقضاً حاداً مع الغياب الفعلي للخدمات الحكومية عن معظم السكان.

وقال تاكيرامبودي: "يبلغ فساد الحكومات المحلية في ولاية ريفرز حداً مدهشاً من الصفاقة، وقد تسبب في معاناة تفوق الوصف"، وتابع يقول: "لكن حكومة الولاية والحكومة الفيدرالية لا تكادان تفعلان شيئاً لمعالجة مشكلة الفساد المحلي أو لمعاقبة المسئولين عنه".

وثمة عقبات أمام الانتقاد العلني لسوء استخدام الموارد العامة في الولاية؛ لأن ولاية ريفرز ترفض نشر موازناتها وتعمد إلى إخفاء معلومات أساسية عن نفقات الحكومة عن أعين الجمهور. كما تعرض بعض الصحفيين وناشطي المجتمع المدني ممن حاولوا انتقاد أعمال حكومة الولاية علناً إلى المضايقات والتخويف، بل إلى العنف أيضاً من قبل الأجهزة الأمنية و"مثيري الشغب" المرتبطين بسياسيي ولاية ريفرز.

على أن الآثار الإنسانية لامتناع الحكومة عن تولي مسؤولياتها في توفير خدمات الصحة والتعليم لا تقتصر على ولاية ريفرز؛ إذ يموت واحد من كل خمسة أطفال نيجيريين قبل بلوغ الخامسة من العمر، وهذا يعني وفاة أكثر من مليون طفل سنوياً. ويقع كثيرٌ من الناس فريسة أمراض تَسهُل الوقاية منها من خلال البنية الصحية الأساسية التي تقع مهمة تأمينها على عاتق الحكومات المحلية. وأما نظام المدارس الابتدائية العامة الذي كان من بين أفضل الأنظمة في أفريقيا ذات يوم، فقد تردى إلى حالة مخيفة من الإهمال وعدم القدرة على العمل في معظم أنحاء نيجيريا.

ومنذ انتهاء الحكم العسكري عام 1999، تخوض حكومة الرئيس أوليسيغون أوباسانجو ما تطلق عليه "الحرب ضد الفساد". ورغم أن الحكومة الاتحادية بذلت بعض الجهود لمحاربة الفساد وتحسين مستوى الشفافية فيما يتعلق بماليتها، فقد فشلت في التعامل مع الفساد المنفلت من عقاله على مستوى الولايات والحكومات المحلية. وقد تعرضت الجهود الرامية إلى محاربة الفساد إلى الإعاقة بسبب امتناع الحكومة عن إصلاح النظام السياسي الذي غالباً ما يكافئ السياسيين الذين يستخدمون الفساد والعنف لتقويض العملية الديمقراطية، وخاصةً على مستوى الولايات والحكومات المحلية.

وقد وصل معظم سياسيي الولاية والحكومات المحلية في ولاية ريفرز إلى السلطة عبر انتخابات شابها التزوير والدموية، حتى في نظر المعايير البائسة التي جرت الانتخابات في ظلها في مختلف أنحاء البلاد عامي 2003 و2004.

وقال تاكيرامبودي: "لن تشهد نيجيريا تراجع هذه المشكلات على نحو تام إلى أن تعالج الحكومة الأسباب الجذرية الكامنة في قلب النظام السياسي"، وأضاف "وعلى الحكومة النيجيرية أن تضمن عدم قدرة السياسيين الفاسدين المسيئين على خوض الانتخابات المقبلة في إبريل/نيسان من أجل الفوز بالمناصب العامة".

وقالت هيومن رايتس ووتش أن على وزارة الخارجية الأمريكية حثّ الحكومة النيجيرية على العمل من أجل مزيد من الشفافية والمساءلة في حكومات الولايات والحكومات المحلية. وعلى الحكومات أن تكون أكثر جديةً في منع المسئولين الفاسدين من إخفاء الأموال التي يجنونها من الفساد في المصارف الأجنبية.