Skip to main content

اكتشاف مقابر جماعية يبيّن فجوة الإفلات من العقاب على الجرائم الجسيمة في العراق

نُشر في: العربي الجديد

منذ 2016، زُرتُ أكثر من عشرة مخيمات في جميع أنحاء العراق تؤوي عائلات متهمة بأن لها أبا أو زوجا أو ابنا في "تنظيم الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ"داعش"). أمضيت عشرات الساعات جالسة في الخيام مع نساء يحاولن إيجاد طريقة للخروج من المخيم، حيث تحتجزهن فعليا قوات الأمن عقابا لما قد يكون فَعَله قريب لهن، من أجل إعطاء أبنائهن إمكانية عيش حياة طبيعية. مع أن كل تلك المقابلات كانت مفجعة، فإن زيارتي إلى مخيم الإسحاقي تؤرقني أكثر من غيرها.

في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2018 بعد مفاوضات دامت ساعات، سمحت لي إحدى وحدات "قوات الحشد الشعبي" (أو "الحشد"، وهي تحت سيطرة رئيس الوزراء المباشرة) أخيرا بدخول المخيم السيئ السمعة في محافظة صلاح الدين. على عكس المخيمات الأخرى، لم يكن فيه حضور أو خدمات من المنظمات الدولية أو المحلية. كان المسلحون أنفسهم هم "إدارة" المخيم. معظم المنظمات التي حاولت دخول المخيم تم ردها من قبل المسلحين الذين كانوا يديرون المخيم وكأنه سجن في الهواء الطلق. من بين أكثر من 400 مقيم في المخيم، لم أر إلا حوالي 30 رجلا فقط، جميعهم تجاوزوا سن الستين.

تمكنتُ من التملص من المسلح المكلف بمراقبة مقابلاتي لفترة قصيرة. وبينما أنا بعيدة عن مسمعه، كفّت النساء عن وصف ظروف المخيم المروعة، بما في ذلك نقص الوقود والأمراض المزمنة، وأسرعن بإعطائي سلسلة من الأسماء؛ أسماء رجال بالعشرات. قلن إنه بعدما أحضرتهم قوات الأمن إلى المخيم بشهر واحد، وقع تفجير في مكان قريب، فجمع المسلحون على الفور جميع الرجال الـ52 الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و 57 عاما في المخيم، واتهموهم بأن لهم صلة بالتفجير، ثم أخذوهم مع بعض الصبية الأصغر سنا. لم يسمع أقاربهم عنهم بعد ذلك أو يعرفوا مصيرهم.

طوال 30 دقيقة، لم أفعل شيئا غير تدوين الأسماء، بما فيها أسماء صبية لا تتجاوز أعمارهم العاشرة. قبل أن أغادر، وبناء على طلب النساء، اقتلعتُ الصفحات المملوءة من دفتر ملاحظاتي ودسستها في جيبي حتى لا يجدها الحراس إذا فتشوني.

قبل أسابيع قليلة، اعتصر قلبي لقراءة خبر محلّي بدّد أي أمل في أن الرجال الذين دوّنتُ أسمائهم قد يكونون على قيد الحياة في معتقل سري في مكان ما. كانت السلطات قد اكتشفت للتو مقبرة جماعية بجوار المخيم تحوي على ما يبدو رفات أكثر من 50 شخصا، من بينهم أطفال دون الثامنة أو العاشرة.

لا أتذكر عدد المرات التي وثقت فيها عمليات قتل مزعومة في العراق، ثم قرأت في الأخبار بعد أشهر أو سنوات أن مقبرة جماعية اكتُشفت في مكان عمليات القتل تلك. مع ذلك، لا أتذكر مرة واحدة حققت فيها القوات العراقية في أي قتل جماعي.

حتى أواخر2020، كان عشرات آلاف العراقيين، معظمهم نساء وأطفال، يعيشون في مخيمات، بعضها كان بمثابة سجون بالفعل، لأن الحكومة ومجتمعهم المحلي أرادوا معاقبتهم على الدور المتصور لأقاربهم في داعش من خلال منعهم من العودة إلى حياة طبيعية. تغير الوضع في أكتوبر/تشرين الأول عندما تحركت الحكومة لإغلاق جميع المخيمات في جميع أنحاء البلاد ما حرم العائلات من الحصول على الطعام والماء والمأوى والرعاية الصحية وتركتهم لا يعرفون أي وجهة يقصدون، في غياب رجال لكسب لقمة العيش.

أغلقت السلطات مخيم الإسحاقي في نوفمبر/تشرين الثاني، وأُخلي سبيل المقيمين فيه. لكن كما هو حال كثيرين آخرين مثلهم أفرِج عنهم من المخيمات، تسيطر وحدات مسلحة أخرى على قراهم ولا تسمح لهم بالعودة إلى ديارهم، فتُركوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم. أخبرتني نساء في نفس هذا الوضع في جميع أنحاء العراق بأنهن لا يشعرن بالأمان ويتعرضن لخطر العنف الجنسي.

يستحق معظم النساء والأطفال الذين احتُجزوا في مخيم الإسحاقي لسنوات العودةَ إلى ديارهم أو بناء منزل جديد في مكان آخر، وعلى الحكومة أن تبذل قصارى جهدها لحمايتهم ودعمهم.

لكن سكان المخيمات السابقين يستحقون أيضا معرفة مصير أحبائهم، كما يجب وضع حد للإفلات من العقاب الذي تتمتع به قوات الأمن الجائرة. يمكن للسلطات العراقية أن تبدأ في معالجة هذا الملف المروع من خلال فتح تحقيق ذي مصداقية في الحادث، يبدأ بتحديد مكان سكان المخيم السابقين الذين يعيش كثير منهم حاليا في ظروف مزرية في محطة قطار مهجورة قريبة، ومقابلتهم لمعرفة تفاصيل اختفاء أقاربهم، وأخذ عينات من الحمض النووي للمساعدة في التعرف على رفات من عُثر عليهم في المقبرة الجماعية.

للمجتمع الدولي دور يلعبه هو الآخر. في 2017، قرر "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" إنشاء "فريق التحقيق لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش" ("يونيتاد") لمساعدة الحكومة العراقية في توثيق جرائم داعش ومقاضاتها، بما في ذلك من خلال استخراج الجثث من المقابر الجماعية في العراق. لكنه اختار أن يستثني من ولاية يونيتاد التحقيق في الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها قوات الأمن العراقية في المعركة ضد داعش.

العدالة من جانب واحد في العراق لن تخدم مصالح أي كان، وعائلات مخيم الإسحاقي تستحق العدالة لما ارتُكب في حق أحبائها تماما كما هو شأن كل ضحية من ضحايا داعش. على المجتمع الدولي التحلي بالشجاعة اللازمة للضغط باتجاه إجراء تحقيقات قضائية في هذه الانتهاكات أيضا.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.