رئيس الوزراء السوداني الجديد عبدالله حمدوك يتحدث في مؤتمر صحفي، الأربعاء، 23 أغسطس/آب 2019، في الخرطوم، السودان.

© 2019 أسوشيتد برس

لأول مرة منذ أكثر من 14 عاما، استقبلت الحكومة السودانية الشهر الماضي وفدا من "هيومن رايتس ووتش" برئاستي لعقد اجتماعات رسمية في الخرطوم. يشير هذا التحوّل البارز إلى انفتاح جديد بعد أن أجبر المتظاهرون الديكتاتور القديم ومجرم الحرب المُدان عمر البشير على التنحّي في أبريل/نيسان الماضي. أجبر الضغط المستمر من المتظاهرين الجيش وحلفاءه من المليشيات على إتاحة درجة كبيرة من الحكم المدني.

الأجواء في الخرطوم مفعمة بالأمل في بناء ديموقراطية تحترم الحقوق. لكن هناك جهات قوية تقاوم التغيير، كما بدا واضحا من محاولة اغتيال رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك في 9 مارس/آذار (لا تزال هوية المهاجمين مجهولة). هناك حاجة إلى دعم دولي سريع لتجنب ضياع هذه الفرصة النادرة لإرساء الديمقراطية في البلد.

أحرز السودان تقدما كبيرا في العام الماضي. بفضل مقاومة الشعب السوداني أي عودة إلى الحكم العسكري، وافق القادة العسكريون في يوليو/تموز على تقاسم السلطة مع المدنيين. يرأس الجيش مجلسا سياديا حاكما، وهو فعليا بمثابة رئاسة جماعية، للأشهر الـ21 الأولى، ثم يعقبه مدنيون للأشهر الـ18 التالية، على أن تُجرى انتخابات بعدها. عيّن القادة رئيس وزراء مدنيا، واختاروا وزراء مدنيين، واتفقوا على إطار زمني لتعيين مجلس تشريعي ومحافظين إقليميين ولجان مختلفة لتنفيذ المهمة الضخمة المتمثلة في إصلاح الحكومة بعد 30 عاما من سوء الإدارة والفساد والاضطهاد والقمع العنيف.

كبار المسؤولين الذين قابلتُهم لم يدّخروا جهدا لإظهار التزامهم بالإصلاح الديمقراطي. رئيس المجلس السيادي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء حمدوك جددا التأكيد على رغبتهما في تعزيز احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، بما يشمل التعاون مع "المحكمة الجنائية الدولية" التي أصدرت مذكرات توقيف في حق البشير وأربعة آخرين بتهمة قيادة الفظائع المرتكبة في إقليم دارفور غربي السودان. كان هذا تحوّلا ملحوظا بعد سنوات رفض فيها البشير الاعتراف بالمحكمة.

وزير العدل نصر الدين عبد الباري، الذي درس في "جامعة جورجتاون" في واشنطن، يسُنّ قوانين جديدة، حيث علّق قوانين النظام العام التمييزية وحظر الجَلد، وهي شكل من العقاب البدني ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان. شكّل النائب العام تاج السر علي الحبر لجانا للتحقيق في أخطر الفظائع التي ارتُكبت في الماضي، وهي خطوة مهمة من شأنها أن تُكمِل عمل المحكمة الجنائية الدولية.

بدأت الحكومة أيضا التحقيق في مقتل 120 متظاهرا أعزل على الأقل في 3 يونيو/حزيران، بعد أسابيع من الإطاحة بالبشير، حسبما دعا إليهاتفاق تقاسم السلطة الصيف الماضي. تنتظر لجنةَ التحقيق مهمة صعبة لأن من بين المسؤولين عن ذلك القمع العنيف عناصر من "قوات الدعم السريع" شبه العسكرية، التي كانت تُعرف أيضا بـ "الجنجويد"، والمسؤولة عن الفظائع الجماعية في دارفور وكذلك في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.  هذه القوات، التي تعتبر أقوى جماعة مسلحة في البلاد، يقودها الفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي" وهو نائب عبد الفتاح البرهان في مجلس السيادة الحاكم.

بدل أن يواجه حمديتي تهما جنائية لجرائمه السابقة، أصبح الآن أقوى قائد في البلاد بدهائه. بعض القادة السياسيين السودانيين، ومنهم معارضون يطالبون منذ فترة طويلة بالعدالة في انتهاكات دارفور، يروِّجون له بصفته قوة ردع في مواجهة الإسلاميين المتطرّفين. هذه الضغوط المتعارضة، من قبيل محاربة الإسلاميين مع الحفاظ في نفس الوقت على الاستقرار في القطاع الأمني، على حساب العدالة والمساءلة، قد تساعد في تفسير بعض نقاط الضعف في المرحلة الانتقالية في السودان، وكيف أن دعم القيادة المدنية والإشراف على قوات الأمن أمران ملحّان للغاية.

هناك تأخيرات مقلقة بالفعل. الحكومة لم تُعيّن بعد المجلس التشريعي أو المحافظين المدنيين. من الأعذار المذكورة ضرورةُ انتظار انتهاء محادثات سلام دارفور حتى يُمكن تمثيل الجماعات المتمردة في المجلس التشريعي، رغم أن المحادثات تسير ببطء. المقاربة الأفضل قد تكون إنشاء المجلس التشريعي الذي تشتد الحاجة إليه الآن وحجز بعض المقاعد لكي تشغلها الجماعات المتمردة بمجرد اختتام محادثات السلام. لم تشكل الحكومة أيضا بعدُ اللجان الموعودة بشأن حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والانتخابات وغيرها، ولم تقم بإصلاحات مؤسسية ذات مغزى.

المرحلة الانتقالية لم تصل إلى دارفور بعد، حيث لا يزال المدنيون معرضين لخطر الهجمات. أفضى الصراع بين القبائل العربية والمساليت في غرب دارفور في ديسمبر/كانون الأول إلى هجوم كبير شنته ميليشيات عربية مسلحة، من بينها أفراد من قوات الدعم السريع، على مخيم كريدينغ للنازحين. أفادت تقارير بوقوع عشرات القتلى وإحراق مساكن وإجبار عشرات الآلاف على الفرار.  بعثة حفظ السلام التي تُعرف بـ"بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور" ("اليوناميد") " والتي كان من الممكن أن تساعد في تهدئة الوضع، َ غادرت المنطقة في أيار/مايو. يبدو أن الحكومة والأمم المتحدة عازمتان على إنهاء مهمة البعثة بحلول أكتوبر/تشرين الأول على الرغم من غياب أي قوة بديلة تكبح مثل هذا العنف.

قد يكون أكثر التحديات إلحاحا في السودان اقتصاده، وهو في حالة يرثى لها بعد سنوات من فساد الحكومة السابقة وسوء الإدارة والإنفاق المفرط على القطاعين العسكري والأمني. ارتفع التضخم بينما انخفض سعر النفط الخام، مصدر الدخل الرئيسي في البلاد. رأيت الناس تقف في طوابير طويلة لشراء الوقود والخبز في الخرطوم. بما أن أسعار الخبز كانت سببا رئيسيا في احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2018 التي أطاحت بحكومة البشير، يتعيّن على الإدارة الانتقالية إيجاد حل سريع.

لكن الجهات المانحة تبدو مترددة. بعضها ينتظر أن يوضح قادة السودان استراتيجيتهم الاقتصادية، خاصة فيما يخص رفع الدعم عن المواد الأساسية مثل الخبز والوقود، رغم أن مثل هذه المبادرات لا تحظى بالشعبية. يتخوّف البعض الآخر من أن يجد القادة العسكريون وشبه العسكريين سبيلا لإحباط الانتقال الديمقراطي.

يزيد هذا التأخير في الاستجابة للأزمة الاقتصادية في السودان من احتمال ولادة الانتقال الديموقراطي ميتا. نقص الأموال، في جملة أمور، يُعيق عمل وزير العدل والنائب العام والتحقيق البالغ الأهمية في مذبحة 3 يونيو/حزيران. ينبغي أن يكون هناك سبيل لدعم المسؤولين المدنيين بتعزيز شرعيتهم دون تقوية الجهات العسكرية وشبه العسكرية.

ضغطت الحكومة السودانية وبعض جماعات المجتمع المدني على الحكومة الأمريكية من أجل إلغاء تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب، وهو ما يُبقي على العقوبات التجارية ويحد من القروض الدولية والاستثمار الأجنبي. يقولون إن الإبقاء على هذا التصنيف والعقوبات المتصلة به قد يقوّض الانتقال الديمقراطي.

ليس لدى هيومن رايتس ووتش موقف مما إذا كان ينبغي تصنيف دول كجهات راعية للإرهاب. لكن عندما أعلنت إدارة أوباما أنها ستتخذ خطوات لرفع العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة على السودان خلال حكم نظام البشير، شدّدنا على ضرورة الوفاء ببعض المعايير الحقوقية قبل أن يُتخذ هذا الإجراء بشكل دائم. طالبنا واشنطن أيضا بفرض عقوبات فردية تستهدف الضالعين في الانتهاكات الجسيمة.

تغيرت أمور كثيرة في السودان منذ ذلك الحين، لكن عند وضع السياسات المتعلقة بالسودان، يتعيّن على حكومة الولايات المتحدة الاستمرار في الاسترشاد بمعايير حقوقية واضحة وشفافة بهدف مساعدة السلطات المدنية على بناء حكومة تحترم الحقوق وتأكيد سيادة القانون على قوات الأمن وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي انتزعتها حكومة البشير من الشعب السوداني.

هذا يعني مساعدة الحكومة الجديدة في تنفيذ أجندة إصلاح طموحة، وضمان الانتقال إلى الحكم المدني، وضمان مساءلة أولئك الذين قادوا أخطر الانتهاكات، بما في ذلك ضد المتظاهرين. السبيل الأجدى لتعزيز هذه المساءلة هو العقوبات الفردية والمحددة الأهداف، بدلا من عقوبات اقتصادية فضفاضة، من خلال تهميش الجهات المعوِّقة بدلا من معاملتها كأطراف حوار محترمة، وحثّ دول الخليج على كف دعمها لهؤلاء الأفراد. ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي مساعدة الشعب السوداني في سعيه إلى بناء حكومة أكثر شفافية وخضوعا للمساءلة على أساس سيادة القانون.

كان القادة المدنيون الذين قابلتُهم في الخرطوم مثيرين للإعجاب وبدَوا ملتزمين بانتقال ديمقراطي ناجح. لكن الحالة الاقتصادية المزرية وقوات الأمن العاصية التي يواجهونها تجعل حظوظ نجاحهم هزيلة. على الغرب إيلاء الأولوية القصوى لمساعدتهم على سلوك الطريق الوعرة نحو بناء حكومة تحترم الحقوق في السودان.