متظاهرون إيرانيون يجتمعون حول سيارة تحترق خلال مظاهرة ضد زيادة أسعار البنزين في العاصمة طهران، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

© 2019 أ ف ب/غيتي إيمجز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن السلطات الإيرانية لم تحاسب  قوات الأمن حول استخدامها المفرط وغير القانوني للقوة القاتلة في مواجهة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. ينبغي لأعضاء "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" اتخاذ إجراءات عاجلة حيال القمع الوحشي.

رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر، لم تعلن الحكومة عن إجمالي عدد القتلى والاعتقالات في الاحتجاجات التي عمت أجزاء كثيرة من البلاد على مدى أسبوع. تشير المقابلات مع الضحايا والشهود، ومراجعة الصور ومقاطع الفيديو للاحتجاجات، وتحليل صور الأقمار الصناعية إلى استخدام قوات الأمن القوة القاتلة غير القانونية في ثلاث مناسبات على الأقل. ، ويُرجَّح أن يكون الرقم الإجمالي لمثل هذه الحالات أعلى.

قال مايكل بَيج، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "دأبت السلطات الإيرانية على قمع المعارضة لعقود، وهي الآن تواجه الاحتجاجات الشعبية بمستوى مذهل من العنف. ينبغي لكل صوت دولي ذي مبدأ توجيه رسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن لإيران قتل المحتجين دون عقاب".

اندلعت الاحتجاجات جرّاء زيادة مفاجئة في أسعار الوقود، ما لبثت أن تحولت إلى استياء شعبي واسع مما ينظر إليه على أنه قمع وفساد حكومي. حجبت الحكومة الإنترنت بشكل شبه تام بين 15 و19 نوفمبر/تشرين الثاني.

كان من الصعب توثيق شدّة القمع وإجمالي القتلى بسبب حجب الإنترنت وتهديدات السلطات لعائلات الضحايا. قدَّرت "منظمة العفو الدولية" مقتل 304 أشخاص على الأقل. تحققت "وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان" من هوية أكثر من 100 قتيل، بينما أفادت تقارير صحفية عن حصيلة أعلى بكثير. قدّر عضو برلماني الرقم بـ170 قتيلا، ونقلت وسائل إعلام رسمية مقتل خمسة عناصر أمن على الأقل في الاحتجاجات. أشار أحد أعضاء البرلمان إلى اعتقال حوالي 7 آلاف شخص.

قالت أربعة مصادر مطلعة لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات منعت العائلات من التحدث إلى وسائل الإعلام، مهددةً بالانتقام إذا فعلت. في 23 ديسمبر/كانون الأول، اعتقلت السلطات أفرادا من عائلة بختياري بعد دعوتهم إلى الحداد العام في ذكرى مرور 40 يوما على وفاة ابنهم. أطلقت السلطات سراح والد بختياري، في 22 يناير/كانون الثاني، في انتظار المحاكمة.

بعد إعطاء الضوء الأخضر للقمع بداية، نُقل عن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي قوله لاحقا إنه ينبغي تعويض عائلات القتلى الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات، ومعاملة المحتجين المحتجزين وفق "الرأفة الإسلامية". لكن لا يشير رد خامنئي إلى احتمال التحقيق في استخدام قوات الأمن المفرط وغير القانوني للقوة. ذكرت تقارير صحفية عديدة ضرب سلطات السجن للمحتجين المحتجزين وإساءة معاملتهم، وأشارت إلى حُكم المحاكم الثورية الإيرانية على ثلاثة متظاهرين على الأقل بالإعدام.

قابلت هيومن رايتس ووتش تسعة أشخاص، بينهم شهود، وعائلات ضحايا، وآخرون مطلعون على رد قوات الأمن العنيف على الاحتجاجات في مقاطعات خوزستان، وفارس، وكرمانشاه، والبُرز. استعرضت هيومن رايتس ووتش مقاطع فيديو وصورا لحوادث استخدمت فيها قوات الأمن القوة الفتاكة المفرطة وغير القانونية، وكذلك صور أقمار صناعية لبعض مواقع الاحتجاج. تشير الأدلة بقوة إلى استخدام قوات الأمن القوة القاتلة غير القانونية ردا على محاولات المتظاهرين قطع الطرقات، وإلقاء الحجارة، ومحاولة الاستيلاء على المباني العامة.

تشير الصور ومقاطع فيديو الاحتجاجات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تحققت منها هيومن رايتس ووتش، إلى لعب القوات الخاصة التابعة لـ "الحرس الثوري" والقوات الخاصة التابعة لقوات حفظ النظام "ناجا" أدوارا رئيسة في حملة القمع الدموية الحكومية.

أشار من جرى مقابلتهم وأيضا مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل إلى أنه، في ثلاث حالات على الأقل، أطلقت قوات الأمن النار على أشخاص كانوا يفرون من مكان الاحتجاج. يمكن مشاهدة إحدى الحالات في مقطع فيديو نُشر عبر الإنترنت في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 سُجّل على طريق زين الدين السريع المطل على شارع طالقاني في طهران. يُظهر المقطع أشخاصا يضرمون النيران، بينما يرمي آخرون ما يبدو أنه عصي وحجارة على قوات الأمن. يُظهر الفيديو 24 عنصر أمن يرتدون زيا أسود بالكامل مع خوذة سوداء بشريط أبيض، وأحدهم يطلق النار على المتظاهرين.، لكن ليس واضحا إذا أصيب أي شخص.

يبدو الزي الأسود والخوذات السوداء بالشريط الأبيض التي يرتديها عناصر الحرس الثوري الإيراني، وكذلك عناصر "الباسيج"، وهي قوة شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري مضطلعة بمسؤوليات الأمن الداخلي وذات سجل حافل بالانتهاكات الحقوقية الخطيرة.

قال شخص على اطلاع وثيق بحالة أخرى إن برهان منصورنيا (28 عاما)ـ وهو طبيب بيطري، أخبر أسرته أنه أصيب بنيران قوات الأمن في دولت آباد بمقاطعة كرمانشاه يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني خلال فراره من قوات الأمن التي كانت تطلق النار على المتظاهرين.

قال منصورنيا لعائلته إن محتجَّين آخرين قُتلا هناك خلال إقامته في المستشفى. نُقل منصورنيا إلى المستشفى لإصابته بعيارات نارية وتوفي في 18 نوفمبر/تشرين الثاني. رفضت السلطات إخبار عائلته عن السلاح والذخيرة اللذين استخدما لقتله، مهددةً العائلة بالاعتقال إذا تحدثت إلى وسائل الإعلام.

قال أفراد أُسر وأشخاص مطلعون على أربع حالات قتل أخرى إنه في كل حالة، ماتت الضحية جراء طلقات نارية في الرأس و/أو الصدر. قال أحد أفراد عائلة بويا بختياري (27 عاما)، وهو مهندس كهرباء، إن قوات الأمن أطلقت النار عليه في رأسه لترديه قتيلا خلال احتجاج في 17 نوفمبر/تشرين الثاني في كرج بمقاطعة البرز. قال أحد أقارب الطفل محمد دستانخاه (15 عاما) إن قوات الأمن أطلقت النار عليه في قلبه في 16 نوفمبر/تشرين الثاني في طريق عودته من المدرسة في بلدة صدرا قرب شيراز ضمن مقاطعة فارس.

في منطقة مجاورة وفي اليوم نفسه، أخبر عليرضا أنجوي (27 عاما)، وهو خريج كلية الهندسة المعمارية، والدته عبر الهاتف أنه كان يمر بمنطقة احتجاج. لم تسمع عائلته عنه شيئا بعدها. بعد أسبوع، اتصل عنصر أمن بوالدته لإبلاغها بمقتل ابنها بعيار ناري في جبهته، بحسب مصدر مطلع على القضية عن قرب.

شهدت المنطقة المحيطة ببندر ماهشهر، مدينة في مقاطعة خوزستان، أعمال قمع عنيفة. قال قاطنان فيها إنه في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، فتحت وحدات خاصة النار على المتظاهرين الذين كانوا يقطعون الطرقات في بلدة تشمران منذ 16 نوفمبر/تشرين الثاني، بالإضافة إلى أولئك الذين كانوا يفرون إلى مستنقع قريب. قال القاطنان إن قوات الأمن استخدمت على ما يبدو الذخيرة الحية والرشاشات الثقيلة. تظهر مقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل انتشار دبابات في طالقاني ومركبة برشاش  في تشمران. أشارت أنباء إلى مقتل عنصر أمن على الأقل بالرصاص خلال الاشتباكات التي وقعت في 18 نوفمبر/تشرين الثاني في منطقة تشمران، ووفاة آخر متأثرا بجراحه بعد أسبوع.

نُشر على الإنترنت في 3 ديسمبر/كانون الأول 2019 شريط فيديو يُظهر مركبة تحمل رشاشا في تشمران. حددت "فرانس 24" الموقع الدقيق لمكان تسجيل الفيديو كجزء من تحقيق مفصل أجرته حول الاحتجاجات والقمع.

قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان إن من أصيبوا خلال الاحتجاجات في كرج، وإسلام شهر، وبهبهان، وسيرجان حاولوا تجنّب التماس العلاج في المستشفيات مخافة الاعتقال. ذكرت الوكالة وفاة شخصين على الأقل في الاحتجاجات متأثرين بجراحهما.

قال سجناء احتجزوا في سجني رجائي شهر وإيفين إن سلطات السجن ضربت المحتجين المعتقلين. أشار "مركز حقوق الإنسان" في إيران إلى عدم قدرة المحامين على الحصول على معلومات حول حالة من قُبض عليهم بتهمة "قيادة" الاحتجاجات.

قال بَيج: "ينبغي لإيران ألا تستخدم الاضطرابات السياسية الدولية لصرف الانتباه عن محاسبة مرتكبي الانتهاكات. تستحق عائلات القتلى تحقيقا شاملا وشفافا بدل تهديد السلطات لها وإكراهها على الصمت".

لمزيد من التفاصيل حول استجابة الحكومة، واستخدام القوة القاتلة، والمعايير القانونية، يرجى الاطلاع على التقرير الكامل بالإنغليزية.