أشخاص يضيئون الشموع خلال تجمع إحياءً لذكرى ضحايا طائرة "الخطوط الجوية الأوكرانية" التي أسقطتها إيران عن طريق الخطأ، طهران، إيران، السبت 11 يناير/كانون الثاني 2020.

 

© 2020 بلومبرغ عبر غيتي إيمجز

تعيش طهران أوقاتا عصيبة. في مساء 11 يناير/كانون الثاني، اندلعت احتجاجات أمام اثنتين من أبرز جامعات العاصمة الإيرانية، بعد أن اعترف قائد عسكري إيراني بأنه أسقط عن طريق الخطأ طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية الرحلة رقم 752 وعلى متنها 176 راكبا، منهم أكثر من عشرة طلاب إيرانيين كانوا يعيشون في كندا.

كان المتظاهرون غاضبين من تأجيل الحكومة لمدة ثلاثة أيام الإعلان عما كان ينبغي أن يُعرف بعد وقوع الحادث مباشرة. هتفوا مَطالب باستقالة مسؤولين، بمن فيهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية.

كان منعطفا صادما للأحداث. قبل أيام فقط من المأساة، كانت الحكومة الإيرانية تأمل في الاستفادة إعلاميا من الحشود الكبيرة في جنازة الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي قُتل في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد في العراق في 3 يناير/كانون الثاني، والصواريخ التي أطلقتها إيران انتقاما في 7 يناير/كانون الثاني. بدلا من ذلك، أصبحت الحكومة مرة أخرى هدفا لانتقادات واسعة لما يبدو أشبه بعدم الكفاءة والتستر على المسؤولية في وفاة ركاب الطائرة. كان من بينهم أمهات شابات وأطفال واثنان على الأقل من المتزوجين حديثا كانوا عائدين من إجازتهم في إيران.

 قبول المسؤولية عن هذا الحادث الكارثي، وتقديم تعويضات كاملة للضحايا، والالتزام بإجراء تحقيق ومحاسبة المسؤولين، وكلها وعود جاءت في بيان الرئيس حسن روحاني في 11 يناير/كانون الثاني، هي الحد الأدنى المتوقع من الحكومة في مثل هذه الحالة.

مع ذلك، ربما تكون ثلاثة أيام من السرية بل والتهديدات ضد الصحفيين الذين شككوا في الروايات السابقة للحكومة، سبب شكّ الكثير من الإيرانيين في صدق اعتذارها ووعودها. قال العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانيين إنهم يعتقدون بأنه لو لم تكن لركاب الطائرة جنسيات أجنبية ولم يضغط المجتمع الدولي على إيران للاعتراف لما أعلنت الحكومة عن السبب الحقيقي لوقوع الطائرة.

استمرت هذه الاحتجاجات في عدة مدن أخرى وفي الجامعات، بما في ذلك في أصفهان لبضعة أيام، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والهراوات لاحتواء وقمع أي محاولة لتوسيع الاحتجاجات. قبل أقل من شهرين، قمعت قوات الأمن بعنف شديد احتجاجات ضد الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود التي امتدت إلى أكثر من 100 مدينة في جميع أنحاء البلاد، من المناطق الريفية إلى ضواحي المدن الكبرى. يبدو أن مقاطع الفيديو التي نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني تُبيّن استهداف قوات الأمن بعنف متظاهرين لم يشكلوا أي تهديد وشيك على الحياة، ورفضت السلطات قبول المسؤولية أو حتى الإعلان عن العدد الإجمالي للقتلى.

بعبارة آخرى، واجهت الحكومة خلال الشهرين الماضيين احتجاجات في الشوارع تردد مطالب تدعمها مجموعات كبيرة من الإيرانيين. يبدو أن موجتَيْ الاحتجاجات تشملان فئتين سكانيتين مختلفتين، مجموعة متصلة بطلاب الجامعات ومُثُل الطبقة الوسطى الحضرية، وأخرى تتكوّن إلى حد كبير من مجتمعات الطبقة العاملة والعاملة المتوسطة اللتين تكافحان وسط أوضاع اقتصادية متدهورة. غير أن كلتي المجموعتين تقولان إنهما تدينان عدم مبالاة الحكومة بمعاناة مواطنيها والغياب التام لأي مساءلة عن انتهاكاتها المنهجية.

في 17 يناير/كانون الثاني، وخلال خطبة الجمعة، رفض آية الله خامنئي الانتقادات التي أثارها المحتجون. حتى لو تمكنت الحكومة من إسكات أصوات من ينتقدونها بسبب كارثة الطائرة، على الأرجح سيؤدي  ذلك إلى زيادة إحساس الناس بالتهميش من قبل حكومتهم. هذا الشعور سيزيد أزمة شرعية السلطات سوءا.

في العامين الماضيين، لعبت السياسة الأمريكية تجاه إيران هي الأخرى دورا سلبيا في معالجة وضع حقوق الإنسان فيها، بما في ذلك العقوبات الواسعة النطاق المتزايدة التي فرضتها عليها والتي ألحقت الضرر بحق الإيرانيين في الرعاية الصحية. لكن الحكومة الإيرانية هي من يتحمل المسؤولية الرئيسية عن حماية حقوق مواطنيها، والحكومة الإيرانية هي من فشل في ذلك وقضى على الثقة بين الحكّام والمحكومين. أكثر ما تحتاج إليه الحكومة الإيرانية في هذا الوقت المضطرب هو ثقة شعبها، وعليها أن تلتزم فعليا بنمط حكم شفاف يحترم الحقوق.

هناك مقولة لدى الإيرانيين والعديد من المسلمين الشيعة الآخرين بأن "تنهُّد الأبرياء" سوف يطارد "الظالمين" يوما ما. أتساءل ما إذا كان أي مسؤول في الحكومة الإيرانية يشعر بأن "تنهد" ضحايا القمع الإيراني في الماضي، بمن فيهم أولئك الذين قُتلوا في نوفمبر/تشرين الثاني، قد عاد ليطاردهم.