مُعزّون يحملون نعشا ملفوفا بعلم العراق لمتظاهر قُتِل في مظاهرة في النجف، العراق، في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

©2019 آيه بي فوتو/انمار خليل
 

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الحكومة العراقية وعدت بإيقاف مسؤولين أمنيين كبار عن عملهم، وبإجراءات إضافية محتملة بسبب ردهم الدموي على سلسلة من الاحتجاجات في أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2019. مع ذلك، لم تعلن الحكومة بعد عن النتائج التي توصلت إليها، ولم يتناول تقريرها بعضا من أخطر الانتهاكات التي ارتُكبت أثناء الاحتجاجات، والدور المزعوم لـ "قوات الحشد الشعبي" في قتل المحتجين.

وقّع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على توصيات لجنة التحقيق في 22 أكتوبر/تشرين الأول. أوصت اللجنة بإقالة مسؤولين أمنيين كبار، والتحقيق مع كبار المسؤولين بشأن مقتل 149 محتجا وإصابة 5,449 آخرين بين 1 و9 أكتوبر/تشرين الأول. استمر المحتجون بالإبلاغ عن التهديدات، بما فيها حالات الإخفاء، ودعا النشطاء إلى استئناف الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في 25 أكتوبر/تشرين الأول.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "لأول مرة، يبدو أن الحكومة العراقية حققت في الانتهاكات واقترحت إجراءات محددة. مع ذلك، على الحكومة ليس توقيف المسؤولين فحسب، بل محاسبتهم أيضا، لا سيما القياديين، على الاستخدام غير المشروع للقوة القاتلة والاعتقالات التعسفية".

قابلت هيومن رايتس ووتش 24 شخصا تواجدوا أثناء الاحتجاجات، وجميعهم وصفوا الانتهاكات التي رأوها أو تعرضوا لها.

بدأت الاحتجاجات في بغداد والمدن الجنوبية في 1 أكتوبر/تشرين الأول، مطالبة بتحسين الخدمات، وبمزيد من الإجراءات للحد من الفساد. استخدمت قوات الأمن القوة القاتلة المفرطة في بعض الأحيان في مواجهة المتظاهرين الذين يلقون الحجارة. كما أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين أثناء تفريقهم، ورشتهم بالمياه الحارقة.

ردّ عادل المهدي على مزاعم الاستخدام المفرط للقوة والاعتقالات التعسفية بتشكيل لجنة وزارية عليا للتحقيق في أحداث المظاهرات. استنادا إلى ملخصات التقرير التي تمت مشاركتها مع هيومن رايتس ووتش، تبين أن 70% من الوفيات كانت ناجمة عن إصابات بالرصاص في الرأس أو الصدر. ورد في التقرير أيضا أنه بالإضافة إلى وقف المسؤولين عن عملهم، على السلطات إحالة القادة المتورطين في الانتهاكات إلى القضاء. مع ذلك، لم يتناول التقرير مسؤولية القيادة عن عمليات القتل المتعمدة للمتظاهرين العزل. لم يتناول التقرير أيضا اقتحام عدة وسائل إعلام، أو الاعتداءات على الصحفيين، أو قرار الحكومة باتخاذ الإجراء غير المتناسب بحظر معظم الوصول إلى الإنترنت من 2 إلى 8 أكتوبر/تشرين الأول.

في 13 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الحكومة أنها بدأت في تعويض عائلات الأشخاص الذين قتلوا أو أصيبوا خلال الاحتجاجات.

اعترفت السلطات أيضا بالاعتقالات التعسفية. قالت "المفوضية العليا لحقوق الإنسان" في العراق إن السلطات ألقت القبض على 1,055 شخصا، لكنها أفرجت عنهم جميع باستثناء 21 شخصا حتى 20 أكتوبر/تشرين الأول. أفادت وسائل إعلام محلية في 19 أكتوبر/تشرين الأول أن وزارة الداخلية والقضاء وافقا على كون جميع الأجهزة الأمنية ملزمة بإخطار وزارة الداخلية "على الفور" عن الاعتقالات.

ما يزال بعض المتظاهرين مختبئين خوفا من الاعتقال. قال أحد المحتجين في بغداد لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 8 أكتوبر/تشرين الأول، أخبرته والدة صديقه الذي كان يقيم عنده أن ثلاثة رجال مسلحين ملثمين أتوا للبحث عنه في منزله. وجد الرجل أنه تم تفتيش شقته الخاصة، وتخريب عديد من ممتلكاته وأجهزته الإلكترونية، فهرب من المدينة. في 11 أكتوبر/تشرين الأول، قال إن والدته التي تعيش في مدينة أخرى، اتصلت به لتخبره أن خمسة رجال ملثمين أتوا إلى منزلها، مطالبين بمعلومات عن أنشطته ومكان وجوده. قال إنهم أخذوا شقيقه إلى موقع آخر واستجوبوه. قال إنه يشعر بالقلق من تعرض عائلته للخطر لأنه تحدث بحريّة في وسائل التواصل الاجتماعي حول قمع الحكومة للاحتجاجات.

زعم بعض الأشخاص أن قوات الأمن أخفت قسرا بعض المحتجين الذين لم يُفرج عنهم بعد. قالت زوجة ميثم الحلو، أحد سكان بغداد، إن زوجها شارك في احتجاجات عام 2015 لكن ليس في الاحتجاجات الأخيرة. قالت إنه في 7 أكتوبر/تشرين الأول رآه زملاؤه وهو يغادر حوالي الساعة 7 مساء، ويسير نحو سيارته المركونة. اتصلت به الساعة 7:30 مساء لكن هاتفه كان مغلقا، ووجدت فيما بعد سيارته في موقف السيارات المعتاد لكنها لم تعرف مكانه. قالت إنها ذهبت إلى مراكز الشرطة والمراكز الأمنية المختلفة ولكن السلطات قالت إنها لا تحتجزه. أطلِق سراح الحلو في 24 أكتوبر/تشرين الأول. قال شقيق متظاهر آخر إنه لم تصله أخبار منه منذ توجهه إلى مظاهرة احتجاجية في بغداد في 3 أكتوبر/تشرين الأول، وإنه في وقت ما بين الساعة 5 و8 مساء، تم إطفاء هاتف شقيقه. أضاف أنه ذهب إلى مراكز الشرطة والأمن لكنه لم يعثر على أي معلومة عنه.

قال أحد الناشطين إنه في 9 أكتوبر/تشرين الأول، أخبره صديقه الشرطي أن اسمه كان في قائمة صادرة عن الحكومة، تضم أسماء حوالي 500 ناشط مطلوبين لدورهم في الاحتجاجات. قال عديد من النشطاء الآخرين إنهم سمعوا شائعات عن قوائم المطلوبين، وهو ما ذكرته البعثة الأممية "يونامي" في تقريرها بشأن الاحتجاجات، لكن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من التحقق من وجود هذه القوائم.

قال الناشط إن الشرطي أخبره بأنه مطلوب بموجب المادة 212 من قانون العقوبات، التي تعاقب "من حرض بإحدى طرق العلانية على ارتكاب جنايات القتل او السرقة او الإتلاف أو الحريق أو غيرها من الجنايات التي من شأنها تكدير الأمن العام ولم يترتب على تحريضه نتيجة". قال إن صديقا آخر في قوات الحشد الشعبي، التابعة رسميا لرئيس الوزراء، أخبره أن عليه مغادرة بغداد لأنه يعتقد أن قوات الأمن سوف تعتقله، فتوارى الناشط عن الأنظار.

قال متظاهر آخر إنه شارك في الاحتجاجات في بغداد من 1 إلى 4 أكتوبر/تشرين الأول، لكنه بدأ يشعر بالقلق بعد أن رأى قوات الأمن تعتقل عديدا من المتظاهرين من حيّه. اتصل بصديق في الأجهزة الأمنية لسؤاله عما إذا كان في خطر، وقيل له إن اسمه مدرج في قائمة المطلوبين وإن عليه الفرار من المدينة، أو المخاطرة بالاعتقال عند نقطة تفتيش ما. توارى هو الآخر عن الأنظار.

قال شخص ثالث إنه شارك في المظاهرات سابقا ولكن ليس في المظاهرات الأخيرة. تلقى مكالمة من رقم بلا اسم في 6 أكتوبر/تشرين الأول: "كان هناك صوت قال لي: ’نعرف ما الذي تفعله، أنت كنت تقود الاحتجاجات في 2011 و2013 و2015 و2018. انتظر دوركʻ. توترت ولم أعرف ماذا أفعل. في اليوم التالي قررت مغادرة بغداد".

قال صحفي في "ألترا عراق"، وهي وسيلة إعلام محلية، كان قد نشر مقاطع فيديو وصور من الاحتجاجات، إن شخصا اتصل من رقم بلا اسم، وحذره قائلا إن ألترا عراق يجب أن تتوقف عن نشر هذه المواد. قال الصحفي إن مسؤولا أمنيا كان يعرفه اتصل به أيضا وأخبره أن اسمه بالإضافة إلى أسماء عديد من موظفي ألترا عراق على قائمة المطلوبين وأنهم معرضون للاعتقال. قال إنه والعديد من الموظفين الآخرين يختبئون.

قال ثمانية متظاهرين إنهم قلقون من رد الحكومة على الاحتجاجات المخطط لها في 25 أكتوبر/تشرين الأول. قال ماهر حسن ستار، وهو لاعب كرة سلة لديه ساق اصطناعية، إن عديدا من الناس التقطوا صورا له في احتجاج 1 أكتوبر/تشرين الأول وانتشرت بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.

قال ستار إنه في مظاهرة 2 أكتوبر/تشرين الأول في نفس المكان، قبض عليه ضابط شرطة من قوات "السوات"، وأضاف: "بدأ بلكمي وقال إنهم كانوا يبحثون عني لأني كنت أحرض المحتجين ضدهم، لأنه رأى الصور. سحبني بعيدا إلى المنطقة التي أوقفوا سياراتهم فيها، وضربوني لمدة ساعة تقريبا بأنبوب بلاستيكي. قال إن النقيب أمرهم بإطلاق سراحه لأن لديه إعاقة، لكن" بينما كنت أغادر، قال لي، ’إن رأيتك في مظاهرة أخرى، سأعتقلك من سريركʻ".

قال ستار إنه سيواصل الاحتجاج ولكنه لن يبقى في منزله خوفا من الاعتقال: "أنا لدي إعاقة وأعيش في بلد لديه إعاقة، وأريد أن أكون جزءا من التغيير الذي آمل أن يحدث".

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للسلطات احترام حقوق جميع العراقيين في حرية التعبير ووقف ترهيب الناشطين. يجب تأديب أو مقاضاة أفراد قوات الأمن، بمن فيهم القادة المسؤولون عن استخدام القوة القاتلة غير الضرورية أو المفرطة، حسب الاقتضاء.

قالت ويتسن: "إذا كان رئيس الوزراء المهدي جادا في محاسبة المسؤولين على استخدامهم التكتيكات القمعية، فقد يكون 25 أكتوبر/تشرين الأول اختبارا لهذا الالتزام".