لبنان: قانون الجنسية تمييزي

. على لبنان تعديل قانون الجنسية البالي لضمان حصول أطفال وأزواج اللبنانيات على الحق بالجنسية أسوة بزوجات وأطفال الرجال اللبنانيين

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على لبنان تعديل قانون الجنسية البالي لضمان حصول أطفال وأزواج اللبنانيات على الحق بالجنسية أسوة بزوجات وأطفال الرجال اللبنانيين.

يميّز القانون الحالي ضد النساء المتزوجات من أجانب وأطفالهن وأزواجهن عبر حرمان هؤلاء من الجنسية.

يؤثر على حياة الأطفال والأزواج من جميع النواحي، بما في ذلك الإقامة القانونية وإمكانية الحصول على عمل والتعليم والخدمات الاجتماعية والعناية الصحية، كما يعرّض بعض الأطفال لخطر انعدام الجنسية. على لبنان أن ينهي جميع أشكال التمييز ضد النساء اللبنانيات وأزواجهن وأطفالهن في قانون الجنسية.

قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "على البرلمان أن يعدّل قانون الجنسية الذي يعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي والذي يسبب معاناة لا توصف منذ أكثر من 90 عاما بدون أي مبرر. يشكّل تأمين حصول أطفال وأزواج اللبنانيات على حقوق أساسية مثل التعليم والعمل خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أن التدابير المربكة والمفرَّقة ليست بديلا عن المساواة في المواطَنة".

لا تعرف المواطنة اللبنانية جويل بسول كيف ستخبر أولادها أنهم ليسوا لبنانيين مثل عائلتها وأصدقائهم، فقط لأن والدهم غير لبناني. 

© 2018 Human Rights Watch

يسمح قانون الجنسية اللبناني الذي يعود إلى 1925 لزوجات اللبنانيين الأجنبيات، ولكن ليس الأزواج الأجانب للبنانيات، بالحصول على الجنسية اللبنانية بعد مرور سنة على تسجيل الزواج. كما يمنح القانون الجنسية لكل طفل مولود من أب لبناني، وكل طفل مولود على الأراضي اللبنانية ولم يثبت أنه اكتسب بالبنوة عند الولادة جنسية أجنبية، ولكل طفل مولود على الأراضي اللبنانية من والدين مجهولين أو والدين مجهولي الجنسية. بالتالي فإن أطفال اللبنانيات من آباء مجهولين لديهم إمكانية أكبر بالمطالبة بالجنسية من الأطفال الذين لديهم آباء أجانب معروفون.

تكلمت هيومن رايتس ووتش مع 15 امرأة متزوجة من أجانب وأبناء وبنات غير لبنانيين من أمهات لبنانيات، وذكروا جميعا العقبات أمام حصولهم على الحقوق الأساسية، وشعورهم بالرفض من قبل الحكومة اللبنانية.

على الأبناء والبنات والأزواج غير اللبنانيين أن يجددوا أوراق إقامتهم في لبنان كل سنة إلى 3 سنوات. كما يحتاجون إلى إجازة للعمل في لبنان، ويواجهون العديد من العقبات أو يُمنعون من مزاولة بعض الأعمال، ويتعرضون للتمييز في سوق العمل. يُحرمون من الانتساب إلى الضمان الصحي أو الحصول على الخدمات الطبية المدعومة من الحكومة، بالرغم من أن عليهم أن يدفعوا الرسوم اللازمة في حال كانوا يعملون، بالإضافة إلى العقبات البيروقراطية التي تواجههم في حال أرادوا الالتحاق بالمدارس الرسمية أو "الجامعة اللبنانية".

في حين اتخذت بعض الوزارات مبادرات شخصية لتسهيل حصول الأطفال والأزواج غير اللبنانيين على بعض الحقوق الأساسية، مثل التعليم والعمل، لا تزال هذه الخطوات جزئية وعرضة للتغيّر. بسبب غياب معلومات كافية عن الإجراءات والقواعد المتبعة، تتزايد العقبات أمام حصولهم على الحقوق الأساسية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على لبنان تعديل قانون الجنسية لمنح أبناء وبنات وأزواج اللبنانيات الجنسية وإنهاء التمييز في ظلّ هذا القانون. في هذا الوقت، على وزارات العمل والصحة والتربية اعتماد وتعميم قرارات لمعاملة أطفال وأزواج اللبنانيات مثل باقي اللبنانيين، لضمان عدم حرمانهم من حقوقهم والخدمات الأساسية.

قالت آماندا (26 عاما) من أم لبنانية وأب سويسري إنها، بالرغم من أنها تعتبر نفسها لبنانية، تجد من "المحبط والمهين" أن تضطر إلى تقديم طلب الإقامة دوريا، في حين قال مسؤولون إنها محظوظة لحصولها على الإقامة مجانا، "كأنها نعمة يتصدقون بها عليّ وليست حقي". قالت مي (43 عاما) المتزوجة من مصري: "كأنهم يريدونني أن أتعذب بعد الزواج... إنهم يعاملوننا كأننا تخلينا عن الوطن".

بعثت هيومن رايتس ووتش رسائل إلى وزارات العمل، الصحة، التربية، الداخلية والشؤون الاجتماعية في 24 أغسطس/آب 2018 حول الموضوع. في 24 سبتمبر/أيلول، ردت وزارة العمل، مؤكدة أن أولاد النساء اللبنانيات وأزواجهن يحتاجون إلى إجازة عمل ليتمكنوا من العمل شرعيا في لبنان، بخلاف زوجات الرجال اللبنانيين وأولادهم. كما شرحت الوزارة في ردها الإجراءات التي يمكنهم بموجبها القيام بذلك. لم ترد أي من وزارات الصحة، التربية، الداخلية، والشؤون الاجتماعية على مراسلات هيومن رايتس ووتش.  

أطلق ناشطون لبنانيون حملات منذ عقدين للمطالبة بتعديل قانون الجنسية بمساعدة منظمات غير حكومية مثل "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" و"مصير".

لطالما ردد السياسيون اللبنانيون أن السماح للبنانيات المتزوجات من فلسطينيين بإعطاء الجنسية لأطفالهن وأزواجهن الذين يعيشون في لبنان يؤدي إلى زعزعة التوازن الطائفي. لكن، وجد تعداد للفلسطينيين في لبنان في 2016 فقط 3,707 حالة لرب أسرة فلسطيني متزوج من امرأة من جنسية مختلفة. نوّهت هيومن رايتس ووتش إلى إن هذه التبريرات تمييزية بوضوح، لأنها لا تنطبق على الرجال اللبنانيين المتزوجين من أجنبيات – بما في ذلك المسلمون الذين يمكنهم الزواج بأربع نساء.

لا توجد معلومات رسمية حول عدد اللبنانيات المتزوجات من أجانب أو عدد الأبناء والبنات المتأثرين بذلك، لكن رصدت دراسة مدعومة من "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" في 2009 وجود 18 ألف زيجة بين نساء لبنانيات ورجال أجانب في لبنان بين 1995 و2008.

وجدت المنظمة الحقوقية اللبنانية "رواد الحقوق" في دراسة لها في 2012 – 2013 أن 73 بالمئة من عديمي الجنسية في لبنان، والذين ليسوا من أصول فلسطينية، أمهاتهم لبنانيات. في دراسة لم تُنشر صدرت في 2013، قدّرت المنظمة وجود 60 ألف إلى 80 ألف شخص منعدم الجنسية في لبنان، باستثناء الفلسطينيين والمهاجرين.

قبل انتخابات 2018 النيابية في لبنان، أعلن العديد من السياسيين، بمن فيهم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق، عن دعمهم لإعطاء المرأة اللبنانية الجنسية لأطفالها. في رد على رسالة من هيومن رايتس ووتش، وعد العديد من المرشحين في الانتخابات النيابية وحزبان سياسيان بارزان بتعديل قانون الجنسية اللبناني لضمان إعطاء المرأة اللبنانية الجنسية لأطفالها. في 6 أغسطس/آب تقدّم "الحزب التقدمي الاشتراكي" باقتراح لتعديل قانون الجنسية للسماح للبنانيات بإعطاء الجنسية لأطفالهن وأزواجهن غير اللبنانيين، على قدم المساواة مع الرجال اللبنانيين، لكن لم تُتّخذ أي إجراءات عملية منذ ذلك.

لا يزال لبنان متأخرا عن العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تونس، الجزائر، مصر، المغرب، واليمن، والتي تقدم حقوق متساوية في الحصول على الجنسية لأطفال النساء والرجال. أما العراق وموريتانيا، فتعطيان الجنسية للأطفال المولودين داخل البلد. قالت مي: "في لبنان، لدينا انطباع أننا متقدمون. يبدو كأن النساء لديهن حقوق، لكن في القوانين، لا نزال متأخرين، ووضعنا أسوأ من وضع البلدان العربية".

يميّز لبنان ضد النساء اللبنانيات المتزوجات من أجانب عبر حرمان أبنائهن وبناتهن وأزواجهن من حقهم بالحصول على الجنسية أسوة بأبناء وبنات وزوجات الرجال اللبنانيين. يشكّل هذا التمييز انتهاكا للقانون الدولي والدستور اللبناني، الذي تضمن المادة 7 منه المساواة بين جميع اللبنانيين. حثت لجان عديدة للأمم المتحدة لبنان على تعديل قانون الجنسية، بما فيها، "لجنة حقوق الإنسان"، "لجنة حقوق الطفل"، "اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة"، "لجنة القضاء على التمييز العنصري"، و"لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

لبنان طرف في معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي تمنع التمييز ضد النساء في حق إعطاء الجنسية، ومنها "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، "اتفاقية حقوق الطفل"، "اتفاقية القضـاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، و"الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري". تفرض المادة 9 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على الدول الأطراف أن تمنح المرأة حقا مساويا لحق الرجل في اكتساب جنسيتها أو الاحتفاظ بها أو تغييرها وحقا مساويا لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها.

قالت مي، أم لابنتين بدون الجنسية اللبنانية: "أنا شبه متأكدة أن ابنتيّ ستسافران للدراسة في الخارج. إن لم تتبدل الأمور، ستعانيان. أقول لهما دائما ’أنتما لبنانيتان‘، هذا ضروري. لكنّ الفرق الوحيد هو عدم امتلاككما لوثائق تثبت ذلك. سنكمل النضال في هذا السبيل، ولن نيأس".

الإقامة القانونية

في 2010، منح المرسوم رقم 4186 أزواج وأطفال اللبنانيات الحق بإقامة "مجاملة" لمدة سنة أو 3 سنوات تبعا لصلاحية جواز السفر. في البداية، اشترط الأمن العام اللبناني على الأزواج الأجانب توقيع تعهد بعدم العمل. قالت المحامية في المنظمة غير الحكومية "المفكرة القانونية"، غيدا فرنجية، لـ هيومن رايتس ووتش إن هذا الشرط أُلغي لاحقا ولكن لا يزال على النساء المتزوجات من لبنانيين توقيع التعهد للحصول على الإقامة قبل اكتساب الجنسية.

صحيح أنّ الإقامة مجانية، لكن على مقدمي الطلبات دفع تكاليف المعاملة. قالت مي: "يزعمون أنها إقامة مجاملة مجانية، لكنّ الواقع غير ذلك. تكلّف المعاملة بين 100 و200 دولار". بينما قال آخرون إن الإجراءات معقدة وتستغرق وقتا طويلا.

تذمّرت هنادي (40 عاما) من أنّ عملية الحصول على إقامة لأولادها الأربعة المولودين في لبنان كانت غير واضحة وغير منظمة: "يطلبون منّا وثائق، ولكن الناس لا يتجاوبون. كل يوم يقولون لنا ’عودوا غدا، اذهبوا إلى هناك‘، وعندما نذهب، يقولون لنا عودوا إلى حيث كنتم – كأننا عالقون في دائرة مفرغة". أضافت هنادي أنّ تجديد إقامة ابنها استغرق في إحدى المرات 5 أشهر، وقالت: "بشكل عام، الإقامة ليست مكلفة، لكنها متعبة – تستغرق الكثير من الوقت وتنهكنا".

قالت نساء لبنانيات متزوجات من أجانب وأبناؤهن وبناتهن أيضا إنهم يشعرون بالإهانة لدى تجديد إقامتهم في بلد يعتبرونه وطنهم. قالت مي: "في موعد تجديد الإقامة أشعر بالإهانة. لماذا يعاملونني بطريقة مختلفة؟"

يقول ناشطون حقوقيون في لبنان إنه لا يجوز أن يُضطرّ أبناء وبنات النساء اللبنانيات إثبات ولادتهم باستمرار وتجديد إقامتهم، وإنّه يجب ألا تحدد مدة إقامة الأبناء والبنات أو الأزواج تبعا لصلاحية جواز السفر. كما تخلق العملية عقبات أمام الوضع القانوني في بعض الحالات. ذكرت مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي أن السوريين الذين يخافون من الملاحقة قد لا يذهبون إلى السفارة السورية لتجديد جواز السفر للحفاظ على إقامتهم القانونية في لبنان. يواجه الطلاب الذين يدرسون في الخارج مشاكل أيضا عندما يحاولون العودة إلى لبنان.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه، وبانتظار تعديل "مجلس النواب" لقانون الجنسية ليمنح حقوقا مساوية في الجنسية، على الأمن العام إصدار إقامات دائمة لأزواج وأطفال الأمهات اللبنانيات.

الحق في العمل

يحتاج أولاد وأزواج النساء اللبنانيات إلى إذن عمل ساري المفعول للمزاولة بشكل قانوني في لبنان. في 2011، منح قرار وزارة العمل رقم 122/1 الصلاحية للوزير بإصدار إجازة عمل لمهن كانت محصورة باللبنانيين. غير أن مراسيم العمل تُجدد سنويا ولا تقدم الحماية اللازمة. لا تعني صلاحية الوزير في إصدار إذن العمل أنّه سيصدر فعليا. 

قالت هيومن رايتس ووتش إن على وزارة العمل أن تصدر مرسوما يعامل أبناء وبنات النساء اللبنانيات وأزواجهن بعد عام من الزواج بمساواة مع المواطنين اللبنانيين في جميع قرارات الوزارة.

العديد من المهن تشترط انتساب من يمارسها إلى اتحاد أو نقابة، وبعض هذه النقابات يحصر العضوية باللبنانيين، ما يمنع أبناء وبنات وأزواج اللبنانيات من ممارسة هذه المهن. مثلا، نقابة المحامين، نقابة الأطباء البيطريين، نقابة القابلات القانونيات، ونقابة الممرضات والممرضين تمنع انتساب أي شخص غير لبناني. قالت صفا (20 عاما)، وهي من أم لبنانية وأب فلسطيني، إنها أرادت دراسة الهندسة، لكنها في النهاية اختارت تصميم الأزياء لأنه "قيل لي إنه لا يمكننا الانتساب إلى النقابة أو الإفادة من تقديماتها".

بعض النقابات تضع قيودا إضافية تجعل الانتساب شبه مستحيل، مثل اشتراط أن يكون بلد الأصل للشخص يسمح للبنانيين بمزاولة هذه المهنة هناك، أو اشتراط أن يثبت الشخص أنه مرخص له بالعمل في بلده. ذلك مستحيل على الأبناء والبنات الذين لا يمكنهم الحصول على جنسية والدهم أو إذا كان الوالد عديم الجنسية، بالإضافة إلى العديد من الذين عاشوا ودرسوا في لبنان طوال حياتهم.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على النقابات والاتحادات العمالية فتح باب العضوية أمام أبناء وبنات اللبنانيات وأزواجهن الذين مضى عام على زواجهم منهن، ومساواتهم بالمواطنين اللبنانيين بانتظار تعديل مجلس النواب لقانون الجنسية.

ولأن أبناء وبنات وأزواج اللبنانيات يعامَلون على أنهم أجانب، فإنهم مشمولون بالعديد من قرارات الوزارة التي تستهدف الأجانب. تشمل هذه القرارات الحملة التي قامت بها الوزارة في 2017 على المحال والمؤسسات التي يديرها ويعمل فيها غير لبنانيين، والتي فُهمت على نطاق واسع على أنها كانت تستهدف السوريين.

قال أبناء وبنات غير لبنانيين من أمهات لبنانية ومجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي لـ هيومن رايتس ووتش إن أزواج النساء اللبنانيات غالبا ما يتعرضون للتمييز في سوق العمل. قالت هيفاء (28 عاما)، وهي من أم لبنانية: "في بعض الوظائف يفضلون توظيف لبنانيين، ما يستبعدني تلقائيا. أنا لا أقدم على وظيفة تُعطى فيها الأفضلية للبنانيين". التكاليف الإضافية المترتبة على الحصول على إجازة عمل لأبناء وبنات وأزواج النساء اللبنانيات غير اللبنانيين يثني أصحاب العمل عن توظيفهم. قالت ندى، لبنانية متزوجة من أمريكي، إن ابنها باسم "حاول إيجاد وظيفة بعد التخرج، لكن أحدا لم يوظفه لأنه يكلّفهم أكثر".

قال الأبناء والبنات غير اللبنانيين إن شروط إجازة العمل تدفعهم إلى السفر. قالت آماندا (26 عاما) والتي عاشت في لبنان من سن الـ 10 حتى 18، ثم سافرت للدراسة في الخارج: "احتمال عودتي إلى لبنان ضئيلة. أتوقع الكثير من العقبات لطلب إجازة عمل ومعاملات الإقامة. أشعر كأن العديد من الأبواب مغلقة حتى قبل أن أصل هناك".

قال أهالي الأبناء وبنات غير اللبنانيين بشكل متسق إن قانون الجنسية سيجبر أبناءهم على مغادرة لبنان. قالت هنادي: "أنا قلقة جدا على أولادي. كيف سيتمكنون من إيجاد وظائف؟ ماذا سيدرسون؟ لا يمكنهم اختيار اختصاص سيتطلب منهم الانتساب إلى نقابة لاحقا. في النهاية سيضطرون إلى الهجرة وسأخسرهم إن لم يتغير الوضع".

الرعاية الصحية

قال أبناء وبنات أمهات لبنانيات غير لبنانيين وناشطون إن الأجانب مُستثنون بأغلبهم من الرعاية الصحية المدعومة من "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" (صندوق الضمان) ووزارة الصحة. قالت دانية، زوجة فلسطيني: "غير المسجلين في الضمان يمكنهم الاستفادة من تقديمات وزارة الصحة. لكن أسرتي لا. مجرد شوكة في الأصبع قد تكلفنا كل ما نملك. كان لدينا تأمين خاص لكننا ألغيناه. قمنا ببعض الحسابات، وفي حال أصيب أحدنا بمرض مزمن لن يدفعوا. بالحالتين علينا أن ندفع كامل المبلغ".

يساهم أبناء وبنات وأزواج اللبنانيات غير اللبنانيين في صندوق الضمان دون أن يستفيدوا من تقديماته. قالت هيفاء: "أنا أدفع الضرائب ولكن لا أعرف إن كان بإمكاني الاستفادة من التقديمات، لذا أدفع لشركة تأمين خاصة أيضا. لا أفكر بالتقاعد حتى. أدفع التأمين الصحي من مدخولي الخاص".

قالت هيومن رايتس ووتش إن على وزارة الصحة اللبنانية وصندوق الضمان السماح للأبناء والبنات غير اللبنانيين من أمهات لبنانيات الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية المتاحة بالتساوي مع باقي المواطنين اللبنانيين.

التربية والتعليم

يمكن للأبناء والبنات غير اللبنانيين من أمهات لبنانيات الدراسة في المدارس الرسمية مجانا. لكن بما أنهم يُعتبرون أجانب، تُصدر الوزارة سنويا مرسوما يعطي الأولوية لتسجيل اللبنانيين، ما يصعّب تسجيل الأبناء غير اللبنانيين. قال ناشطون لـ هيومن رايتس ووتش إن الوزارة غالبا ما تستدرك الأمر، وتعامل الأبناء غير اللبنانيين من أمهات لبنانيات معاملة خاصة ولكن هناك حاجة إلى حل دائم. مؤخرا، أصدر وزير التربية، مروان حمادة، تعميما يدعو فيه المدارس والجامعات إلى عدم التمييز ضد الأبناء والبنات غير اللبنانيين من أمهات لبنانيات وآباء أجانب. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الوزارة إصدار قرار يشترط معاملة هؤلاء الأطفال مثل المواطنين اللبنانيين.

في بعض الحالات، يواجه الأطفال الذين لا يملكون الوثائق اللازمة عقبات تمنعهم من التسجيل في المدارس أو الخضوع للامتحانات الرسمية. قالت هنادي إنه قبل أن يخضع ابنها لامتحان الشهادة المتوسطة (البريفيه)، رفضت وزارة التربية إفادة من الأمن العام تقول إن طلب إقامة ابنها قيد الدرس. قالت: "في اليوم الأول من الامتحان كنت خائفة جدا. أعطيته كل الأوراق التي بحوزتي. كان الأولاد الباقون يحملون بطاقة الامتحان وإخراج قيد فقط. كان هو يحمل ملفا كاملا".

قد لا يكون أبناء وبنات وأزواج اللبنانيات غير اللبنانيين الذين يلتحقون بالجامعات مؤهلين للحصول على منح دراسية. قالت صفا (20 عاما) إنها قدمت طلب إلى جامعتين، لكن "قالوا تحديدا في الرسالة الإلكترونية إن القروض هي للبنانيين حصرا". وقالت جمعية الأبحاث والتدريب للعمل التنموي إن رسوم طلب التسجيل أعلى لغير اللبنانيين في بعض الجامعات.

حقوق الملكية

بموجب القانون 2001/296، لا يمكن للفلسطينيين في لبنان أن يمتلكوا أو ينقلوا أي عقار، ما يميز أكثر بحق الأبناء والبنات غير اللبنانيين لأمهات متزوجات من فلسطينيين. قالت دانية: "يمكن لأولادنا أن يرثونا من حيث المبدأ لكن عمليا لا يمكنهم تسجيل أي شيء. لا نعرف ما هو مصير أملاكنا. يقلقنا الأمر كثيرا. الحكومة تمنعهم من حق الملكية... هذا محبط بالفعل. نعمل من أجل أولادنا لكن لا يمكننا ضمان أي شيء. لا يمكنهم امتلاك أي شيء فعليا. أشعر أن مستقبلهم، في نهاية المطاف، هو في الخارج".

قالت نساء لبنانيات وأبناؤهن وبناتهن غير اللبنانيين ومنظمات غير حكومية إن المصارف لا تمنح قروضا لغير اللبنانيين. قالت منال إن "القروض ليست واردة بالنسبة لزوجها الفلسطيني. لا يسمحوا له حتى بتقديم الطلب". وأضافت أن المصرف لم يقبل حتى بأن يقدما استمارة مشتركة للقرض السكني. ولم يتمكنا من شراء منزل لأن راتبها وحده ليس كافيا للحصول على قرض.

التطورات القانونية

في 1994، منح مرسوم تجنيس جماعي الجنسية اللبنانية لعشرات آلاف المقيمين غير اللبنانيين لكنه لم ينهِ التمييز ضد النساء اللبنانيات وأولادهن وأزواجهن. في 2012، شكّل مجلس الوزراء لجنة وزارية لدراسة تعديلات محتملة على قانون الجنسية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2012، اقترحت اللجنة أن يمنح لبنان بعض الامتيازات لأبناء اللبنانيات وليس تعديل القانون. قبِل مجلس الوزراء توصيات اللجنة في 2013.

منذئذ، أعطى لبنان الأولوية لمنح الجنسية للمقيمين في الخارج بدل أبناء اللبنانيات الذين يعيشون في لبنان. في 2015 وافق البرلمان على قرار منح الجنسية للمغتربين اللبنانيين مستثنيا، مرة جديدة، أبناء وبنات النساء اللبنانيات. يحدد موقع إلكتروني حكومي الأهلية للحصول على الجنسية بالمتحدرين من "أب أو جد لبناني" أو "امرأة متزوجة من لبناني". وافق المجلس الدستوري على القانون في 2016.

في مارس/آذار 2018، اقترح وزير الخارجية جبران باسيل تعديل قانون الجنسية للاعتراف بحق الأمهات اللبنانيات المتزوجات من غير لبنانيين بالمساواة بإعطاء الجنسية لأبنائهن. لكن مشروع القانون استثنى المتزوجات من فلسطينيين أو سوريين، ما يزيد من التمييز على أساس الجنسية. قالت مي: "اقتراحه لا يميز بين اللبنانيين فحسب، بل بين النساء اللبنانيات أيضا. كانت طعنة بالظهر. سكين في ظهورنا وقلوبنا".

في مايو/أيار، منح مرسوم، كان الأخير في سلسلة مراسيم تجنيس مثيرة للجدل، الجنسية لأكثر من 400 أجنبي، ما أثار غضب القائمين على حملة المطالبة بالجنسية لأبناء وأزواج اللبنانيات غير اللبنانيين.

الهوية

قالت النساء اللبنانيات وأبناؤهن وبناتهن غير اللبنانيين بشكل متسق إنهم يشعرون بالتمييز ويعامَلون كمواطنين درجة ثانية.

قال أبناء وبنات غير لبنانيين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم بالرغم من شعورهم بلبنانيتهم، عدم حصولهم على الجنسية ينزع عنهم هويتهم. قالت أنجيلا (28 عاما) التي تعيش في فرنسا: "أنا أشعر بأن المجتمع اللبناني لا يعترف بي كنصف لبنانية. لأن نصفي اللبناني يأتي من أمي، أصبحت وكأنني لست فعلا لبنانية". أما هنادي التي لديها 4 أبناء مولودين في لبنان وعاشوا كل حياتهم في لبنان مع زوجها السوري، فقالت: "قضية الجنسية تُشعرنا بأن شيئا ما قد سُرق منّا. حق لم نحصل عليه. أطفال جزء مني، لكنهم يعامَلون كغرباء. دمهم لبناني. ألا يسمى الوطن، الوطن الأم؟ أنا أمهم".

قالت جويل (42 عاما)، إنها لا تعرف كيف ستخبر طفليها أنهما ليسا لبنانيين: "بعد سنوات قليلة سأضطر لأقول لهما ’لستما لبنانيين‘. لا أعرف كيف سأخبرهما، ولا ما سيكون رد فعلهما. كيف تقول لطفلك إن أعز أصدقائه لبناني لكن هو ليس لبنانيا؟ أتمنى أن نكون قد انتهينا من هذا القانون الرجعي عندما يكبران".

قالت منال: "الناس يعاملونكِ بطريقة مختلفة، كأنكِ أقل قيمة منهم. حتى لو حصلتِ على الشهادات وكنت متعلمة، أنت أقل... يشعرونكِ أنك بلا قيمة".