(تونس) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن "هيئة الحقيقة والكرامة" التونسية أحالت أوّل قضية جنائية منبثقة عن انتفاضة 2011 إلى منظومة المحاكمة المتخصصة في 18 مايو/أيار 2018.

القضية التي أحيلت على الدائرة المختصة في محكمة القصرين تتعلق بمقتل 20 متظاهرا وإصابة 16 آخرين بالرصاص في بلدتي القصرين وتالة أثناء انتفاضة 2011. نظرت المحاكم العسكرية في هذه القضايا في 2012 و2014، وأصدرت فيها أحكاما مخففة بعد محاكمات منقوصة.

قالت آمنة القلالي، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش بتونس: "إعادة فتح هذه الملفات بعد أكثر من 7 سنوات من عمليات القتل هي فرصة جديدة لتحقيق العدالة للضحايا والناجين. إنها خطوة مهمة في طريق تونس المضطرب نحو العدالة الانتقالية".

الدائرة المتخصصة بالقصرين هي واحدة من 13 دائرة مماثلة أنشئت بموجب "قانون العدالة الانتقالية" في العديد من الولايات في كافة أنحاء البلاد، لمحاكمة انتهاكات حقوق الانسان المُرتكبة في فترتي رئاسة الحبيب بورقيبة (1956-1987) و زين العابدين بن علي.

أثناء الانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس وأطاحت ببن علي في يناير/كانون الثاني 2011، قتلت قوات الأمن 132 متظاهرا وجرحت مئات آخرين في كافة أنحاء البلاد. كانت أغلب الإصابات وعمليات القتل، من 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 إلى 14 يناير/كانون الثاني 2011، ناتجة عن استخدام القوة القاتلة من قبل قوات الأمن دون مبرّر، بحسب توثيق هيومن رايتس ووتش.

في يونيو/حزيران 2012، أدانت المحكمة العسكرية الابتدائية بالكاف بن علي غيابيا بالمشاركة في القتل في أحداث القصرين وتالة، وحكمت عليه بالمؤبد. كما حكمت على مسؤولين كبار آخرين بالسجن لفترات تصل إلى 12 عاما.

في 12 أبريل/نيسان 2014، أيّدت محكمة الاستئناف العسكرية حُكم المؤبد في حق بن علي، ولكنّها راجعت التهم الموجهة إلى وزير الداخلية ومدير الأجهزة الأمنية آنذاك ومتهمين آخرين، وأدانتهم بـ "الإهمال" وخففت عقوبتهم إلى السجن 3 سنوات. تم الافراج عنهم جميعا بعد انقضاء عقوبتهم. راجعت هيومن رايتس ووتش هذه القضايا فوجدت أن الإجراءات المتبعة كانت منقوصة، ولم تحقق العدالة للضحايا.

ستشمل المحاكمات الجديدة 24 متهما، منهم بن علي ووزير الداخلية وقادة الأجهزة الأمنية، بتهم القتل وارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية.

منذ تأسيسها في 2014، انكبّت هيئة الحقيقة والكرامة على التحقيق في انتهاكات حقوقية خطيرة بين 1955 و2013. يمنح قانون العدالة الانتقالية الهيئة صلاحية إحالة الجرائم الخطيرة على دوائر متخصصة "تتعهد (...) بالنظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان (...) ومن هذه الانتهاكات خاصة القتل العمد، الاغتصاب وأي شكل من أشكال العنف الجنسي، التعذيب، الاختفاء القسري، الإعدام دون توفر ضمانات المحاكمة العادلة". كما ينصّ القانون على تدريب القضاة الذين سيترأسون هذه الدوائر على العدالة الانتقالية، وهي دوائر أنشئت ضمن منظومة المحاكم في البلاد.

ملف تالة والقصرين هو سابع ملف تحيله الهيئة (المعروفة أيضا باختصارها بالفرنسية IVD) على الدوائر المتخصصة. تعود الملفات الستة الأخرى إلى تسعينات القرن الماضي وما قبله. ستنطلق أولى هذه المحاكمات في 29 مايو/أيار، وهي تتعلق بإخفاء الناشط الإسلامي كمال المطماطي قسرا. تشمل الحالات الأخرى حالة قتل خارج القضاء و4 وفيات في الاحتجاز.

قالت هيومن رايتس ووتش إن المحاكمات الجديدة يجب أن تحترم حقوق المتهمين.

إحدى المسائل التي قد تطرأ هي مبدأ "عدم العقاب علي الجرم مرتين"، أي حق المتهم بموجب القانون الدولي بألا يُحاكم مرّتين لنفس الجريمة. ذكرت "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان" أن هذا الحق لا يُنتهك عندما تلغي محكمة أعلى الحُكم وتأمر بمحاكمة جديدة، أو عندما تتم إعادة المحاكمة بسبب ظروف استثنائية، مثل اكتشاف أدلّة جديدة. بموجب "نظام روما الأساسي" المنشئ لـ "المحكمة الجنائية الدولية" (وتونس طرف فيها)، فإن المحاكمات التي يكون المتهم فيها قد حوكم من قبل في محكمة أخرى لا تعتبر مخالفة لهذا المبدأ إذا كان الهدف من الإجراءات السابقة حماية الشخص المعني من المسؤولية الجنائية، أو إذا لم تكن هذه الإجراءات مستقلة ومحايدة بطريقة تحول دون تقديم الشخص إلى العدالة.

حاكمت المحكمة العسكرية المتهمين بشأن سلوك قوات الأمن الخاضعة لقيادتهم. لكن القانون التونسي لا يساعد على معالجة مسؤولية القيادة، وهو مصطلح رئيسي في القانون الجنائي الدولي يُرسّخ مسؤولية القادة والرؤساء المدنيين على الجرائم الخطيرة التي يرتكبها مرؤوسوهم إن كانوا على علم بها، أو كانت ثمة أسباب تجعلهم يعلمون بها، ولم يتخذوا جميع الخطوات المعقولة الممكنة لمنعها أو لمعاقبتهم. يتعيّن على الدوائر المتخصصة أن تأخذ مفهوم مسؤولية القيادة الوارد في القانون العرفي الدولي بعين الاعتبار عند النظر في هذه القضايا. على المشرعين التونسيين إدخال بند جديد في "المجلة الجزائية" بشأن مسؤولية القيادة يتماشى مع التعريف الوارد في القانون الدولي، وإدراج نظام روما الأساسي في التشريع الوطني.

المحاكمات العسكرية المتعلقة بتالة والقصرين

تعلّقت المحاكمة الجماعية التي أجريت في المحكمة العسكرية الدائمة بالكاف بعمليات القتل في مدينتي تالة والقصرين غرب البلاد، والتي حصلت في معظمها بين 8 و12 يناير/كانون الثاني 2011. في مساء 8 يناير/كانون الثاني، قتلت شرطة مكافحة الشغب التي جاءت إلى تالة من مدن أخرى 5 أشخاص بالرصاص. وفي القصرين، التي انطلقت فيها الاحتجاجات المناوئة للحكومة بتجمع احتجاجي للمحامين في 4 يناير/كانون الثاني، بدأت الشرطة في استخدام الذخيرة الحية ضدّ المتظاهرين في 8 يناير/كانون الثاني، ما انجرّ عنه مقتل 13 متظاهرا، بحسب المحاكم العسكرية.

أصدرت المحكمة العسكرية بالكاف حكمها في 12 يونيو/حزيران 2012. أدانت الرئيس السابق بن علي غيابيا بتهمة التواطؤ في القتل بموجب الفصل 32 من المجلة الجزائية، وحكمت عليه بالمؤبد. كما أدانت رفيق الحاج قاسم، وزير الداخلية من نوفمبر/تشرين الثاني 2004 إلى 12 يناير/كانون الثاني 2011، بنفس التهمة وقضت بسجنه 12 سنة.

حكمت المحكمة أيضا بالسجن 10 سنوات على كل من عادل التويري، المدير السابق للأمن الوطني؛ جلال بودريقة، المدير السابق لشرطة مقاومة الشغب (BOP)؛ لطفي بن زواوي، المدير السابق للأمن العمومي؛ يوسف بن عبد العزيز، عميد سابق في شرطة مكافحة الشغب؛ وخالد بن سعيد، مدير سابق للفرقة الخاصة بمقاومة الإرهاب. كما أدانت المحكمة 6 ضباط من ذوي الرتب الدنيا بقتل المتظاهرين عملا بالفصول 201 و202 و205 من المجلة الجزائية، وحكمت عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين سنة واحدة و15 سنة.

أيّدت محكمة الاستئناف العسكرية في 12 أبريل/نيسان 2014 الإدانة والعقوبة الصادرتين عن المحكمة الابتدائية بحق بن علي، ولكنها خففت التهم والعقوبات في حق المتهمين الآخرين. أدانت المحكمة قاسم وكبار المسؤولين الأمنيين السابقين فقط بـ "الامتناع المحظور" بموجب الفصل 1 من القانون رقم 48 الصادر في يونيو/حزيران 1966، وخففت العقوبات إلى 3 سنوات. حكمت المحكمة على ضباط من ذوي الرتب الدنيا بالسجن لفترات تراوحت بين سنة واحدة و3 سنوات بتهم، القتل، القتل غير المتعمد، والعنف المؤدي إلى الموت عملا بالفصول 201 و202 و205 من المجلة الجزائية.

بعد احتجاج عام على حكم الاستئناف، اعتمد "المجلس الوطني التأسيسي" قانونا في 12 يونيو/حزيران 2014 يتطرّق بالتحديد إلى كيفية معالجة منظومة العدالة الانتقالية للانتهاكات الحقوقية التي حصلت أثناء الانتفاضة. يُصنّف القانون قتل وإصابة المتظاهرين أثناء انتفاضة 2010-2011 كـ "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان". كما نصّ القانون على أن تحيل هيئة الحقيقة والكرامة الملفات التي تنطوي على انتهاكات حصلت أثناء الانتفاضة إلى النيابة العمومية، فتحيلها هذه الأخيرة آليا على الدوائر المتخصصة، التي تتمتع بولاية قضائية للبت فيها.

مسؤولية القيادة

لا يوجد في القانون التونسي بندٌ يعرّف مسؤولية القيادة في الجرائم. ينصّ الفصل 32 من المجلة الجزائية على أن المسؤولية الجنائية تنطبق فقط في حال كان الشخص ضالعا بشكل مباشر في الجريمة أو شارك في وقوعها. ورغم انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية في 2011، لم تعتمد تونس قانونا يتبنى نظام روما الأساسي وتعريفات الجريمة الدولية في التشريعات المحلية.

توصّل القضاة أثناء محاكمة الاستئناف العسكرية إلى نتيجة مختلفة عن تلك التي توصل إليها قضاة الطّور الابتدائي. اعتمد قضاة المحكمة الابتدائية على التفكير بالاستدلال على وجود أوامر باستخدام القوة القاتلة ضدّ المتظاهرين، فأدانوا المتهمين بموجب الفصل 32 من المجلة الجزائية. لكن قضاة الاستئناف رأوا أن المشاركة بالمعنى الوارد في الفصل 32 تتطلب إثبات وجود أعمال فعلية، مثل الأوامر الكتابية أو الشفهية، لإثبات العمل الإجرامي.

هذا التفكير أدّى إلى إسقاط محكمة الاستئناف للإدانات بحق كبار المسؤولين، والاكتفاء بإدانتهم بـ "الإهمال". نصّ القانون الجنائي الدولي منذ زمن طويل على المسؤولية الجنائية للقادة العسكريين والمدنيين في أسوأ الجرائم التي لا تتطلب أوامر كتابية لارتكابها. لم يعتمد القانون التونسي هذه المبادئ بشكل واضح بعد.

ستكون للدوائر المتخصصة فرصة لتطبيق مبادئ هامة تتعلق بالمسؤولية بموجب القانون العرفي.

يعني مفهوم مسؤولية القيادة، كما هو معرّف في القانون الدولي، تحميل المسؤولية للقادة أو رؤساء العمل المدنيين على الجرائم الأكثر خطورة التي يرتكبها مرؤوسوهم من أعوان القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص الخاضعين لهم. وعملا بهذا المبدأ، يُعتبر القائد مسؤولا من الناحية الجنائية حتى إذا لم يأمر بارتكاب جرائم في حال توفر 3 شروط: وجود علاقة فعلية بين القائد والمرؤوس؛ علم القائد، أو وجود ما يجعله يعلم، بأن مرؤوسه ارتكب جريمة ما؛ وعدم اتخاذ القائد جميع الخطوات المعقولة لمنع وقوع الجريمة أو معاقبة المرؤوس عليها.

بموجب معايير الأمم المتحدة بشأن استخدام القوة من قبل قوات الأمن، فإن الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون مطالبون بضمان تحميل المسؤولية لكبار الضباط إن كانوا على علم، أو يوجد ما يجعلهم يعلمون، أن عناصر خاضعين لقيادتهم يستخدمون أو استخدموا القوة والأسلحة النارية بشكل غير قانوني، ولم يتخذوا جميع الإجراءات المتاحة لهم لمنع أو قمع هذا الاستخدام أو التبليغ عنه.

تنص "مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة" على أنه "يمكن اعتبار الرؤساء وكبار الموظفين وغيرهم من الموظفين العموميين مسؤولين عن الأعمال التي يرتكبها من يعملون تحت رئاستهم إذا كانت قد أتيحت لهم فرصة معقولة لمنع حدوث هذه الأفعال".

تطبيق مسؤولية القيادة بهدف إدانة القادة لا يعتبر أيضا انتهاكا لمبدأ عدم الرجعية – مبدأ مكفول في القانون الدولي ويعني عدم إدانة شخص بجريمة لم تكن تُعتبر جريمة عند وقوعها – لأن القانون العرفي الدولي سيكون منطبقا. وصفت "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة" هذا المبدأ بـ "المبدأ الراسخ في القانون العرفي والتقليدي". كما ذُكر في "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين" لسنة 1990.

إضافة إلى ذلك، تفترض عضوية تونس في المحكمة الجنائية الدولية اعتمادها مبدأ تجريم مسؤولية القيادة عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية. نظام روما الأساسي، المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ينصّ بوضوح على أن مسؤولية القيادة تقتضي تحميل المسؤولية للقادة العسكريين والمدنيين عند ارتكاب جرائم من قبل مرؤوسيهم ضمن القوات المسلحة أو غيرهم من الأشخاص الخاضعين لسلطتهم. انضمت تونس إلى نظام روما الأساسي في 24 يونيو/حزيران 2011.