تحدق أزمة إدارة النفايات بلبنان مجددا، مع ورود الأخبار أن مطمَري كوستا برافا وبرج حمود سيبلغان طاقتهما الاستيعابية القصوى في العام 2018، قبل عامين من التقدير الأولي للحكومة وهو العام 2020. وردا على ذلك، يقال إن مجلس الوزراء يدرس اقتراحا لإعادة فتح مطمر الناعمة سيئ الذكر، الذي أدى إغلاقه في العام 2015 إلى أزمة تركت القمامة تتراكم في شوارع بيروت.

النفايات مكدسة بالقرب من الطريق السريع بيروت، لبنان، 19 يناير/كانون الثاني 2016.

© رويترز 2017

كان حل الحكومة لتلك الأزمة إصلاحا مؤقتا، اعتُمد في مارس/آذار 2016، لتفريغ النفايات من بيروت وجبل لبنان في مطمرين ساحليين جديدين في برج حمود وكوستا برافا. بما أن هذه المطمرين امتلآ بسرعة أكبر مما كان متوقعا، فإن الحكومة تناقش حلا طارئا آخر.

لم تحل الحكومة مشكلة إدارة النفايات مطلقا، بل وارت القمامة بعيدا عن الأنظار. كان إصلاح العام 2016 مجرد إجراء آخر طارئ وقصير الأجل، وأحدث حلقة في سلسلة خطط الطوارئ المعتمدة بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990.

واجهت مطامر النفايات الجديدة الجدل والدعاوى القضائية منذ بدايتها. قالت وزارة البيئة إنه لا يوجد تقييم للأثر البيئي للمطمرين، لذلك ما يزال من غير الواضح كيف سيكون تأثيرهما على البيئة المحلية والعائلات التي تقطن الأماكن القريبة. جذبت النفايات في مطمر كوستا برافا، بالقرب من المطار، الطيور التي أصبحت تشكل تهديدا للطائرات وبالتالي السلامة العامة. أظهرت تسجيلات الفيديو في مطمر برج حمود شاحنات تفرغ النفايات مباشرة في البحر، فاحتج الصيادون المحليون على كمية النفايات التي يصطادونها الآن في شباكهم.

في ذات الوقت، يبدو الوضع خارج بيروت وجبل لبنان أسوأ من ذلك، لكنه يحظى باهتمام أقل بكثير.

لم تبدأ أزمة القمامة في لبنان عمليا في العام 2015، بل كان هذا هو العام الذي وصلت فيه الأزمة إلى بيروت وجبل لبنان، الأجزاء الأكثر ثراء في البلاد.

لم يكن لدى لبنان مسبقا نظام شامل لإدارة النفايات يغطي البلد بأكمله. رغم تعاقد الحكومة المركزية مع شركتي "سوكلين" و"سوكومي" لإدارة النفايات الصلبة في معظم أنحاء بيروت وجبل لبنان في إطار خطة الطوارئ لعام 1997، إلا أنها تركت البلديات في بقية أنحاء البلاد تعتمد إلى حد كبير على تدابيرها الخاصة، دون الموارد أو الخبرة الكافية في إدارة النفايات.

نتيجة لذلك، ظهرت مئات المطامر المفتوحة في جميع أنحاء لبنان، حيث يُحرق الكثير منها بشكل اعتيادي. ليس الحرق مصدر إزعاج فحسب، بل يضع التزامات لبنان بموجب القانون الدولي على المحك.

الآثار الصحية المترتبة على هذا الحرق المفتوح للنفايات هي موضوع تقرير قادم من "هيومن رايتس ووتش". تحدثتُ خلال البحث مع الأسر التي تعيش قرب المطامر المفتوحة التي أُحرقت باستمرار لسنوات. قال لي كثيرون إنهم يعانون من أمراض تنفسية، وإن الدخان دفعهم في بعض الأحيان إلى ترك منازلهم، كما إنهم يعيشون في خوف دائم من الآثار الصحية المترتبة عليهم وعلى أطفالهم على المدى الطويل. قال الأطباء الذين يعالجون هؤلاء السكان إنهم يعتقدون أن الحرق يسبب أمراضا تنفسية، وإن الأمر قد يستغرق سنوات حتى تصبح الآثار طويلة الأجل واضحة، بما في ذلك على سبيل المثال الإصابة بالسرطان. وفي الوقت نفسه، وجد باحثون في "الجامعة الأميركية في بيروت" أن حرق النفايات خلال أزمة العام 2015 أطلق جزيئات خطرة في بيروت وجبل لبنان، تصحبها آثار صحية حادة محتملة.

أزمة إدارة النفايات وحرقها هي أعراض المشكلة الأكبر في لبنان - فشلٌ استمر عقودا في تطوير وتنفيذ خطة وطنية طويلة الأجل لإدارة النفايات، تقوم على المبادئ الصحية والبيئية السليمة.

لقد آن الأوان منذ وقت طويل ليتخطى لبنان خطط الطوارئ المؤقتة التي لا تغطي سوى جزء من البلاد، وتؤدي ببساطة إلى تأجيل المشكلة. مع اقتراب الانتخابات النيابية المقررة العام 2018، على اللبنانيين أن يطالبوا بخطط حقيقية وحلول جذرية.

لحسن الحظ، خلافا لبعض التحديات الأخرى في لبنان، هناك حلول واضحة لإدارة النفايات. حوالي 90 بالمئة من النفايات الصلبة في لبنان تتكون من مواد يمكن أن تكون سمادا أو يُعاد تدويرها. لكن الواقع أن حوالي 8 بالمئة فقط يُعاد تدويره و15 بالمئة يتحول إلى سماد، والباقي يوضع في مطامر، يُلقى عشوائيا، أو يُحرق. إلا أن الحكومة لم تتخذ حتى الخطوة الأساسية لتوفير خيار مناسب لإعادة التدوير في بيروت.

سبق أن قدم باحثون مقترحات بشأن ما قد يبدو أنه خطة مستدامة لإدارة النفايات الصلبة، مستنيرة بمبادئ الصحة العامة. أظهرت منظمات بيئية مثل "سيدار إنفيرومنتال" و"تير ليبان" أنه من الممكن تطبيق ممارسات إدارة النفايات المستدامة في لبنان. غير أن الحكومة بدت حتى الآن عاجزة عن اعتماد وتنفيذ حل متماسك لهذه المشكلة.

مع أزمة أخرى تلوح في الأفق، يبدو أن الحكومة بحاجة ماسة إلى إنهاء هذا الاعتماد على خطط الطوارئ قصيرة الأجل، والاعتماد أخيرا على حل مستدام يحترم الحقوق الصحية والبيئية لمواطنيها.