(نيويورك) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مجلس الأمن الدولي ضيّع فرصة أساسية للتصدي لجرائم الحرب والانتهاكات الحقوقية المرتكبة من قبل مختلف أطراف النزاع في العراق. اعتمد المجلس بالإجماع في 21 سبتمبر/أيلول 2017 قرارا ينص على تشكيل فريق تحقيق لجمع وحفظ الأدلة على الجرائم الخطيرة التي يُزعم أن تنظيم "الدولة الإسلامية" (ويُعرف أيضا بـ "داعش") ارتكبها. هذه التحقيقات مطلوبة لكن لا تشمل انتهاكات القوى المعادية لداعش أيضا.

رؤساء الدول وممثلوهم يشاركون في اجتماع لمجلس الأمن لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط، خلال انعقاد الجمعية العامة في دورتها الـ 71 في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 21 سبتمبر/أيلول 2016. © 2016 رويترز

قالت بلقيس جراح، مستشارة أولى للعدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "لا ينكر أحد أهمية التصدي للفظائع التي ارتكبها داعش في العراق على نطاق واسع، لكن تجاهل انتهاكات القوات العراقية والدولية لا تشوبه عيوب فحسب، إنما ينقصه أيضا بعد النظر. فالعدالة لازمة لجميع الضحايا الذين شهدوا تعذيب وقتل أحبائهم أو أُحرقت بيوتهم وقُصفت، بغض النظر عن الطرف المسؤول".

يعطي القرار أمين عام الأمم المتحدة ولاية تشكيل فريق تحقيق يرأسه مستشار خاص، لجمع وحفظ أدلة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من قبل عناصر داعش في العراق، لاستخدام الأدلة مستقبلا في القضايا الجنائية في العراق وربما أيضا في محاكم دول أخرى. ينص القرار على أن "أي استخدامات أخرى" للأدلة التي يجمعها الفريق "يُتفق عليها مع حكومة العراق، كل حالة على حدة".

لكن يمكن للفريق – بل وعليه – أن يكون له دور إيجابي في دعوة الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى نسب اتهامات إلى مشتبهي داعش في جملة من الجرائم التي ارتكبوها، وتحسين احترام الحق في سلامة إجراءات التقاضي الخاصة بالمشتبه بهم والمحتجزين، واللجوء إلى مقاربة تركز أكثر على الضحايا في سياق جهود المساءلة الوطنية. يمكن للفريق وعليه أن يقنع الحكومة العراقية بأن تسمح له بتوسيع تحقيقاته لتشمل انتهاكات جميع أطراف النزاع.

قالت هيومن رايتس ووتش إن مبادرة توثيق الجرائم الخطيرة التي ارتكبها داعش تعد خطوة أولى إيجابية نحو دعم جهود المساءلة في العراق. نفذت قوات داعش في العراق انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، حسب لجنة تقصي الحقائق الأممية المعنية بسوريا. تكررت دعوة هيومن رايتس ووتش إلى المساندة الدولية لجهود تقديم عناصر داعش للعدالة. لكن بخلاف فظائع داعش، على العراق أن يحقق على وجه السرعة في الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع.

قدمت المملكة المتحدة مشروع القرار بعد أن تعاونت مع حكومة العراق على إنشاء هيئة تحقيق في جرائم داعش بالعراق عن طريق مجلس الأمن. بدأت مناقشات الطرفين في سبتمبر/أيلول 2016 بعد أن بدأت المملكة المتحدة – بالتعاون مع العراق وبلجيكا – حملة عالمية بالجمعية العامة للأمم المتحدة لإحالة داعش للعدالة.

قررت المملكة المتحدة أن تمضي قدما بشكل رسمي في مسودة القرار في أغسطس/آب بعد تلقيها موافقة العراق عبر رسالة إلى مجلس الأمن. أعلنت سلطات العراق بوضوح أنها تتعاون مع المملكة المتحدة في قرار "يتسق مع سيادة العراق الوطنية واختصاصاته في مرحلتي التفاوض والتنفيذ".

تواجه سلطات العراق مهمة معقدة تتمثل في إحالة مشتبهي داعش إلى العدالة. يلاحق العراق آلاف المحتجزين بموجب قانون مكافحة الإرهاب على جرائم تتصل بانتماءاتهم إلى داعش. لكن بحوث هيومن رايتس ووتش توصلت إلى أن الانتهاكات متفشية فيما يتصل بمشتبهي داعش وأن انتهاكات كبيرة لسلامة الإجراءات تقوض من المداولات القضائية. لم تنسب السلطات العراقية اتهامات إلى مشتبه بهم بجرائم دولية خطيرة مثل الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، وهي ليست جرائم بموجب قوانين العراق، أو حتى بتهم الاغتصاب أو الاسترقاق، وهي منصوص عليها في قوانين العراق. لم تبذل السلطات جهودا لضمان مشاركة الضحايا في المحاكمات.

كما أن العراق ليس عضوا في "المحكمة الجنائية الدولية". قال رئيس الوزراء حيدر العبادي لـ هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار 2016 إن العراق لا يعتزم الانضمام ؛ يبدو أن السبب هو خشية أن تتمكن المحكمة من فحص الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الأمن الحكومية.

طالب الاتحاد الأوروبي و"مفوضية حقوق الإنسان" بالأمم المتحدة العراق بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما يسمح بملاحقات قضائية على الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها أطراف النزاع جميعا.

في حين تعود انتهاكات قوات الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان – ووحدات الشيعة العسكرية المنتظمة في صفوف الدولة والمعروفة بمسمى "قوات الحشد الشعبي" – إلى زمن بعيد، فإن المعركة ضد داعش أعطت هذه القوات المجال لتنفيذ انتهاكات تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

أثناء العمليات العسكرية لاسترداد الموصل، لجأت القوات العراقية كثيرا إلى تعذيب وإعدام من أسرتهم أثناء المعركة وحولها، في ظل إفلات كامل من العقاب، وأحيانا مع نشر صور ومقاطع فيديو للانتهاكات على مواقع التواصل الاجتماعي. منذ 2014 نفذت أيضا قوات حكومة إقليم كردستان وقوات الحشد الشعبي عمليات تدمير موسع لممتلكات مدنية في مناطق سنية تم استردادها من داعش.

رغم وعود متكررة بالتحقيق في مخالفات قوات الأمن، لم يُظهر العبادي بعد محاسبة السلطات العراقية لجندي واحد على أعمال قتل وتعذيب العراقيين أو غير ذلك من الانتهاكات في هذا النزاع. على حد علم هيومن رايتس ووتش، لم تفتح المحاكم العراقية ومحاكم إقليم كردستان تحقيقات في الغالبية العظمى من الانتهاكات الحقوقية التي ارتكبها الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي وقوات الأمن الكردية والمعادية لداعش، في المعركة ضد داعش.

يمكن لغياب العدالة تقويض أية فرص على المدى البعيد للاستقرار والتنمية. اختلال التوازن في جهود المساءلة يهدد بخلق انقسامات جديدة ويمكن أن يغذي تمرد جماعات شبيهة بداعش، في لحظة مُتاح فيها للحكومة العراقية فرصة فريدة لنقل العراق نحو المصالحة الحقيقية، بحسب هيومن رايتس ووتش.

ينص القرار المنشئ لفريق التحقيق المعني بداعش على أن الأدلة التي سيجمعها الفريق سوف تستخدم "في إجراءات قضائية جنائية مستقلة ونزيهة، بالاتساق مع القانون الدولي المنطبق" وأن الفريق عليه العمل بشكل متسق مع شروط عمله وميثاق الأمم المتحدة والممارسات الفضلى بالأمم المتحدة. لا يستبعد القرار بشكل صريح استخدام الأدلة في إجراءات قضائية تسمح بفرض عقوبة الإعدام، وهي عقوبة من العقوبتين الوحيدتين المذكورتين في قانون مكافحة الإرهاب الاتحادي العراقي، وكذلك هي عقوبة حكم بها قضاة إقليم كردستان بحق مدانين بجرائم الإرهاب ضمن نظام الإقليم القضائي.

تُعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في الدول كافة وفي كل الظروف. الإعدام عقوبة متفردة في قسوتها وكونها لا رجعة عنها، ويشوبها حتما وفي كل الأحوال التعسف والتحيز والخطأ. ألغت أغلب دول العالم هذه الممارسة.

القرار يطالب الأمين العام للأمم المتحدة بأن يحضّر خلال 60 يوما شروطا "مقبولة لحكومة العراق" لتوجيه نشاط فريق التحقيق، على أن يؤشر مجلس الأمن على تلك الشروط بالموافقة. ينص قرار المجلس على أن تشمل وثيقة شروط الاختصاص تعيين قضاة تحقيق عراقيين وخبراء جنائيين آخرين بالعراق "للعمل على قدم المساواة إلى جانب الخبراء الدوليين".

رغم إشارة قرار مجلس الأمن إلى ضرورة أن ينفذ الفريق التحقيقات العراقية، فهو غير واضح في كيفية عمل هذا، من حيث الممارسة، وكيف سيتفاعل مع التحقيقات القائمة أمام قوات الأمن العراقية الاتحادية وقوات أمن إقليم كردستان، وكذلك الجهود غير الحكومية الأخرى في العراق نحو توثيق جرائم داعش. يجب أن يضمن فريق التحقيق ألا تكون جهوده مكررة وتؤدي إلى تعريض الضحايا والشهود للصدمة مرة أخرى، وألا يتأخر كثيرا في تحقيق العدالة بما يضر بالضحايا والمحتجزين المحبوسين في ظروف لاإنسانية.

قالت جراح: "الاختبار الحقيقي لهذا التحقيق الأممي الجديد هو ما إذا كان سيساعد العراق على إنهاء الإفلات من العقاب المتفشي في البلاد، الذي غذى دورات العنف التي لا تنتهي. ضمان العدالة على جرائم داعش – مهما كان ضروريا – لا يكفي. ما يحتاج إليه العراق هو مقاربة أكثر شمولا بكثير، تُنهي الملاحقات القضائية الانتقائية على انتهاكات عانت منها البلاد لعقود".