(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن قوات الأمن السعودية حاصرت مدينة العوامية ذات الأغلبية الشيعية وأغلقتها في يوليو/تموز 2017، حيث واجهت جماعة مسلحة تختبئ في حي تاريخي من المقرر هدمه.

قال ناشطون محليون إن أعمال العنف التي انطلقت في المنطقة الشرقية في مايو/أيار أسفرت عن قتلى ومصابين بين السكان، وألحقت أضرارا جسيمة بالبلدة، حسب صور الأقمار الصناعية. يقول السكان والناشطون إن معظم السكان فروا من العوامية، والباقون ما زالوا يفتقرون إلى الخدمات الأساسية كالرعاية الطبية. لا تزال المدينة مغلقة.

Awamiya Satellite Imagery Awamiya Satellite Imagery

© CNES 2017 - Airbus DS 2017 صور بالأقمار الصناعية 

Before: Satellite imagery © CNES 2017 - Airbus DS 2017 After: Satellite imagery © CNES 2017 - Airbus DS 2017

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "على قوات الأمن السعودية توفير الخدمات الأساسية لسكان العوامية المحاصرين، والتأكد من أنهم يستطيعون الانتقال داخل المدينة وخارجها بأمان. على السلطات السعودية أيضا أن تُحقق فورا وبشكل موثوق في ما إذا كانت قواتها استخدمت القوة المفرطة في العوامية".

أعلنت السعودية في 2016 عن خططها لإزالة حي المسورة بالعوامية بمحافظة القطيف وإعادة بنائه، لأسباب تتعلق بالصحة والسلامة على حد قولها. بدأ الهدم في 10 مايو/أيار، بعد إجلاء سكان المسورة، لكن السلطات واجهت مقاومة مسلحة. قال سكان العوامية لهيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن أطلقت النار على مناطق آهلة بعيدا عن المسورة، مما أدى إلى مقتل عدد من سكانها، واحتلال مدرسة حكومية وإغلاق العيادات والصيدليات ومنع الخدمات الأساسية مثل سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة.

عربات تابعة لقوات الأمن السعودية في بلدة العوامية شرق البلاد، بعد حملة أمنية ضدّ مسلحين شيعة، 9 أغسطس/آب 2017.

© 2017 رويترز

قال سكان وناشطون إن قوات الأمن تبادلت إطلاق النار مع عدد مجهول من المسلحين داخل المسورة، وفي 26 يوليو/تموز، استقدمت مُدرعات إضافية وأغلقت مداخل البلدة ومخارجها.

لطالما عُرفت العوامية بمعارضتها للحكم السعودي، وكانت مسرح احتجاجات حول التمييز الحكومي ضد الشيعة السعوديين. هي مسقط رأس رجل الدين البارز نمر النمر الذي أُعدم في يناير/كانون الثاني 2016 لتشجيعه احتجاجات في 2011 و2012. أثار إعدامه سلسلة من الأحداث التي أدت إلى انهيار العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وتوترات طائفية متصاعدة في منطقة الخليج.

في 28 يوليو/تموز، قالت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند إنها "تشعر بقلق عميق" إزاء الصور التي تظهر فيها قوات الأمن السعودية على متن مركبات مدرعة من طراز "تيرادين غوركا آر بي في" (Terradyne Gurkha RPV) الكندية، وأمرت بإجراء تحقيق في كيفية استخدام القوات السعودية للمركبات. نشرت القوات السعودية أيضا نوعا آخر من المدرعات التي تصنعها شركة "إف اند آر كاتاي" (F & R Catai) الجنوب أفريقية في العوامية. بإمكان المدفع الآلي في برج هذه المدرعة أن يخترق المباني وغيرها من البُنى التحتية وأن يلحق أضرارا كبيرة بها.

حللّت هيومن رايتس ووتش صورا بالأقمار الصناعية تُظهر أضرارا كبيرة في الحي والشارع التجاري المتاخم له. رغم كون الكثير من الأضرار ناتجة عن الهدم، فإن الصور تُظهر أيضا مباني ومناطق متضررة من العنف.

قال ناشطون وسكان إن أسماء المسلحين وردت في لوائح بأهم المطلوبين أصدرتها السلطات منذ 2012 لجرائم مرتبطة بالاحتجاج في المنطقة.

أعلنت السعودية في 8 أغسطس/آب أن قوات الأمن طردت جميع "الإرهابيين والعناصر الإجرامية" تقريبا من العوامية، وأخذت السلطات صحفيين دوليين في جولة في الحي في 9 أغسطس/آب.

بقايا سيارات وبنايات على إثر حملة أمنيه ضدّ مسلحين شيعة في بلدة العوامية، محافظة القطيف شرق البلاد، 9 أغسطس/آب 2017. 

© 2017 رويترز

قال ناشطون سعوديون إن أعمال العنف أدت إلى مقتل أكثر من 12 شخصا من سعوديين وأجانب، إضافة الى 5 مسلحين على الأقل. قال مسؤول في وزارة الداخلية لـ "رويترز" إن 8 من أفراد الشرطة و4 من أفراد القوات الخاصة قُتلوا. لم تُعط السلطات السعودية تفاصيل عن الضحايا من بين السكان. أفادت رويترز أن طفلا يبلغ من العمر 3 سنوات توفي في 9 أغسطس/آب متأثرا بجروح أصيب بها عندما أطلقت سيارة مدرعة النار على سيارة عائلته في يونيو/حزيران.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات السعودية التحقيق فورا في ملابسات كل الإصابات المتعلقة باستخدام الشرطة وقوات الأمن للقوة، وتحميلها المسؤولية إذا تبين أنها أطلقت النار على السكان بشكل غير قانوني.

قال 5 من السكان في مقابلات إن قوات الأمن السعودية وضعت السكان في خطر، وأطلقت النار عشوائيا أو اعتقلت سكان الحي الذين خرجوا من منازلهم. قالوا إنه حسب علمهم، لم تأمر السلطات مطلقا السكان بمغادرة العوامية، وكانت فرصتهم الوحيدة للمغادرة بأمان هي الفترات القصيرة التي سمحت بها قوات الأمن منذ 26 يوليو/تموز.

قال السكان إن متطوعين محليين وناشطين نسّقوا الإخلاء دون مساعدة من السلطات، وإن قوات الأمن تردّ كل من يحاول العودة إلى العوامية لتفقد أحوال أقاربهم أو استعادة ممتلكاتهم.

قال السكان أيضا إن الناس تعرضوا لإطلاق النار والإصابة في مناطق مثل أحياء شكر الله والجميمة والريف الواقعة إلى غرب قوات الأمن المتمركزة بين هذه الأحياء والمسورة من جهة الشرق. قال السكان إنهم لم يروا أي مسلحين في هذه المناطق.

قال سكان العوامية الخمسة و3 نشطاء مطلعون على الوضع إن أغلبية سكان المدينة فرّوا بعد تصعيد قوات الأمن الوضع في 26 يوليو/تموز. قالوا إن معظمهم فرّوا بين 27 و28 يوليو/تموز عندما انقطعت الكهرباء عن المدينة لأكثر من 24 ساعة، مما عرّض السكان لدرجات حرارة تبلغ 50 درجة مئوية في غياب التكييف. كما قال سكان وناشطون إن شبكة الكهرباء تضررت بسبب إطلاق النار، لكنهم لم يعرفوا المسؤول عنه.

قال السكان إن قوات الأمن أغلقت جميع عيادات وصيدليات العوامية في مايو/أيار، ويعتقدون أنها فعلت ذلك لمنع المسلحين من الحصول على العلاج. منذ 26 يوليو/تموز، قالوا إن قوات الأمن لم تسمح لخدمات الطوارئ بالوصول إلى السكان الجرحى ولم تتخذ أي إجراءات لتقديم مساعدات إنسانية للسكان العالقين هناك، رغم كون جميع المحلات التجارية في المنطقة مغلقة.

قالوا أيضا إن قوات الأمن احتلت مدرسة ثانوية للبنين مُتاخمة للمسورة، ونشروا شريط فيديو قالوا إنه يُظهر القوات الحكومية تُطلق قذيفة "أر بي جي" من السطح على المسورة. تحققت هيومن رايتس ووتش بشكل مستقل من موقع الفيديو بمطابقة المعالم الموجودة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية المسجلة أثناء القتال. كما خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن القذيفة أُطلقت باتجاه مسجد أحمد بن محمود في المسورة.

أدان خبراء أمميون معنيون بالحقوق الثقافية والسكن اللائق والفقر المدقع تدمير السعودية للمسورة في 24 مايو/أيار، مشيرين إلى أن العملية أجبرت "السكان على الخروج من ديارهم ومن الحي هربا من الموت". وقالوا إن تدمير المسورة "سوف يمحو آثار... التراث التاريخي والإرث الثقافي المعيش".

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة السعودية أن تأمر علنا ​​قوات الأمن بالالتزام بـ "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون". تقول المبادئ الأساسية إن على قوات الأمن "استخدام وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية"، و"في الحالات التي لا مناص فيها من الاستخدام المشروع للقوة والأسلحة النارية، يجب على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ممارسة ضبط النفس في ذلك الاستخدام، وعليهم تقليص الضرر والإصابة، واحترام وصون حياة الإنسان". إضافة إلى ذلك، "لا يجوز استخدام الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماما تجنبها من أجل حماية الأرواح ".

تنُصّ المبادئ الأساسية كذلك على أنه "يجب إبلاغ كبار الموظفين بحالات الإصابة أو الوفاة الناشئة عن استخدام القوة أو الأسلحة النارية". ينبغي أن تكون نتائج التحقيق علنية وأن تُفضي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية مناسبة أو المقاضاة.

كما يجب على قوات الأمن السعودية الامتناع عن استخدام المدارس، مما قد يسبب أضرارا أو دمارا للبنية التحتية التعليمية الهامة والمساس بحق الأطفال في التعليم في أمان.

قالت ويتسن: "يواجه الشيعة في العوامية التمييز كل يوم، وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، وجدوا أنفسهم عالقين في مرمى النيران. على السلطات السعودية اتخاذ خطوات فورية للسماح للسكان بالعودة الى منازلهم بسلام والسماح بإعادة فتح المحلات التجارية والعيادات، وتعويض السكان عن أضرار الممتلكات والدمار التي تسببه قوات الامن".

شهادات من سكان المسورة

قال أحد السكان، "سامي"، الذي غيرنا اسمه وآخرين ممن قابلناهم من أجل حمايتهم، إنه لم يعمل منذ بدء القتال لأن متجره يقع في الشارع الرئيسي بالقرب من المسورة، حيث أُطلقت قوات الأمن النار بشكل متقطع على المحلات التجارية والمنازل. قال: "متجري كله ثقوب بسبب الرصاص. أنا واثق من أن قوات الامن هي المسؤولة لأن الرصاص من الحجم المتوسط والكبير، الذي لا تملكه سوى قوات الامن".

قال سامي إنه تعرض لإطلاق نار في 11 يونيو/حزيران أثناء القيادة في شارع كانت تتمركز فيه قوات الأمن، بعيدا عن القتال حول المسورة: "كنت أتسوّق مع صديق لوجبة السحور عندما سمعنا طلقات نارية. كنت في سيارتي... عائدا إلى بيتي عندما بدأ الرصاص يصيب الطريق الذي كنت عليه. سرعان ما أطفأتُ أنوار السيارة واتجهتُ إلى شوارع ضيقة للاختباء من إطلاق النار وراء المباني السكنية".

قال "علي"، من سكان العوامية الذين فروا في 30 يوليو/تموز: "الوضع الأمني في العوامية كان رهيبا خلال الأيام الـ 80 الماضية. عندما كنت هناك، تعرضت المدينة للقصف باستمرار وكانت قوات الأمن تطلق النار في المناطق السكنية عشوائيا. كنا خائفين جدا من مغادرة منازلنا، وأُغلقت معظم المحلات التجارية أو أُحرقت. كل ما يتحرك أصبح هدفا".

قال "أحمد" إنه تعرض لإطلاق نار في حي شكر الله في 29 يوليو/تموز: "أنا من حي الجميمة. ذهبت في الصباح لمساعدة أمي وأبي. ذهبت إلى شكر الله محاولا مغادرة العوامية عبر طريق خلفي يمرّ بالمزارع. كنت أقود سيارتي بين المنازل عندما أطلق أحدهم النار. أصابت الرصاصة المنزل المجاور لسيارتي. رأيت عربة مدرعة في نهاية الشارع... لم أر أي مسلحين في هذه المنطقة".

"هادي"، من سكان العوامية، يعمل في لجنة غير رسمية لمساعدة الفارين من الحي على إيجاد ملاجئ، قال إن عضوا آخر من اللجنة، محمد الرحيماني، أُصيب برصاصة في 3 أغسطس/آب بينما كان يساعد السكان على مغادرة منطقة من العوامية تقع غرب مواقع قوات الأمن، في الاتجاه المعاكس للمسورة.

يعتقد هادي أن 20 ألفا إلى 25 ألفا من سكان المدينة البالغ عددهم 30 ألفا قد فروا، معظمهم منذ 26 يوليو/تموز. قال إن السلطات السعودية أسكنت عددا قليلا منهم في شقق خاصة في الدمام القريبة، لكن الغالبية العظمى تُقيم مع أقارب أو تستأجر شققا في المنطقة الشرقية.