نازحون فارون من الموصل يتجمعون في مخيم الخازر، في إقليم كردستان العراق. وجدت هيومن رايتس ووتش أن سلطات الإقليم تعتقل الرجال والصبية في مخيمي الخازر ونركزلية وترفض تزويد عائلاتهم بمعلومات رسمية عن وضعهم ومكان وجودهم، وتمنعهم من التواصل معهم. 13 ديسمبر/كانون الأول 2016.

© 2016 عمار عواد/رويترز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن حالات احتجاز جديدة ظهرت في إقليم كردستان العراق نفذتها السلطات ضدّ رجال وصبية هاربين من الموصل للاشتباه بانتمائهم لتنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش").

أفاد افراد الأسر أنهم، وبعد أن اعتقلت السلطات الكردية أقاربهم، لم يتمكنوا من التواصل مع المحتجزين لمدة تصل إلى 4 أشهر، وأن السلطات لم تخبرهم عن أماكن وجود أقاربهم، وأن عائلاتهم لم تمتلك وسائل للطعن في احتجاز أقاربهم.

قالت بريانكا موتابارثي، باحثة أولى في حالات الطوارئ: "المخاطر الأمنية التي تواجهها حكومة إقليم كردستان من داعش كبيرة، ولكن عزل رجال وصبية الموصل عن عائلاتهم لا يفعل شيئا لتعزيز الأمن. على حكومة إقليم كردستان، على الأقل، إبلاغ الأسر عن أماكن احتجاز أقاربهم والسماح لهم بالتواصل معهم".  

قابلت هيومن رايتس ووتش أقارب 3 رجال وصبيين، من 4 عائلات، تم احتجازهم في مخيمات النازحين في الخازر ونركزلية بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2017. قال أقاربهم إن كل مُحتجز مر بعدة نقاط فحص أمني بين الموصل وأراضي إقليم كردستان. بينما احتُجز اثنان أثناء دخولهما مخيمات للنازحين، اعتقل 3 بعد أن اجتازوا عملية الفحص الأمني التي تشرف عليها الأجهزة الأمنية الكردية لدخول المخيمات. كانوا في المخيمات لمدة أسبوع أو أكثر، مما أثار تساؤلات حول سبب اختيار السلطات لاحتجازهم في تلك المرحلة.

أحد هؤلاء المعتقلين صبي (16 عاما) فرت أسرته من الموصل خوفا على سلامته، بعد أن احتجزه داعش مرتين لبيع السجائر.

لم تتمكن العائلات من الاتصال بأقاربهم بعد احتجازهم، بالرغم من طلباتهم المتكررة للحصول على معلومات في معظم الحالات، كما لم تقدم السلطات معلومات موثوقة عن أماكن وجودهم. قالت هيومن رايتس ووتش إن عدم تزويد الأسر بمعلومات عن وضع وأماكن وجود أقاربهم قد يجعل من هذه الاعتقالات حالات اختفاء قسرية تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد ترقى إلى جرائم دولية.

بين عام 2014، عندما بدأ وصول الناس الفارين من داعش، وأواخر يناير/كانون الثاني 2017، اعتقلت قوات حكومة إقليم كردستان أكثر من 900 رجل وصبي نازحين من 5 مخيمات ومن أربيل، استنادا إلى تقارير من عاملين في المخيمات، وجماعات محلية وسكان المخيمات. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من عدد الأشخاص الذين ما زالوا محتجزين، وما إذا كان سُمح لأحد منهم التواصل مع أفراد عائلته، وما إذا كان قد تم إبلاغ أي من أسرهم بأماكن وجودهم.

وثقت هيومن رايتس ووتش سابقا 85 حالة أخرى قال فيها أقارب لمشتبه فيهم بالإرهاب إنهم لا يعلمون شيئا حول مصير وأماكن وجود أقاربهم الذين اعتقلوا من قبل قوات حكومة إقليم كردستان أو القوات العراقية في المخيمات والجماعات المحلية. كان المعتقلون قد احتجزوا لمدة 4 أشهر، في وقت إجراء مقابلات مع أسرهم، دون أي اتصال أو تحديث لأفراد العائلات.  

وثقت هيومن رايتس ووتش سابقا أيضا انتهاكات سلطات إقليم كردستان للمحتجزين، من بينهم 17 طفلا قالوا إن قوات حكومة الإقليم عذبتهم واعتدت عليهم في الحجز، وحرمتهم من الاتصال بأسرهم أو بمحام. عدم اتصال المحتجزين بأقاربهم، إضافة إلى حوادث سوء المعاملة السابقة، يزيد من خطر الاعتداء والمعاملة السيئة.

احتجزت قوات الأمن العراقية، وكذلك قوات "الحشد الشعبي"، رجالا وصبية فارين من الموصل للاشتباه في انتمائهم لداعش، وأحيانا ضربوهم وعذبوهم. في 1 يونيو/حزيران، أعلن وزير الداخلية العراقي أن أي عمليات احتجاز مستقبلية ستتم طبق "قانون أصول المحاكمات الجزائية" الذي يشترط توفر مذكرة إيقاف بناء على مزاعم بوقوع جريمة معينة من قبل شخص ما، مع ذكر تفاصيل أخرى وليس الاسم فقط، موقعة ومختومة من قبل الحكمة، قبل أن تستطيع السلطات تنفيذ الإيقاف. هذا الفحص الإداري مهم، وقد يساعد على مواجهة الاعتقالات التعسفية من قبل السلطات المركزية. المحتجزون من قبل القوات العراقية مؤهلون أيضا للتمتع بالعفو بموجب قانون صدر في أغسطس/آب 2016 ويمنح عفوا لكل من يثبت أنه التحق بداعش أو جماعة متطرفة أخرى دون رغبته، وأنه لم يرتكب أي جرائم خطيرة.

في المقابل، لم تتبنى سلطات إقليم كردستان هذه الفحوص المتعلقة بالاحتجاز على ذمة التحقيق، ولم تتبنى أي قوانين مماثلة تتعلق بالعفو، على حد علم هيومن رايتس ووتش. في أكتوبر/تشرين الأول 2016، بعثت هيومن رايتس ووتش برسالة إلى الدكتور ديندار زيباري، رئيس "اللجنة العليا للتقييم والرد على التقارير الدولية"، أثارت فيها مسألة اعتقال الرجال والصبية في المخيمات، فضلا عن عدم إعلام العائلات حول أماكن وجودهم. رد الدكتور زيباري بأن الأشخاص القادمين من الأراضي التي يسيطر عليها داعش يتعرضون لفحص أمني إضافي "يستند إلى وكالات الاستخبارات والأجهزة الأمنية الوطنية والوكالات الأمنية المحلية في المنطقة". قال إن أولئك الذين "يثبت أنهم يشكلون خطرا أمنيا" يتم احتجازهم لمدة 24 ساعة، ثم يتم نقلهم إلى "محاكم خاصة تحدد ما إذا كانوا يشكلون خطرا على إقليم كردستان".

لم تُبلغ أي من الأسر التي أجريت معها مقابلات بإجراءات قانونية ضد أقاربهم. في غياب هذه المعلومات وفي ظل عدم القدرة على التواصل مع أفراد عائلاتهم، لم يحظوا بأي فرصة للحصول على مساعدة قانونية أو معرفة ما إذا كان لأقاربهم فرصة للطعن في الحجز، وفقا لما يقتضيه القانون الدولي. قال زيباري إنه في حين أن سلطات إقليم كردستان ملتزمة بإبلاغ الأسر عن وضع أقاربهم، فإن "الافتقار إلى الموظفين والموارد المالية" يجعل الأمر صعبا. إلا أن تجارب الأسر لم تشر إلى مثل هذا الالتزام. قالت امرأة إنها عندما سألت عناصر من "الأسايش"، قوات أمن إقليم كردستان، عند بوابات مخيم الخازر، عن ابنها بعد 18 يوما من اعتقاله في المخيم، قال لها ضابط: "إذا لم يرتكب أي شيء، سيعود. وإذا ارتكب شيئا [مشيرا إلى أنه يمثل خطرا أمنيا]، فلن يعود".

قالت عائلات أخرى إنهم تلقوا ردودا مماثلة، أو قيل لهم بأن أقاربهم هم قيد التحقيق ولم يحصلوا على أية معلومات عن كيفية متابعة تحقيقهم. في إحدى الحالات قالت امرأة إن عنصرا من الأسايش أخبرها بأن زوجها محتجز في مركز احتجاز الزرقاء في ضواحي دهوك، إلا أنها لم تتمكن من التحقق من المعلومات لأن الأسايش رفضوا طلب الزيارة، ولم يقدموا أي وسيلة للتواصل معه.

على سلطات حكومة إقليم كردستان أن تبذل جهودا لإبلاغ أفراد الأسر، بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الشرطة المحلية أو إدارة المخيمات، عن أماكن وجود المحتجزين والإجراءات اللازمة للتواصل معهم وزيارتهم. على السلطات أن تعلن عن عدد المقاتلين والمدنيين المحتجزين، بما ذلك عند نقاط التفتيش ومواقع الفحص الأمني والمخيمات أثناء النزاع مع داعش، والسند القانوني لاحتجازهم، بما في ذلك التهم الموجهة إليهم. وثقت هيومن رايتس ووتش سابقا الأساس القانوني غير الواضح، وفي بعض الأحيان غير الشرعي، للاحتجاز المتعلق بالإرهاب في إقليم كردستان.

على السلطات الإفراج عن جميع الأطفال الذين لم توجه لهم تهمة رسمية بعد، لأن القانون الدولي يسمح للسلطات باحتجاز الأطفال قبل المحاكمة فقط كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة، وفقط إذا وجهت إليهم اتهامات رسمية بارتكاب جريمة. على السلطات ضمان إعادة تأهيل الأطفال المحتجزين لمجرد الانتماء إلى تنظيم داعش وإعادة إدماجهم. كما أنه على سلطات حكومة إقليم كردستان أن تكفل إجراء مراجعة قضائية فورية ومستقلة للاحتجاز، والسماح للمحتجزين بالاتصال بمحام والرعاية الطبية والتواصل مع عائلاتهم.

قالت موتابارثي:"الردود السلبية التي تلقتها العائلات لا تُحقق التزام حكومة إقليم كردستان بتزويدهم بمعلومات عن أحبائهم. عندما تبقي السلطات الرجال والصبية رهن الاعتقال لشهور، فعليها على الأقل توفير التفاصيل الأساسية للأسر التي تحتاج لأية أخبار".

حالات اعتقال جديدة

في احدى الحالات، قال رجل من حي النبي يونس، في شرق الموصل، لـ هيومن رايتس ووتش إن مسؤولين في الأسايش اعتقلوا طفله البالغ من العمر 16 عاما، 5 أيام بعد وصول العائلة إلى مخيم الخازر في مطلع يناير/كانون الثاني 2017، وبقي قيد الاحتجاز لمدة 4 أشهر. كان داعش قد اعتقل ابنه مرتين في النبي يونس بعد أن ألقوا القبض عليه وهو يبيع السجائر لإعالة أسرته، كما قال الأب. بعد احتجازه للمرة الثانية، فرّت العائلة من الحي.

عندما وصلت قوات الأمن العراقية إلى قرية كوكجلي، 2 كم شرق الحدود الشرقية للموصل، هربت العائلة من منطقة تحت سيطرة داعش نحو مناطق القوات العراقية. تحققت قوات الرد السريع العراقية من هوياتهم، ثم حوّلتهم إلى منطقة الحمدانية، جنوب شرق الموصل، حيث تحققت السلطات العراقية من هوياتهم مرة أخرى.

عند وصولهم إلى مخيم الخازر، داخل كردستان العراق، تركوا هوياتهم عند مدخل المخيّم، كما أمرت سلطات المخيّم. بعد 5 أيام، قال الرجل إن عنصرا من الأسايش أتى إلى قسم من المخيّم، وسأل عن الطفل بالاسم، ثم احتجزه. يقول إنه لم يسمع أي خبر عن ابنه منذ ذلك الحين، رغم استفساراته المتكررة لقوات الأسايش التي تحرس المخيّم، وبعد الإبلاغ عن الحالة لـ "اللجنة الدولية للصليب الأحمر".

في حالةٍ ثانية، قال رجل في العشرينيات من عمره، من حي التنك غرب الموصل، إن عناصر من الأسايش اعتقلوا أخاه الأكبر "أحمد" (اسم مستعار)، عندما وصلت العائلة إلى مخيم الخازر في أواخر مارس/آذار. أمهم، التي قابلتها هيومن رايتس ووتش أيضا، قالت إنها كانت تحمل جميع هويات أفراد العائلة في الموصل، وقد وزعتها عليهم في الصباح الذي هربت فيه. لكن أحمد كان خارجا يصلي وقد نسي أن يأخذ هويته معه. قالت الأم أيضا إن العائلة تفرقت عند الهروب، وإن مقاتلي داعش منعوها مؤقتا من المغادرة، لكن أحمد وشقيقيه تمكنوا من الهرب.

خارج الموصل، أوقف الحشد الشعبي، وهي قوات شيعية مسلحة متحالفة مع الحكومة العراقية، أحمد وشقيقيه للكشف عن هوياتهم لكنهم سمحوا لهم بالمرور. عندما أخبرهم أحمد أن هويته ليست بحوزته، قالوا له: "لا تقلق، لن نعيدك إلى داعش"، بحسب ما قاله أخاه. قال إنهم اجتازوا الكشف الأمني في مخيم حمام العليل، حيث نقلت القوات العراقية النازحين من غرب الموصل قبل إرسالهم إلى مخيمات أخرى. لكن عند وصولهم إلى مخيم الخازر، وهو تحت سيطرة حكومة اقليم كردستان، أخبر أحمد الأسايش أنه لا يملك هويته، فطلبوا منه الانتظار عند السياج الخارجي. قال أخاه إنه رآه ينتظر نحو 15 دقيقة هناك، بعدها وضعه عناصر من الأسايش في سيارة وأخذوه.

قال أخوه إنه قدّم تساؤلات متكررة عن أحمد لكنه لم يتلق أي معلومات من عناصر الأسايش الذين يحرسون المخيم. عند وصول أمهم بعد 18 عشر يوما، قالت إنها جلبت معها هويّة أحمد وسألت عن مكان وجوده. لكن السلطات لم تعطها أية معلومات غير التأكيد على أنه محجوز. قالت إنهم قالوا لها: "اذهبي، إنه محتجز. إذا لم يرتكب أي شيء، سيعود. وإذا ارتكب شيئا [مشيرا إلى أنه يمثل خطرا أمنيا]، فلن يعود".  

في حالة ثالثة، في منتصف أبريل/نيسان، قالت امرأة إن زوجها، رجل كردي في الثلاثينيات من العمر، تم اعتقاله عند بوابة مخيم نركزلية، قرب قرية شيخان في إقليم كردستان العراق، بعد وصوله في سيارته مع زوجته وأولاده. قالت زوجته إنه عند وصولهم سأله عنصر من الأسايش: "أنت كردي، لماذا بقيت في الموصل حتى الآن؟". أمرها عنصر الأسايش وأولادها بأن تصعد الحافلة المتجهة إلى المخيم، وقال لها إن زوجها سيتبعهم في السيارة. قالت الزوجة إنه لم يصل، وذهبت إلى البوابة لتسأل عنصر الأسايش عن مكانه، فأخبروها أنهم يحققون معه.

عند عودتها بعد أيام قليلة، قالت إن عنصرا من الأسايش قال لها: "لقد بقيتم جميعكم لثلاث سنوات في السجن، فلما لا تدعينه يبقى معنا في السجن سنة أخرى؟". أعلمها بأن زوجها في مركز احتجاز في الزرقاء. بالرغم من طلباتها، قالت إن سلطات المخيم رفضت طلبها بالزيارة لأنه بقي قيد التحقيق. لم تتمكن من التكلم مع زوجها منذ احتجازه، ولم تتمكن من التأكد من مكان وجوده، عبر أي جهة رسمية. حاولت العائلة أيضا أن تصل إليه أو تأمين خروجه عبر معارفهم في "البشمركة"، القوات العسكرية لحكومة اقليم كردستان، والأسايش، ولكن المعارف تمكنوا فقط من التأكيد على أنه بقي قيد التحقيق.

في حالة رابعة، تم اعتقال أخوين في مخيم الخازر من أسبوع إلى أسبوعين بعد وصولهم، الأول يبلغ من العمر 24 عاما، والآخر 17 عاما. أخاهم الأكبر الذي سافر معهم قال إنه وأخويه وزوجته وأطفاله فرّوا من غرب الموصل مع مجموعة تتألف من 150 إلى 200 عائلة، وإن زوجته وأطفاله انفصلوا عن المجموعة ومنعهم مقاتلو داعش من الرحيل.

وصل هو وأخويه إلى الكوار، حيث تحقق الحشد الشعبي من هوياتهم وسمح لهم بالمرور. أضاف أن مخبرا مقنعا – كان هناك لمعرفة مؤيدي داعش في المنطقة – سمح لهم بالمرور. ثم وصلوا إلى حمام العليل حيث فتشتهم قوات الأمن العراقية مرة أخرى، باحثين عن أسمائهم في لائحة البيانات على الحاسوب. قال الأخ إن مخبرين مقنعين فتشوهم مرة أخرى هناك.

ذهبوا إلى بيت أحد أقاربهم في شرق الموصل، تحت سيطرة قوات الأمن العراقية، ليرتاحوا لأيام قليلة، ثم صعدوا سيارة أجرة إلى مخيم الخازر. سمح أمن المخيم للأخوة بالمرور، لكن بعد أسبوع أتى عناصر من الأسايش وأخذوا "حسان" ذو الـ 24 عاما من خيمته. يقول الأخ الأكبر: "لقد أتوا وسألوا من هو "حسان"؟" أخذوه وقالوا إنه ل يلحقه أي أذى. ولم يتم ضربه أو تكبيله. بعد 8 أيام، قال الأخ إن عنصرا من الأسايش عاد وأخذ أخاهم (17 عاما). قال الأخ الأكبر إن عائلته لم تسأل سلطات المخيم عن مكان الإخوة، لأنهم سمعوا من عائلات أخرى أنهم لن يتلقوا أي معلومات.