(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن ضحايا العنف الأسري في الجزائر غالبا ما يجدن أنفسهن عرضة لمزيد من سوء المعاملة، رغم صدور قانون جديد يجرم الإساءة الزوجية، وذلك بسبب تقاعس الشرطة وعدم كفاية أماكن الإيواء وعدم إجراء تحقيقات وملاحقات فعالة.

تقرير "’مصيرك البقاء معه‘: تعامل الدولة مع العنف الأسري في الجزائر"، الممتد على 40 صفحة، وجد أن الناجيات من العنف الأسري يخَضن صراعا شاقا من أجل تحقيق العدالة والأمان الشخصي. يواجهن الوصم الاجتماعي، ويعتمدن على المعتدين عليهن اقتصاديا، ويعانين من نقص الملاجئ، وعدم تعامل الشرطة والمدعين العامين والقضاة بشكل مناسب مع التحقيق في الإساءة، ووجود عقبات قضائية مثل المطالبة بأدلة غير معقولة. على السلطات الجزائرية زيادة الدعم لضحايا العنف الأسري، بما في ذلك توجيه الشرطة والمدعين العامين إلى التحقيق في القضايا وملاحقة مرتكبيها، وتحسين طاقة استيعاب مراكز الإيواء، وتعزيز أوامر الحماية لمنع المعتدين من إلحاق مزيد من الأذى بهن.

 ضحايا العنف الأسري في الجزائر غالبا ما يجدن أنفسهن عرضة لمزيد من سوء المعاملة، رغم صدور قانون جديد يجرم الإساءة الزوجية، وذلك بسبب تقاعس الشرطة وعدم كفاية أماكن الإيواء وعدم إجراء تحقيقات وملاحقات فعالة

 

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "عانت ضحايا العنف الأسري منذ زمن بعيد من ظلم مزدوج، حيث يتعرضن للاعتداء في المنزل، ثم يواجهن ردا ضعيفا من قبل الحكومة. قانون الجزائر الجديد حول العنف الأسري ليس سوى البداية".

قابلت هيومن رايتس ووتش 20 ناجية من العنف الأسري، وممثلات عن منظمات غير حكومية، ومقدمي خدمات للناجيات، بما في ذلك محامين وأطباء نفسيين. كما طلبت هيومن رايتس ووتش عقد اجتماعات ومعلومات محددة من الحكومة، لكنها لم تتلق أي رد.

امرأة في "دار الإنسانية"، مأوى تديره منظمة غير حكومية في مدينة عنابة شرق البلاد، 3 مارس/آذار 2010. توفر دار الإنسانية خدمات ومأوى للنساء ضحايا العنف الأسري، وفئات أخرى. 

© 2010 رويترز/زهرة بنسمرة

في ديسمبر/كانون الأول 2015، اعتمد البرلمان القانون رقم 15-19، لتعديل قانون العقوبات بتجريم بعض أشكال العنف الأسري وتشديد العقوبات على مرتكبيها. كان قانون العقوبات في الماضي يتناول العنف الأسري ضمن أحكام عامة تتعلق بالاعتداء. يعاقب القانون رقم 19-15 الاعتداء على زوج أو زوج سابق بالسجن لمدة تصل إلى 20 عاما، وبالمؤبد إذا أفضى الاعتداء إلى الموت. يجرم القانون أشكالا أخرى من العنف الأسري، بما في ذلك الاعتداء النفسي والاقتصادي.

تواجه الناجيات من العنف الأسري عقبات متعددة عندما يحاولن الخروج من علاقات مسيئة، بما في ذلك الضغط الاجتماعي للحفاظ على وحدة عائلاتهن. قالت عدة نساء لـ هيومن رايتس ووتش إن أقاربهن شجعوهن على الصلح مع أزواجهن رغم تعرضهن لإصابات خطيرة. وكثيرا ما قدمت لهن الشرطة نفس النصيحة، وأخبرتهن بأنها "مسألة خاصة"، وتجاهلت الأحكام القانونية التي تجرم الإساءة. قال العديد من المحامين لـ هيومن رايتس ووتش إنه بسبب هذه العقبات وغيرها، لا تسعى معظم الناجيات إلى توجيه اتهامات للمعتدين، أو يتنازلن عن دعاويهن في مرحلة التحقيق.

قالت حسناء، 31 عاما وأم لـ 4 أطفال، لـ هيومن رايتس ووتش إن زوجها بدأ يضربها عندما كانت حاملا. في سبتمبر/أيلول 2014، أثناء نزاع بينهما، دفعها على الحائط، وصفعها ولكمها في وجهها. ذهبت في لباس النوم إلى مركز الشرطة، فقال لها شرطي: "هذه مسألة عائلية. هذا ليس من شأننا. إنه زوجك. ربما كان غاضبا. سوف يعود إلى رشده. إذهبي واعثري على بعض الشيوخ الذين يمكنهم تهدئة الأمور".

حتى عندما يرفعن دعاوى، غالبا ما لا تتابع الشرطة القضية بشكل مناسب. وجدت هيومن رايتس ووتش أن الشرطة لا تجري في كثير من الأحيان تحقيقات في الموقع ولا تستجوب الشهود، وتصدّق بسهولة رواية الزوج للأحداث.

على الحكومة توفير مزيد من الخدمات الأساسية لضحايا العنف الأسري، بما في ذلك مراكز الإيواء.
على البرلمان تبني قانون يخوّل للسلطات القضائية إصدار "أوامر حماية" ضدّ المعتدين المشتبه بهم لمنعهم من إلحاق مزيد من الأذى بأفراد العائلة.
على البرلمان تعديل البند الوارد في قانون العنف الأسري الذي يضغط على الضحية لتُساعد المعتدي عليها على الإفلات من المحاسبة الجنائية، لأنه يسمح بكف الملاحقة القضائية ضدّه إن عفت عنه.

قالت سلوى (39 عاما) إنها رفعت دعوى ضد زوجها في اليوم الذي مزق فيه ثدييها بمقص وضربها. وعندما عادت إلى الشرطة لتسأل عن التحقيق، قالوا لها: "اتصلنا بزوجك، وقال إنك سقطت، وهذا هو سبب هذه الكدمات". قالت إنهم أخبروها أنهم سيغلقون القضية.

عندما تقرر النساء ترك أزواجهن أو شركائهن المعتدين، قد لا تتوفر لهن أماكن كثيرة يلجأن إليها، بل قد لا يتوفر لهن أي مكان أصلا. في حين ينبغي أن تكون الملاجئ جزءا لا يتجزأ من الحماية المقدّمة لضحايا العنف الأسري، إلا أن الجزائر – بلد يبلغ عدد سكانه 41 مليون نسمة – ليس فيه سوى 3 مراكز إيواء تديرها الحكومة متخصصة في مساعدة النساء ضحايا العنف. والمراكز الخاصة التي تديرها منظمات غير حكومية لا تتلقى أي تمويل حكومي، وتكافح من أجل توفير الخدمات.

قالت هيومن رايتس ووتش إن القانون الجديد الذي يجرم العنف الأسري خطوة إيجابية. وعلى السلطات الجزائرية الآن اعتماد تشريعات وسياسات شاملة لمنع العنف الأسري ودعم الضحايا. عليها تبنّي قانون جديد يتيح للضحايا إمكانية التماس أوامر حماية من الشرطة والمحاكم. هذه الأوامر من شأنها أن تفرض على الجاني المشتبه به – من بين أمور أخرى – مغادرة المنزل، والابتعاد عن الضحية وأطفالها، وتسليم أسلحته، والامتناع عن العنف أو التهديد أو الإضرار بالممتلكات، والاتصال بالضحية. تعتبر "هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة" ("هيئة الأمم المتحدة للمرأة") هذه الأوامر، التي يمكن فرضها على الجاني المحتمل قبل المحاكمة، من أكثر التدابير فعالية لمكافحة العنف ضد المرأة.

على السلطات أيضا أن تضمن توجيه الشرطة والمدعين العامين إلى التحقيق في العنف الأسري، وتقديم القضايا للمحاكمة، والحصول على التدريب المناسب.

تجريم العنف الأسري لن يحقق أكثر مما تحقق في معالجة هذه المشكلة التي لها أسباب عميقة تتجاوز نظام العدالة الجنائية.

سارة ليا ويتسن

المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

بالنظر إلى أن الشهادات الشفوية في قضايا العنف الأسري لا توفر في كثير من الأحيان أساسا كافيا للإدانة، على السلطات أن تضع مبادئ توجيهية لقبول أنواع أخرى من الأدلة في قضايا العنف الأسري، مثل شهادات الضحايا والخبراء، والأدلة الطبية والفوتوغرافية والبدنية.

على الحكومة توفير مزيد من الخدمات الأساسية لضحايا العنف الأسري، بما في ذلك مراكز الإيواء.

 قالت ويتسن: "تجريم العنف الأسري لن يحقق أكثر مما تحقق في معالجة هذه المشكلة التي لها أسباب عميقة تتجاوز نظام العدالة الجنائية. لهذا السبب، فان تبني قانون العنف الأسري الجزائري لعام 2015 ينبغي أن يفتح الطريق لمسار من الإجراءات الشاملة لوضع حد لهذا الوباء".