(بيروت،) قالت "هيومن رايتس ووتش" في رسالة ومذكرة أرسلتهما اليوم إلى رئيس البرلمان العراقي، إن على البرلمان تحديد عقوبات خاصة بجرائم العنف الأسري، وإلغاء البنود التي تقدّم الصلح على العدالة، مع تعزيز تدابير الحماية الخاصة بالضحايا في مشروع قانون مناهضة العنف الأسري.

متظاهرون في بغداد يُسمّون اليوم العالمي للمرأة "يوم حداد" احتجاجا على مشروع "قانون الأحوال الشخصية الجعفري"، الذي سيقيّد حقوق المرأة في مسائل الميراث والأمومة وغيرها من الحقوق بعد الطلاق، وسيسهّل على الرجال الزواج بأكثر من امرأة، وسيسمح بزواج الفتيات من سنّ التاسعة. في مارس/آذار 2016، قالت الحكومة العراقية لهيئة تعاهدية تابعة للأمم المتحدة إن مشروع الجعفري "سُحب وإن الحكومة العراقية لا تخطط لعرضه من جديد، فما بالك بتبنيه".

يستكمل البرلمان استعراضه لمشروع قانون مناهضة العنف الأسري، الذي أُعد في 2015. على البرلمان إدخال تعديلات جوهرية، ثم التعجيل بتبني القانون.

قالت روثنا بيغم، باحثة مختصة في حقوق المرأة في الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "وجود قانون قوي خاص بالعنف الأسري من شأنه المساعدة على إنقاذ أرواح النساء العراقيات. على البرلمان العراقي أن يضمن ادراج بنود أساسية في النصّ النهائي للمشروع لمنع العنف الأسري وحماية الناجيات وملاحقة الجناة".

العنف الأسري ظاهرة عالمية وما زال مشكلة كبيرة في العراق. توصل "مسح صحة الأسرة العراقية للفترة 2006/7" (IFHS) لأن واحدة من كل 5 نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري البدني. توصلت دراسة لوزارة التخطيط صدرت عام 2012 لأن 36 بالمئة على الأقل من النساء المتزوجات أبلغن بالتعرض لشكل من أشكال الأذى النفسي من الأزواج، وأبلغت 23 بالمئة بالتعرض لإساءات لفظية، وأبلغت 6 بالمئة بالتعرض للعنف البدني، و9 بالمئة للعنف الجنسي. في حين لا تتوفر دراسات وطنية أحدث، تستمر منظمات حقوق المرأة في الكشف عن معدلات عالية للعنف الأسري.

من نقاط قوة مشروع القانون تقديم خدمات للناجيات من العنف الأسري، وقرارات حماية (أوامر تقييد)، وعقوبات على مخالفة القرارات، فضلا عن تشكيل لجنة من عدة وزارات للحماية من العنف الأسري. لكن نصت مذكرة هيومن رايتس ووتش على عدة ثغرات ومقاربات في المشروع قد تقوّض فعاليته.

يدعو مشروع القانون لإحالة الأطراف إلى لجان للصلح الأسري، وإسقاط الملاحقات القضائية عن الجناة إذا تم التوصل لصلح. لكن نساء العراق كثيرا ما يواجهن ضغوطا اجتماعية واقتصادية هائلة تجبرهن على تقديم وحدة الأسرة على حمايتهن من العنف. ينص "دليل الأمم المتحدة" على حظر الوساطة في حالات العنف ضد النساء وفي جميع مراحل المداولات القانونية، لأن الوساطة تُخرج القضايا من مسار التحقيق القضائي. تشجيع المصالحة يفترض خطأ أن الطرفين لهما سلطة تفاوض متساوية، ويفترض أن الطرفين ربما أخطئا بالمثل فيما يخص ارتكاب العنف، ويقلص من مقدار المساءلة المفروضة على الجاني.

قالت بيغم: "مع دعم الصلح الأسري كبديل للعدالة، يقوض مشروع القانون تدابير الحماية المتوفرة للناجيات من العنف الأسري. على الحكومة توجيه رسالة مفادها أن ضرب الزوج لزوجته لن يُعالج وديا في جلسات وساطة، إنما هو جريمة".

في حين يُعرّف مشروع القانون العنف الأسري بصفته جريمة، فهو لا ينص على عقوبات للجريمة. كما لا ينص على إلغاء مواد في قانون العقوبات العراقي تتسامح مع العنف الأسري، ومنها مواد تسمح للزوج بتأديب زوجته وللآباء بتأديب الأطفال. من يرتكبون أعمال عنف أو جرائم قتل تتصل بـ "الشرف" قد تُخفف أحكامهم إذ ينص قانون العقوبات على تخفيف الأحكام في أعمال العنف التي تشمل القتل لما يُدعى "بواعث شريفة" أو إذا فاجأ الرجل زوجته أو إحدى قريباته في حالة تلبس بالزنا، أو في علاقة جنسية خارج نطاق الزواج.

من التعديلات الأخرى المقترحة:

  • فرض واجبات محددة على الشرطة العامة وعناصر الشرطة المتخصصة المعنية بالتعامل مع العنف الأسري. تلعب الشرطة دورا هاما في التعامل مع العنف الأسري ويمكن أن تساعد على تحديد قدرة الضحية على السعي وراء الانتصاف في النظام القضائي.
  • تحديد مختلف أنواع الأدلة التي يمكن الأخذ بها في قضايا العنف الأسري. عادة ما تحصل الاعتداءات في البيوت وراء أبواب مغلقة، حيث لا يوجد عادة شهود سوى الأطفال، الذين لا يمكنهم الشهادة في أحيان كثيرة.
  • التمييز بين قرارات الحماية العاجلة وقرارات الحماية الأطول أجلا، بما يشمل توضيح أن القرارات العاجلة قد تصدر في غياب بعض الأطراف بناء على شهادة الضحية، بينما يمكن استصدار قرارات الحماية الأطول أجلا في جلسات كاملة وبعد استعراض الأدلة.

 

ينص مشروع القانون على إنشاء مراكز إيواء حكومية، لكن على القانون المطالبة بالتنسيق مع منظمات حقوق المرأة المحلية في إدارة وتدريب وتشغيل هذه المراكز، والسماح بتشغيل مراكز الإيواء التي تديرها جهات خاصة للناجيات من العنف الأسري. قالت هيومن رايتس ووتش إن لهذا الأمر أهمية خاصة نظرا لأن منظمات حقوق المرأة غير الحكومية – التي توفر هذه الملاجئ – كثيرا ما عانت من اعتداءات وتهديدات من معتدين، وواجهت عداوة بعض المسؤولين الحكوميين.

دعت منظمات حقوق المرأة في العراق لسنوات إلى تشريع للعنف الأسري. يحظر الدستور العراقي صراحة "كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة". لكن إقليم كردستان العراق هو الوحيد الذي به قانون يجابه العنف الأسري. طالبت كل من "الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة في العراق" (2013-2017) و"الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة في العراق" المُعتمدة في 2014، بتشريع للعنف الأسري/العنف ضد المرأة.

على العراق التزامات تتصل بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، بمنع هذه الانتهاكات والتعامل معها. هناك عدة هيئات تعاهدية دولية، منها "لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، المُشرفة على اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو)، طالبت الدول الأطراف بإصدار تشريعات تخص العنف ضد المرأة. صادق العراق على الاتفاقية في 1986.

أعرب بعض نواب البرلمان عن قلقهم من احتمال أن يكون مشروع القانون ضد مبادئ إسلامية. لكن منظمات حقوق المرأة وبعض النواب الآخرين اجتمعوا في فبراير/شباط 2017 مع رجال دين بارزين في النجف، جنوب بغداد، وتوصلوا لعدم وجود اعتراضات على المشروع. كما أن معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة خارج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اعتمدت تشريعات مماثلة.

خلال السنوات الأخيرة تبنّت بعض الدول ومناطق الحكم الذاتي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضا بعض التشريعات أو الأنظمة الخاصة بالعنف الأسري، وتشمل الجزائر والبحرين وإقليم كردستان العراق وإسرائيل والأردن ولبنان والسعودية. تتباين تلك القوانين في درجة التزامها بالمعايير الدولية. هناك دول أخرى منها المغرب وتونس تفحص حاليا مسودات تشريعات للعنف الأسري.

قالت بيغم: "على العراق ضمان أن يتسق تشريعه حول العنف الأسري مع المعايير الدولية، كنموذج يُحتذي في المنطقة".