كان الصبي البالغ من العمر 16 عاما يتتبعنا خلال الأسبوع الماضي ونحن نسير في طريقنا عبر نركزلي. إنه من المخيمات التي أقيمت حديثا وتأوي 160000 شخص فروا من القتال بينما تحاول الحكومة العراقية استعادة السيطرة على الموصل، ثاني أكبر مدنها، من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

أخيرا اقترب غازي، بعد أن كان يختبئ خلف الخيام كلما توقفنا للتحدث إلى شخص ما. قال لي بهدوء إنه يعيش في خيمة مع مجموعة من الرجال والفتيان غير المرافَقين والذين لا يعرفهم. نظر إلي وهو خائف مما حوله، وسألني عما يمكنني فعله لمساعدته على الانضمام إلى عائلته، التي أرسلت إلى مخيم آخر.

مدنيون هربوا من القتال يمشون في الشارع أثناء معركة مع عناصر "داعش" في حي السكر شرقي الموصل، العراق، 11 يناير/كانون الثاني 2017. 

© 2017 رويترز/أحمد سعد

أخذته إلى مكتب المدير ووجدت موظفا قال لي إنه سيُدخل غازي ليرى المدير. كان علينا أن نغادر، إذ كان الوقت متأخرا. لكن انفطر قلبي لترك هذا الطفل بدون ضمانة أنه سيستطيع الالتحاق بعائلته.

الناس في هذه المخيمات مرعوبون من داعش، واضطروا إلى ترك حياتهم خلفهم. فُصل بعضهم عن أفراد أسرهم خلال فوضى 2014، عندما استولى التنظيم على المنطقة. فُصل البعض عن أفراد أسرهم خطأ أثناء فرارهم مؤخرا، وفُصل آخرون عن الرجال والأطفال الأكبر سنا من عائلتهم لإجراء فحوص أمنية، للتأكد من أنهم ليسوا من مقاتلي داعش.

لكن، لا يُسمح في أي من المخيمات التي تأوي النازحين من الموصل بحرية التنقل، وهو حق أساسي. مخيم واحد فقط يسمح بلم شمل الأسرة في الوقت الراهن، حسب علمي. يمنع مخيمان على الأقل الزوار ويحظران الهواتف المحمولة لأسباب يبدو أنها أمنية. تمت مصادرة هاتف غازي لدى وصوله إلى مركز الفحص الأمني في المخيم، الذي يشار إليه بالتسمية الملطّفة "مركز الاستقبال". يضع هذا الإجراء النازحين في موقع ضعف – ليس للذين اعتقل أحباؤهم بتهمة الانتماء إلى داعش أي وسيلة للاتصال بمن يساعدهم على تحديد مكانهم.

منذ الأيام الأولى لعملية الموصل في أكتوبر/تشرين الأول، يأتي الأزواج والأبناء في المخيمات الأربعة التي زرتها، والتي تسيطر عليها الحكومة الاقليمية الكردية، ليطلبوا مني مساعدتهم على الالتحاق بأسرهم. غادرت أسرهم على متن حافلة مختلفة، إما لأنها تأخرت خلال الفحص الأمني، أو لأنها تركت الموصل في وقت مختلف.

فر أهل غازي من الموصل خلال موجة هروب، بينما تخلف هو للاطمئنان على عمه المريض. اتصلوا به عندما وصلوا إلى نقطة تفتيش قوات الأمن العراقية ليقولوا إنهم أُرسلوا إلى مخيم قيماوه. ثم هرب من الموصل وحده. وعندما وصل إلى نقطة تفتيش أمنية، طلب من الجنود أن يرسلوه للانضمام إلى أسرته. لكنهم تجاهلوه وأرسلوه مع مئات الأسر النازحة الأخرى إلى نركزلي.

روت لي امرأة في نركزلي ما حدث معها عندما هربت 100 أسرة من منطقتها في الموصل، التي تسيطر عليها داعش. وصلت إلى المنطقة الواقعة التي يسيطر عليها جيش حكومة إقليم كردستان، تم فصل النساء، والفتيات، والأطفال الصغار عن الرجال والأطفال البالغين 15 عاما وأكثر عن أسرهم، واحتجزوا جميعا في مدرسة، في غرف مختلفة. وعندما وصلت الحافلات لنقلهم جميعا إلى مخيم، اختفى زوج هذه المرأة وابنها. سألت قوات الأمن في "مركز الاستقبال"، وبعد ذلك في المخيم، عن مصيرهم، لكنها قالت إنهم رفضوا إجابتها. الآن هي تجلس في خيمتها، غير قادرة على مغادرة المخيم، دون حتى هاتف لتستطيع الاتصال بأي من الأصدقاء، أو الأسرة، أو المنظمات الدولية للمساعدة في تحديد مكان أحبائها.

قال لي موظفو الإغاثة إنهم لم يستطيعوا الضغط لتحقيق حرية تنقل النازحين للالتحاق بأسرهم، نظرا إلى الطلبات التي يتلقونها بتقديم خدمات عاجلة للناس في المخيمات. قال لي أحد الموظفين بصراحة إنهم عندما يتحدثون إلى سكان المخيم، فإن حرية التنقل ليست شكواهم الرئيسية. نظرا إلى اهتمامات منظمات الإغاثة، قد لا يكون مستغربا أن يركز سكان المخيم على كل المساعدة التي لم يتلقوها.

لكن عندما أسأل السكان عن بواعث قلقهم بشأن حقوق الإنسان، فإن شعورهم بأنهم محتجزون في سجون مفتوحة، وتأثير ذلك على قدرتهم على التواصل مع عائلاتهم، هو من الأشياء الأولى التي يثيرونها.

توسل إليّ رجل في نركزلي لمساعدته على مغادرة المخيم للقاء ابنته ذات العامين والتي لم يرها قط، والمتواجدة الآن في كركوك، المدينة الرئيسية على بعد 160 كيلومترا. كما أراد إقامة مراسم العزاء لوالدته المتوفاة، مع إخوته الذين هربوا من الموصل قبل سيطرة داعش عليها. قال لي: "هربنا من السجن، لنُوضع في سجن آخر"، ثم هز رأسه وهو يسير بعيدا.