(بيروت) – السلطات الأمنية العراقية وسلطات إقليم كردستان تقيّد بصورة غير قانونية حرية تنقل النازحين في مخيمات قرب كركوك. رغم غياب الأعمال العدائية في المنطقة، لا يُسمَح للناس بمغادرة المخيمات بحريّة.

قال نازحون في مخيمَي نزراوة وليلان لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لا يستطيعون مغادرة المخيمات إلا بعد الحصول على كفيل، وإن قوات الأمن تحتجز بطاقاتهم قبل مغادرة المخيمات، وتأمرهم بالعودة إليها في نفس اليوم. حدت هذه القيود من حصول السكان على رعاية طبية، والوصول إلى العمل والأقارب. قال عمال إغاثة دوليون لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات في كركوك تزعم بأن القيود هذه ضرورية لأسباب أمنية. طلبت "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين"، التي تشرف على المخيمات، من السلطات إزالة هذه القيود.

رجل يجلس على كرسي في مخيم للنازحين داخليا على مشارف كركوك، 17 ديسمبر/كانون الأول 2014.

© 2014 رويترز

قالت لمى فقيه، نائبة مدير قسم الشرق الأوسط: "القيود المفروضة على مخيمات النازحين تمييزية وتجاوزت كل الحدود. مع إمكانية نزوح آلاف الأشخاص بسبب العملية العسكرية في الموصل، يتعين على السلطات العراقية حماية حقوق النازحين وليس معاقبتهم بتقييد وصولهم إلى العلاج الطبي والعمل والأسرة."

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان إلغاء القيود غير القانونية على حرية تنقل النازحين، بما في ذلك أولئك الذين نزحوا نتيجة للقتال الدائر في الموصل. لا يجوز فرض أي قيود غير تلك التي "ينص عليها القانون... وتشكل تدابير ضرورية لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم"، كما ينصّ على ذلك "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

منذ أوائل 2014، عندما بدأ تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) هجومه في العراق، نزح أكثر من 3 ملايين عراقي من ديارهم بسبب القتال. في مارس/آذار 2016، بدأت قوات حكومة إقليم كردستان والقوات التي حشدتها الحكومة العراقية في بغداد عمليات عسكرية تهدف إلى إلحاق الهزيمة بداعش في الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، ومعقل داعش الرئيسي. أسفر هذا الهجوم عن نزوح 62300 شخصا حتى الآن.

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2015 نقلت قوات حكومة إقليم كردستان مئات المدنيين الذين فروا من منطقة قريبة من خط الجبهة لمخيم نزراوة الواقع 20 كلم جنوب شرقي كركوك هربا من داعش. يضم المخيم حاليا 1655 عائلة عربية سنية، 90 بالمائة منهم من منطقة الحويجة في كركوك، وعدد قليل من محافظة ديالى.

قال 36 من سكان مخيم نزراوة ومسؤول في محافظة كركوك، أصيل منطقة الحويجة، لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأسايش، شرطة حكومة إقليم كردستان، والشرطة الاتحادية العراقية العاملة في المخيم لا تسمح للسكان بمغادرته دون وكيل يكون من مواليد كركوك. قامت هذه الجهات الأمنية، وفي بعض الحالات القوات العسكرية، بحجز بطاقات الهوية الخاصة بسكان المخيم أو طلبت منهم تركها عند نقطة تفتيش مشتركة بين الأسايش والشرطة الاتحادية قرب المخيم، على الطريق إلى كركوك، وأن يعودوا في نفس يوم. ولكن التجول بدون بطاقة هوية يجعل من الصعب عبور نقاط التفتيش الحكومية، وبالتالي، مغادرة المخيم. كما أن إجبارهم على العودة إلى المخيم كل ليلة يزيد من تقييد حركتهم.

حالت هذه السياسات دون حصول السكان على رعاية صحية، وفصلتهم عن أقربائهم، وصعّبت أوضاعهم المالية وقللت من فرص العثور على عمل.

إجبار السكان على الحصول على كفيل من كركوك منع الكثير منهم من مغادرة المخيم. قالت امرأة في المخيم إن عائلتها لم تتمكن منذ وصولها إلى المخيم من الحصول على مساعدات اجتماعية لزوج ابنتها الأعمى، لأنه ليس لديهم أصدقاء من كركوك ليكفلوهم.

قال رجل آخر إنه يرغب في زيارة إخوته الذين يعيشون في كركوك، ولكنه لم يتمكن من العثور على كفيل.

قال أحد السكان: "ليس هناك استثناءات، إن كنت لا تعرف أحدا يستطيع أن يكفلك لا يمكنك الذهاب إلى كركوك، بغض النظر عن وضعك الصحي."

في العديد من الحالات، التي تمكن فيها بعض السكان من إيجاد كفيل، مُنعوا من السفر عند نقاط التفتيش لعدم حيازتهم أوراق ثبوتية.

ليلان، مخيم آخر تديره المفوضية السامية ويقع 20 كلم جنوب شرقي كركوك، افتُتِح في نهاية عام 2014، ويأوي 1816 عائلة عربية سنية من مناطق مختلفة، منها كركوك وصلاح الدين ونينوى والأنبار وديالى وبغداد. قابلت هيومن رايتس ووتش في أوكتوبر/تشرين الثاني 3 من السكان أكدوا أن الإجراءات مختلفة قليلا، ولكنها أيضا تقيد حركتهم بشكل غير قانوني. عند وصول وافدين جدد إلى المخيم يحصلون على وثيقة يأخذونها إلى مركز الشرطة المحلية التي تقوم بكفالتهم. بعد ذلك، إذا كانوا يريدون السفر إلى كركوك خلال النهار، فعليهم ترك بطاقة الهوية عند نقطة التفتيش المشتركة لقوات الشرطة والآسايش، شرط العودة إلى المخيم في اليوم نفسه.

عبرت المفوضية السامية في بيان عام طالبت فيه السلطات بإزالة القيود عن قلقها إزاء "التوجه المتزايد نحو نقل العراقيين النازحين حديثا إلى المخيمات قسرا، حيث تُفرض قيود على حرية تحركهم بطريقة لا تتناسب مع أي مخاوف مبررة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالأمن". أشارت البيان إلى مخيم نزراوة، ولكنه عبّر أيضا عن مخاوف بشأن القيود المفروضة على حرية التنقل في مخيم جرماوا في شمال العراق، وفي مخيمات في محافظتي صلاح الدين والأنبار.

رغم أن القانون الدولي يسمح للسلطات بتقييد حركة الأفراد في مناطق النزاع لأسباب أمنية، إلا أن أي قيود يجب أن تكون وفقا للقانون الوطني، وموضوعة بشكل يحقق هدفها الشرعي، ومتناسبة وغير تمييزية. ينبغي أن تركز مثل هذه القيود على الحد من وصول جميع المدنيين إلى مناطق معينة في حالة الضرورة القصوى، وليس منع أشخاص معينين من الخروج من المخيمات. بموجب "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن التشريد الداخلي"، للنازحين الحق في حرية الدخول والخروج من المخيمات التي يسكنون فيها، بما في ذلك العودة إلى ديارهم، أو الانتقال إلى أماكن أخرى خارج مناطق القتال، أو إلى مخيمات أخرى.

قالت فقيه "يجب أن يتمتع سكان مخيمي نزراوة وليلان، البعيدين جدا عن خط المواجهة، بحرية التنقل واختيار مكان إقامتهم. ولا ينبغي فرض أي قيود عليهم، باستثناء تلك التي تقتضيها الضرورة، مثل توفير الحماية لهم وإبعادهم عن القتال."

شهادات السكان

يقع مخيما نزراوة وليلان في محافظة كركوك، إحدى "المناطق المتنازع عليها" في العراق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بموجب المادة 140 من الدستور. تخضع كركوك رسميا لسيطرة حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولكن في منتصف عام 2014، سيطرت عليها القوات العسكرية لحكومة إقليم كردستان، المعروفة بـ البيشمركة. توجد في مخيمات النازحين قوات تابعة للحكومة المركزية العراقية وأخرى تابعة لحكومة إقليم كردستان، وكلها تفرض قيودا على تنقل النازحين.

قال العديد من سكان مخيم نزراوة إن الأجهزة الأمنية المختلفة حجزت بطاقات هويتهم في أوقات مختلفة بعد وصولهم إلى المخيم، ما تسبب في الحد من قدرتهم على التنقل خارجه. قال 3 أشخاص إن قوات الأسايش صادرت بطاقاتهم قبل أو عند وصولهم. وقال رجل من الحويجة في مقابلة يوم 11 سبتمبر/أيلول 2016 إن قوات الأسايش في مخيم آخر، كان قد أرسل إليه في البداية، صادرت بطاقته يوم 9 أغسطس، قبل وصوله إلى نزراوة.

في 3 حالات، قالت نساء تمت مصادرة بطاقتهن من قبل البيشمركة إنهن لم يتمكّنّ من مغادرة مخيم نزراوة، وإنهن منعهن من الحصول على رعاية طبية. قالت امرأة حامل أرادت الذهاب الى كركوك لإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية إنها لم تتمكن من عبور نقطة تفتيش لشرطة محافظة كركوك لعدم حيازتها أوراق ثبوتية.

في حالة أخرى، نقلت الأسايش امرأة صودرت بطاقتها في مخيم نزراوة إلى عيادة في مخيم ليلان المجاور بدل أخذها مباشرة إلى مستشفى كركوك كما طلبت. قال زوجها إنها توفيت قبل وصولها إلى المستشفى بعشر دقائق. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد مما إذا كانت ستنجو لو ذهبت مباشرة إلى المستشفى.

المعوقات المالية الناجمة عن الاضطرار إلى العودة إلى المخيم كل ليلة قيّدت حركة السكان ومنعتهم من الحصول على العلاج الطبي والعمل. قال أحد سكان مخيم نزراوة إنه حاول في أواخر أغسطس/آب، بعد حصوله على كفيل من كركوك، أن يأخذ ولديه، 3 و7 سنوات، إلى مستشفى في كركوك لتلقي العلاج. كان أحدهما يعاني من حروق على ذراعه وكتفه بسبب حادث في المنزل، والآخر من التهاب مفصل الركبة، ولكن ضابطا في نقطة تفتيش على الطريق الى كركوك أمرهم بالعودة إلى المخيم ذلك المساء:

تشاجرت مع الضابط لأنني لم أكن متأكدا ما إذا كان ولداي بحاجة إلى البقاء لأكثر من يوم واحد في المستشفى. طلبت منه دفع تعريفة سيارة الأجرة في حال اضطررت إلى العودة إلى كركوك في اليوم التالي، ولكنه رفض. لذلك قلت له إننا سنعود إلى المخيم، وإنه المسؤول عن أي شيء قد يحدث لهما.

قال رجلان آخران إنهما لم يتمكنا من العمل في كركوك لإعالة أسرهما لأن تكلفة سيارة الأجرة إلى كركوك ذهابا وإيابا كل يوم ستكون أكثر من راتبيهما.

قال رجل إنه أصيل كركوك، ولكن ضباط الأسايش أرسلوه وأسرته إلى المخيم، وهو يحتاج إلى كفيل للعودة إلى كركوك، وعليه ترك بطاقة هويته عند نقطة التفتيش.