المعركة بين القوات العراقية وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) للسيطرة على الموصل تسببت حتى الآن في نزوح أكثر من 35000 مدني من داخل المدينة والقرى المحيطة بها.

منازل دُمرت في 22 أكتوبر/تشرين الأول في قوطان، قرية في محافظة كركوك، العراق، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

العديد من الفارين من المدينة هم من العرب السنة الذين تخلصوا من داعش، لكنهم باتوا يشعرون بأسى من نوع آخر. على مدى الأسبوعين الماضيين، أخبرتني عشرات العائلات أنها قلقة مما سيحل بمنازلها أثناء غيابها.

قد يُظَن أنهم قلقون من تدمير منازلهم بسبب القتال، ولكن القتال ليس سوى أحد أسباب هذه المخاوف.

في الواقع، في جولة سابقة من الصراع بين "البشمركة" – جيش حكومة إقليم كردستان – وداعش في المحافظات المجاورة، دُمِّرت العديد من المنازل العربية بعد انتهاء القتال.

يُوثق بحث أجريناه مؤخرا، اعتمد على زيارات للقرى ومقابلات مع شهود وتحليل صور الأقمار الصناعية، عمليات هدم غير قانونية للمنازل العربية، وأحيانا قرى عربية بأكملها في الفترة بين سبتمبر/أيلول 2014 ومايو/أيار 2016 في محافظتي كركوك ونينوى لدى استعادة البشمركة السيطرة من داعش.

في جميع الحالات، لم نعثر على أي ضرورة عسكرية ملحة تبرر الهدم.

البشمركة شريك رئيسي للقوات العراقية في معركة استعادة الأرضي من داعش. هذا الهدم لمنازل المدنيين دون مبرر يرقى إلى جريمة حرب. نفذت القوات الكردية هذا الهدم غير القانوني في وقت كانت فيه الولايات المتحدة، للمرة الأولى، تمدها بالدعم المالي والعسكري المباشر لقتال داعش.

على واشنطن أن توضح لحكومة إقليم كردستان أن الممارسات العسكرية التعسفية لا تعيق التعاون الأمني ​​المستمر فحسب، وإنما أيضا تقوّض فعالية العمليات العسكرية. في الوقت الذي يشهد فيه داعش تراجعا متزايدا، ليس في مصلحة أحد خلق جيل جديد من المهمشين والمظلومين المدفوعين بالانتقام.

زُرنا مؤخرا قريتين جديدتين في منطقة كركوك دمرتهما القوات الكردية الشهر الماضي بعد طرد جميع السكان. ما سبب هذا التهديم؟ هاجم داعش كركوك في 21 أكتوبر/تشرين الأول، وقالت لنا السلطات الكردية إنها تلوم السكان العرب في المدينة ومحيطها لتسهيل الهجوم، كما تحججت بسبب آخر: "البناء غير القانوني".

خلال 4 أيام، هدمت قوات حكومة إقليم كردستان 100 منزل وهجّرت قسرا 375 أسرة على الأقل، معظمهم من حي "واحد حزيران" جنوب كركوك، الذي يسكنه العرب فقط.

في الوقت نفسه، ومنذ 21 أكتوبر/تشرين الأول، بدأت القوات الكردية دمارا شاملا في قريتين مجاورتين: قوطان وقوشقاية.

زرنا قوطان في 8 نوفمبر/تشرين الثاني وكانت القرية بأكملها مدمَّرة – نحو 90 منزلا من أصل 100. لم يسلم إلا 10 أو 12 منزلا لعائلات تركمانية.

العديد من السكان الذين كانوا يحاولون استرداد بعض ممتلكاتهم من منازلهم المدمرة قالوا لنا إن نحو 12 مقاتلا من داعش دخلوا القرية عند الساعة 04 فجر 21 أكتوبر/تشرين الأول واستخدموا مكبر الصوت في المسجد لدعوة السكان للانضمام إلى داعش. قالوا إنهم أبلغوا قوات البشمركة المجاورة التي وصلت عند الساعة 09 صباحا، فهرب مقاتلو داعش، و"عمّ الهدوء بحلول الساعة 10"، بحسب أحد السكان.

قال السكان إن البشمركة أمرت العائلات العربية بعد ذلك بالمغادرة، واعتقلت نحو 70 رجلا لمدة يومين. قالوا أيضا إن البشمركة جلبت الجرافات (سكان القرية يسمونها "المعاول") وبدأت بهدم المنازل في نفس اليوم.

في اليوم التالي، على حد قولهم، جلبوا جرافات أكبر دمرت المنازل بفعالية أكبر: سوّوا أكثر من 10 منازل بالأرض، وألحقوا أضرارا بـ 50، وأشعلوا النيران في نحو 20.

قالوا إنهم عندما سألوا عن سبب معاقبتهم بهذه الطريقة، قيل لهم، لأنهم لم يقاتلوا داعش كما يجب.

كما أجبرت قوات البشمركة سكان قوشقاية المجاورة على مغادرة منازلهم في 21 أكتوبر/تشرين الأول. زرنا قوشقاية في مايو/أيار لتوثيق هدم 30 منزلا قبل سنة. عندما زرناها مرة أخرى في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، وجدنا العديد من المنازل مهدّمة بالجرافات ومحروقة، بالإضافة إلى المدرسة الابتدائية والعيادة الطبية، وكانت القرية مهجورة تماما باستثناء مجموعة صغيرة من الأكراد – كان واحد منهم في زي البشمركة – ينهبون الممتلكات، بما في ذلك النوافذ وهياكل الأبواب غير المتضررة.

يجب أن يتوقف كل هدم غير مبرر في الحال، ومحاسبة المسؤولين عن مثل هذه الأعمال. كما يجب تعويض الذين دُمِّرت منازلهم بشكل غير قانوني، والسماح لجميع النازحين، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم، بالعودة إلى ديارهم في أسرع وقت ممكن.

الرسالة التي يوجهها هذا الهدم والتشريد إلى العرب النازحين هي أنهم غير مرحب بهم في بعض المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية.

السياسات السيئة غير الخاضعة للمحاسبة، والتي تستهدف السكان العرب السنة هذه المرة، ليست بجديدة في تاريخ العراق الحديث، وهي جزء من أسباب ظهور داعش اليوم.