تربّعت لاتيكا على أرضية غرفة ضيقة تحكي قصتها وكيف انتهى بها المطاف كعاملة منزلية في مسقط، عمان. في بنغلاديش، بلدها الأم، تطلّب شلل زوجها عملية مكلفة أغرقتهم في الديون. اكتشفت فرصة عمل في الخارج عبر وكالة توظيف. في أكتوبر/تشرين الأول 2014، استقلت الطائرة للمرة الأولى في حياتها، وهي في سن الـ29، متجهة إلى أبو ظبي، عاصمة الإمارات، للعمل في منزل.

عمال وافدون من بلدان الشرق الأوسط أثناء التقاط صور فوتوغرافية لهم من أجل استصدار جوازات السفر الخاصة بهم في مكتب الهجرة في تانغيرانغ، بإندونيسيا في 23 يونيو/حزيران 2011.

© 2011 رويترز

لكن عندما وصلت، أخذها مندوب وكالة التوظيف إلى مدينة العين الشمالية، حيث عملت لدى رجل عماني صادر جواز سفرها ونقلها عبر الحدود إلى عمان. أضافت لاتيكا، وهو اسم مستعار بهدف سلامتها، أنه جعلها تعمل 15 ساعة في اليوم بلا راحة أو يوم عطلة، ولم يدفع راتبها طوال 5 أشهر، وعندما طالبت به ضربها. قالت: "لقد قص شعري وحرق قدميّ بالماء الساخن"، وأشارت إلى أماكن قص شعرها والحروق على قدميها. بعد فترة قصيرة من هذا الحادث، هربت.

 تسافر ملايين النساء، مثل لاتيكا، إلى الخارج ليعملن كعاملات منازل في الخارج باعتبارهن المعيلات الوحيدات لأسرهن. غالبا ما يكون هذا الملاذ الأخير مع ندرة فرص العمل في الوطن. تساعد أجورهن على إطعام وإكساء وتعليم أطفالهن، بينما يعتنين بأطفال الآخرين.

بينما تحقق كثيرات آمالهن في الحصول على رواتب لائقة وظروف عمل جيدة، تواجه أخريات وضعا أكثر سوءا بكثير. للاسف، حالة لاتيكا ليست نادرة.

طوال قرون، كان يُنظر للعمل المنزلي على أنه "عمل المرأة" ولا يجب أن يكون مأجورا، وهو لا يزال أحد أشكال العمل الأقل تقديرا وتنظيما. هناك بلدان كثيرة ما زالت لا تراه على أنه عمل "حقيقي"، وتستبعد عاملات المنازل من الحماية التي توفرها قوانين العمل. نتيجة لذلك، هناك جزء كبير من عاملات المنازل، والمقدر عددهن بـ67.1 مليون – غالبيتهن نساء – يحصلن على قدر ضئيل جدا من الحماية أو الحقوق.

عاملات المنازل المهاجرات، البالغ عددهن 11.5 مليون حول العالم، أكثر عرضة للانتهاكات بسبب أنظمة الهجرة التقييدية في بلدان عدة. في دول مجلس التعاون الخليجي – والتي تستضيف أكثر من مليوني عاملة منزلية مهاجرة – ترتبط تأشيرات دخول العمال بأرباب عملهم بحيث لا يمكنهم تغيير وظائفهم دون موافقة صاحب العمل. يدعى هذا النظام "الكفالة"، ويمكن أن يتعرض العمال المهاجرون الهاربون من صاحب العمل المسيء إلى عقوبات "الفرار" كالسجن والغرامات والترحيل. مئات العاملات الوافدات إلى دول مجلس التعاون الخليجي الذين قابلتهن "هيومن رايتس ووتش"، قلن جميعهن تقريبا إن أصحاب عملهن صادروا جوازات سفرهن كإجراء احتياطي للتأكد من عدم هربهن. 

حقيقة أن هؤلاء العاملات المنزليات موجودات وراء أبواب مغلقة، ويعشن في منزل صاحب العمل، تضاعف الانتهاكات المتأصلة في هذا النظام. يمكن لأصحاب العمل إرهاقهن بالعمل، وغالبا ما يفعلون ذلك. روت بعض عاملات المنازل، لـ هيومن رايتس ووتش، كيف كنّ غالبا ما يُجبرن على العمل قرابة 21 ساعة يوميا بدون راحة أو عطلة. قالت كثيرات إن أصحاب عملهن لم يدفعوا رواتبهن كاملة، فدفعوا أقل مما وعدوا، أو تأخروا في الدفع أو حجبوا عنهن رواتبهن لإجبارهن على الاستمرار في العمل في ظروف مسيئة، أو حتى رفضوا الدفع بالمرة.

قالت عديدات إن أصحاب عملهن صادروا هواتفهن وقيّدوا اتصالاتهن. بعضهن قلن إن أرباب عملهن كانوا يقدمون لهن القليل من الطعام، أو بقايا الوجبات العائلية، أو يقومون بتجويعهن عقابا على "أخطاء" ارتكبنها في عملهن. تحدثت النساء أيضا عن النوم في المطابخ، أو غرف تخزين أو غرف معيشة مفتوحة. كثيرات قلن إنهن تعرضن للإذلال والإهانة والصياح يوميا، كما أشار بعضهن إلى قيام أرباب عملهن بصفعهن أو ضربهن أو حرقهن. بعضهن تحدث عن حالات تحرش واعتداء جنسي وحتى اغتصاب.  

في مواجهة مثل هذه الظروف المسيئة، خاطرت بعض النسوة بحياتهن للهرب، حيث تسلقن أسوار مبان شاهقة، أو قفزن من شرفات، أو مشين لأميال في حر الصحراء. لكن قليلات ممن هربن حصلن على مساعدة أو تعويض. وصفت نسوة، لـ هيومن رايتس ووتش، كيف أبلغ أرباب عملهن عن "هروبهن" للشرطة، أو لفقوا لهن اتهامات جنائية مثل السرقة. غالبا ما تقوم العاملات بإسقاط ادعاءاتهن ضد أرباب عملهن في إسقاط أرباب العمل اتهاماتهم لكي يتمكنّ من العودة إلى ديارهن. أخريات وجدن أن محاولة المطالبة بالرواتب غير المدفوعة أو تقديم شكاوى جنائية عملية طويلة ومكلفة، في الوقت الذي لا يُسمح لهن بالعمل لدى رب عمل آخر أثناء ذلك. النتيجة النهائية هي أن العديد من العاملات المنزليات يعدن إلى وطنهن دون أجر أو تعويض.

هذا الواقع المرير هو ما يجعلنا بحاجة إلى مضاعفة جهودنا في الكفاح من أجل حقوق العاملات المنزليات.

يصادف يوم 16 يونيو/حزيران – اليوم العالمي لعاملات المنازل – ذكرى مرور 5 سنوات على اعتماد "منظمة العمل الدولية" اتفاقية تاريخية بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين. كانت هذه المعاهدة الأولى التي تنص على مبدأ معاملة عاملات المنازل بشكل مساوٍ لباقي العمال وتوفير حماية كافية ضد العنف وسوء المعاملة. صدّق 22 بلدا على المعاهدة، وتبنت دول كثيرة إصلاحات لقانون العمل وحسنت الحماية للعاملات المنزليات.

حتى دول الخليج شهدت بعض الخطوات الصغيرة الإصلاحية. أصدرت الكويت، في يونيو/حزيران 2015، قانونا يعطي عاملات المنازل حقوق العمال الآخرين مثل يوم عطلة أسبوعي، وتعويض العمل الإضافي، وإجازة سنوية.

صحيح أن هناك إنجازات تحققت، لكن يبقى الكثير مما يجب القيام به. على كل الدول التصديق على معاهدة منظمة العمل الدولية بشأن العاملات في المنازل، وإصلاح قوانين العمل والهجرة من أجل ضمان تمتع عاملات المنازل بالحقوق والحماية التي يتمتع بها العمال والعاملات الآخرون. غادرت لاتيكا بنغلاديش بحثا عن دخل أفضل في الشرق الأوسط، لكن انتهى بها المطاف دون أجر وتعرضت للضرب والحرق. من دون إصلاحات كافية، ستلقى أخريات كثيرات المصير ذاته.