قالت "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" اليوم استنادا إلى بحوث ميدانية ومقابلات مع شهود عيان إن قوات التحالف بقيادة السعودية استخدمت بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 2015 صاروخ بريطاني الصنع في تدمير أحد الأعيان المدنية اليمنية، وهو مصنع للسيراميك.

الدمار الذي لحق بموقع غارة جوية على مصنع للسيراميك في ردفان، غرب صنعاء، اليمن، في 23 سبتمبر/أيلول 2015.
 

©محمد علي الصواري 2015

وقع الهجوم على المصنع الكائن في محافظة صنعاء الذي يظهر أنه يصنع سلعا للاستخدام المدني، وقتل شخصا واحدا.  يبدو أن هذا الهجوم انتهاك للقانون الإنساني الدولي، أو قوانين الحرب.

استخدمت قوات التحالف صاروخا بريطاني الصنع حصلت عليه في تسعينات القرن الماضي. وتقوض الضربة مزاعم وزراء بريطانيين بأن المعدات العسكرية البريطانية التي تستخدمها قوات التحالف بقيادة السعودية تتسق مع القانون الإنساني الدولي، وأن المملكة المتحدة تراقب مدى امتثال القوات لهذا الأمر "بحرص شديد". لكن لم تعلم المنظمتان بقيام قوات التحالف بفتح تحقيق ذي مصداقية في هذه الضربة الجوية وغيرها من الضربات غير المشروعة لتحديد الانتهاكات المحتملة للقانون الإنساني الدولي.

قالت لمى فقيه المستشارة الأولى في شؤون الأزمات بمنظمة العفو الدولية: "يزعم وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند أنه يحبذ إجراء ما أسماها تحقيقات مناسبة في احتمال انتهاك قوانين الحرب في اليمن. توفر هذه الضربة الجوية تحديداً فرصة لاختبار صدق مزاعم الوزير. على المملكة المتحدة أن تضغط على التحالف الذي تقوده السعودية كي يفتح تحقيقاً ذا مصداقية في هذه الضربة الجوية، وغيرها من الضربات التي يظهر أنها انتهكت قوانين الحرب".

قال ديفيد ميفام مدير قسم المملكة المتحدة في هيومن رايتس ووتش: "تظهر الحقائق التي تكشفت مؤخرا أن سياسة المملكة المتحدة تنطوي على التضليل وعدم الفعالية بشكل خطير. رغم الكثير من الحالات الموثقة جيدا التي تثبت وقوع انتهاكات لقوانين الحرب من طرف قوات التحالف الخليجي في اليمن، دأب الوزراء البريطانيون بشكل مستمر على رفض الإقرار بوقوع هذه الانتهاكات.  على المملكة المتحدة أن تعلق مبيعات الذخائر الجوية إلى الدول الأعضاء في التحالف بانتظار إجراء تحقيق شامل في هذه الضربة وغيرها من الضربات الجوية غير المشروعة".

تحليل بقايا السلاح المستخدم
عاينت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بقايا السلاح المستخدم في ضربة 23 سبتمبر/أيلول وتمكنتا من تحديد نوعه على أنه صاروخ كروز جو-أرض من طراز "بي جي إم 500/ هاكيم" الذي وفرته شركة "ماركوني دايناميكس" البريطانية في أواسط تسعينات القرن العشرين. تضمن التحليل مقارنة صور شظايا السلاح الملتقطة في موقع الضربة مع بقايا غير منفجرة من نوع الصاروخ نفسها تم الحصول عليها من موقع ضربة أخرى مختلفة. اتضح أن بقايا السلاح المستخدم في الموقعين تتطابق ومواصفات صاروخ "هاكيم" بي جي إم 500 الذي يُطلق من الجو. شهدت الضربة الأخرى الموثقة سقوط النوع نفسه من الصواريخ في حقل زراعي بتاريخ 4 أو 5 سبتمبر/أيلول في سحار بمحافظة صعدة شمالي اليمن، دون أن تسفر عن وقوع إصابات وفق ما ورد.

بقايا صاروخ بريطاني الصنع عثر عليها في موقع لغارة جوية على مصنع للسيراميك في ردفان، غرب صنعاء، اليمن، في 23 سبتمبر/أيلول 2015.
 

©محمد علي الصواري 2015

يمكن بوضوح مشاهدة علامات شركة ماركوني على أحد المكونات التي انتشلت من موقع الضربة في صنعاء. تتوفر مخزونات من هذا النوع من الصواريخ لدى سلاح الجو الإماراتي والذي يمتلك قدرات إطلاقها باستخدام طائراته المقاتلة من طرازي ميراج 2000، وإف-16.

إفادات الشهود بشأن ضربة 23 سبتمبر/أيلول
زار موظفو منظمة العفو الدولية موقع الضربة في صنعاء بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ثم أجروا هم وموظفو هيومن رايتس ووتش مقابلات في وقت لاحق مع أحد مالكي المصنع وغيره من الشهود على الضربة.

وقعت الضربة ما بين الساعة 11 و11:30 صباحا بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول في قرية متنة بمديرية بني مطر غرب صنعاء.  وقال الشهود وأحد مالكي المصنع أن 4 صواريخ أصابت مصنع ردفان للسيراميك بشكل متعاقب وبفاصل قصير فيما بينها.

تواجد ابن أحد مديري المصنع، إبراهيم غالب محمد السواري، في محيط المكان أثناء وقوع الضربة، وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "كنت بانتظار موعد الصلاة متكئا إلى جدار المصنع لحظة سماعي، دون سابق إنذار، صوت أزيز أعقبه وقوع انفجار مدوي. بدأت بالهرب ولكن سمعنا بعد دقيقتين تقريباً دوي انفجار ثانٍ. رأيت الناس – الأطفال والشباب والكبار– يفرون من منازلهم وقد انتابهم الخوف والفزع مثلنا، وكانوا يركضون لايعرفون إلى أين".

عاد إبراهيم إلى المصنع لاحقا وقد انبعثت منه أعمدة الدخان وأصبح كومة من الأنقاض لا سيما القسم الذي يضم الآلات الثقيلة المستخدمة في تسخين الخزف وكبسه، إذ أتت الضربة عليها ودمرتها بالكامل.

 الدمار الذي لحق بموقع غارة جوية على مصنع للسيراميك في ردفان، غرب صنعاء، اليمن، في 23 سبتمبر/أيلول 2015.

©محمد علي الصواري 2015

قُتل يحي عبد الكريم السواري (28 عاما) الذي تصادف وجوده في المكان وقت الضربة جراء إصابته بشظية أثناء محاولته الفرار من المكان. أخبر أحد السكان المحليين هيومن رايتس ووتش (اشترط عدم الكشف عن هويته) أن الضحية كان يعمل حارسا في منشأة احتجاز مؤقتة قريبة تديرها حركة "أنصار الله"، الجناح السياسي للحوثيين، وهم جماعة مسلحة من الشيعة الزيدية في شمال اليمن. كان الموقع في السابق مبنى حكوميا يحمل اسم "مركز العائلات المنتجة" ويقع على بعد نحو 140 مترا من مجمع مباني المصنع. لم تصب الضربات الجوية منشأة الاحتجاز المذكورة.

جُرح على أحمد الفقيه (55 عاما) في الهجوم، وقال إنه كان يركب دراجته النارية لتفقد أسرته التي تقيم بجوار المصنع، أثناء فترة تهدئة وجيزة فصلت بين الضربات الجوية. لم يكن مدركا أن الهجوم لم ينته بعد. أضاف: "سمعت صوت أزيز فعلمت أن صاروخا في طريقه إلى المكان. استلقيت أرضا وبدأت الدعاء بصوت عال. ثم لاحظت أن الدماء غطت سائر أنحاء جسدي".  نُقل الفقيه إلى مستشفى خاص لاحقا حيث أُجريت له عملية جراحية لإزالة الشظايا من صدره.

أخبر رجل آخر من سكان المنطقة منظمة هيومن رايتس ووتش أن فتاة عمرها 14 وتُدعى إلهام طاهر وتقيم بجوار المصنع أُصيبت في الهجوم.

قال غالب محمد الصواري، أحد مالكي المصنع، لـ منظمة العفو الدولية إنه لم يتم استخدام المصنع لأغراض عسكرية مطلقا.  وأخبر شهود آخرون هيومن رايتس ووتش أنه لم يتواجد مقاتلون أو مركبات عسكرية داخل المصنع أو على مقربة منه لحظة وقوع الهجوم.

التحقيق الميداني
أثناء تحقيقها الميداني في موقع الضربة، لم تلاحظ منظمة العفو الدولية أي دليل يشير إلى أن المصنع يُستخدم لأغراض عسكرية. لاحظت المنظمة أن المنطقة المحيطة بمجمع مباني المصنع هي سكنية على ما يبدو، وتقع بجوار "مستشفى 26 سبتمبر".

ألحقت الضربة التي استهدفت المصنع أضراراً طفيفةً بالمستشفى. كما زارت منظمة العفو الدولية المستشفى بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني وتحدثت مع بعض موظفيه الذين كانوا متواجدين أثناء وقوع الضربة.

وقال مالكو المصنع الذي شُيد عام 1994 إنه كان المنشأة الوحيدة من نوعها في البلاد، وإنه كان يوظف نحو 330 عاملا، غالبيتهم من أبناء قرية متنة. أضاف مالكو المصنع أنهم أُجبروا على وقف الإنتاج في أبريل/نيسان من العام الجاري جراء المخاوف على أمن الموظفين ومصاعب الحصول على الوقود اللازم لتشغيل الماكينات.

يحظر القانون الإنساني الدولي شن هجمات بشكل متعمد على المدنيين من غير المشاركين في الأعمال العدائية، أو الأعيان المدنية، ويحظر كذلك شن هجمات عشوائية لا تميز بين المدنيين أو الأعيان المدنية والمقاتلين أو الأهداف العسكرية، أو شن الهجمات التي تلحق بالمدنيين أو الأعيان المدنية أضرارا غير متناسبة والأفضلية العسكرية المباشرة المتوخاة من الهجوم. تشكل مثل هذه الهجمات انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، وقد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب إذا تم شنها بنية جنائية.

تترتب مسؤولية قانونية على جميع البلدان وفق أحكام القانون الدولي، وعليها مراقبة عمليات نقل الأسلحة وتقييد أو حظر توريدها أو نقلها في ظل ظروف معينة. المملكة المتحدة هي إحدى الدول الأطراف في اتفاقية تجارة الأسلحة التي دخلت حيز التنفيذ في أواخر 2014، ولعبت دورا رياديا في إنشاء الاتفاقية. بموجب المادة 6 من المعاهدة، يُحظر على البلد أن يأذن بنقل الأسلحة إذا كان على علم وقت النظر في الإذن باحتمال استخدام تلك الأسلحة في ارتكاب "هجمات موجهة ضد الأعيان المدنية أو المدنيين الذين يتمتعون بالحماية بتلك الصفة أو جرائم الحرب الأخرى على النحو الوارد تعريفه في الاتفاقات الدولية التي يكون طرفا فيها". بالإضافة إلى ذلك، تشترط المادة 7 من المعاهدة على الدول أن تقوم بتقييم احتمال ما إذا كانت الأسلحة المزمع تصديرها سوف تُستخدم في ارتكاب انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي أو تسهم في ارتكابه. كما تنص على عدم جواز الإذن بالتصدير في حال خلص التقييم إلى أن هناك مخاطر كبيرة من هذا النوع.

وبما أنه من الواضح الآن أن مثل هذه المخاطر قائمة فعلا، على المملكة المتحدة وغيرها من البلدان التي تورد الأسلحة إلى الدول الأعضاء في قوات التحالف الذي تقوده السعودية تعليق نقل جميع شحنات الأسلحة التي تشكل خطرا ملموسا من حيث احتمال استخدامها في ضربات جوية غير مشروعة في اليمن، وخصوصا تعليق تصدير قذائف جو-أرض، بحسب منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

 ينبغي إجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المزعومة التي ارتكبها جميع أطراف النزاع في اليمن، تبيان الوقائع، وتحديد هوية المسؤولين عن تلك الانتهاكات بهدف ضمان محاسبتهم .عليها