(نيويورك) ـ ما لا يقل عن سبعة من المدنيين، بينهم3 أطفال، توفوا في الغارات الجوية المصرية/الليبية المشتركة على مدينة درنة الشرقية في 16 فبراير/شباط 2015. وعلى ليبيا ومصر إجراء تحقيقات سريعة وشفافة في حالات الوفاة.

وتعد الهجمات العشوائية التي لا تميز أو تعجز عن التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو البنية التحتية المدنية مخالفة لقوانين الحرب، وقد ترقى المخالفات الجسيمة لقوانين الحرب، المنفذة بنية إجرامية، إلى مصاف جرائم الحرب.

قالت مصر في 16 فبراير/شباط إنها شنت غارات جوية تستهدف مقاتلين متشددين في درنة، وجاء هذا في أعقاب عملية القتل الجماعي لـ21 من المسيحيين الأقباط، بينهم 20 مصرياً، في 15 فبراير/شباط بأيدي متشددين بايعوا تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف (المعروف أيضاً باسم داعش). وأصدر رئيس أركان الجيش الليبي تصريحا يؤكد تنسيقه مع مصر في شن الغارات الجوية على ليبيا. وتشتبك قوات موالية للحكومة المعترف بها دولياً، المتمركزة في شرق ليبيا، في نزاع مسلح مع جماعات متشددة تضم جماعات بايعت داعش، في المنطقة الشرقية.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "تقول مصر وليبيا إنهما تحاربان متطرفين منتسبين إلى داعش، إلا أن هذا لا يمنحهما صكاً على بياض لقتل المدنيين. ويتعين على كافة أطراف النزاعات الدائرة في ليبيا أن يبذلوا قصارى جهدهم لحماية المدنيين، والتحقيق الفوري في أية خسائر مدنية".

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش سبعة وفيات مدنية تبدو ناتجة عن الغارات الجوية على درنة، وأجرت مقابلات هاتفية مع عائلات ستة من الضحايا، الذين قتلوا جميعاً داخل منازلهم في حي شيحة بالمدينة الشرقية. وضمت صفوف القتلى أماً هي رابحة المنصوري، وثلاثة من أطفالها الأربعة، عفراء وزكريا وحذيفة الخرشوفي، الذين توفوا عند سقوط قذيفة على منزلهم. أما الباقون فهم أسامة الشتيوي، وهو طالب كان ينظر من سطح منزله فأصيب بشظايا، وعطية بوشيبة الشاعري الذي توفي بعدما انهارت واجهة منزله فوقه، وحنان فرج الدريسي التي كانت على سطح منزلها حينما سقطت قذيفة على الشارع المقابل.

قال سكان لـ هيومن رايتس ووتش إن الغارات جرحت 20 مدنياً آخرين على الأقل، ودخل بعضهم وحدة العناية المركزة بمستشفي الحريش.

وقال الأقارب الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات إن تحليق الطائرات العسكرية والغارات الجوية بدأت في نحو الخامسة صباحاً، وصعد العديد من السكان إلى أسطح منازلهم لمراقبتها. وقال جميع مع أجريت معهم المقابلات إن قذيفتين سقطتا على حيهم بين السابعة والسابعة والنصف صباحاً، وإن المنازل المصابة لم تكن تستخدم لتخزين أسلحة أو ذخيرة من جانب المتشددين المحليين.

وقال قائد القوات الجوية الليبية، العاملة تحت سلطة الحكومة الليبية المعترف بها دولياً والمتمركزة في شرق ليبيا، قال في مقابلة إن قواته نفذت "غارات جوية على منازل في مدينة درنة، كانت مقراً لمدافع أرضية وأسلحة لتنظيم داعش"، وإن الغارات الجوية قتلت 40-50 من المتشددين، ولم يشر إلى الخسائر المدنية.

والهجمات التي تستهدف المدنيين أو ممتلكاتهم، والتي لا تميّز أو تعجز عن التمييز بين المدنيين والمحاربين، محظورة بموجب القوانين الدولية الحاكمة لسير النزاعات المسلحة، أما الهجمات التي يقصد بها معاقبة المدنيين، بمن فيهم عائلات القادة أو المحاربين من فصيل معارض، فهي تشكل عقاباً جماعياً، مما يخالف القانون بدوره. كما تُحظر الهجمات التي تسبب تدميراً واسع النطاق وعديم التناسب للممتلكات، عند شنها عبثاً وبالمخالفة للقانون، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وتلتزم جميع أطراف النزاعات الدائرة في ليبيا، التي تضم مصر الآن، بالتقيد بقوانين الحرب، التي تلزمهم باتخاذ كافة الخطوات المعقولة لحماية المدنيين. كما أن القانون الدولي يلزم الأطراف المهاجمة بأخذ الخطر الذي يتعرض له المدنيون جراء الهجوم في الحسبان، حتى في وجود قوات معادية قامت بوضع أهداف عسكرية وسط مناطق مأهولة أو بالقرب منها.

وتعد بعض المخالفات الجسيمة لقوانين الحرب، عند ارتكابها بنية إجرامية، من جرائم الحرب. ويقع مرتكبو جرائم الحرب أو من أمروا بها أو ساعدوا فيها أو كانت لهم مسؤولية قيادية عنها تحت طائلة الملاحقة من جانب المحاكم الوطنية أو المحكمة الجنائية الدولية، المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمال الإبادة الجماعية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011، بموجب قرار مجلس الأمن الأممي رقم 1970.

وما زالت تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا تقتصر على الحالات التي تورط فيها مسؤولون من حكومة القذافي السابقة منذ 2011. ورغم الجرائم الخطيرة المستمرة التي قد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، إلا أن مدعية المحكمة لم ترفع أية دعاوى إضافية ولم تعلن عن أية تحقيقات جديدة. وعلى المدعية فحص تقارير الجرائم الخطيرة المستمرة في ليبيا بغية تحديد مدى الحاجة إلى تحقيقات إضافية.

كما يجب على مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنشاء آلية تحقيقية أو تعيين مقرر خاص بشأن ليبيا للتحقيق في كافة الانتهاكات الحقوقية الجسيمة وواسعة النطاق في ليبيا، التي قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بغية ضمان المحاسبة للمسؤولين عن جرائم خطيرة.

في 2014 تبنى مجلس الأمن الأممي القرار رقم 2174 الذي يهدد المسؤولين عن الجرائم الخطيرة بعقوبات تشمل المنع من السفر وتجميد الأصول، إلا أن مجلس الأمن لم ينفذه بفعالية حتى الآن. وقد أعاد القرار التشديد على أن الأفراد والجماعات ملتزمون بحظر التسلح القائم، كما ينص عليه قرار مجلس الأمن رقم 1970 (2011).

وقالت سارة ليا ويتسن: "ما لم يتحرك مجلس الأمن سريعاً وبحسم لمحاسبة المسؤولين عن وفيات المدنيين وإصاباتهم، ولتعزيز حظر التسلح القائم، فإن ثمّة خطراً من تدهور الوضع أكثر فأكثر وتأديته إلى المزيد من وفيات المدنيين".

الجماعات المسلحة

قامت عدة جماعات مسلحة في شرق ليبيا بمبايعة داعش علناً في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، وأعلنت عن إقامة "ولاية برقة"، كما أجرت عمليات إعدام وجلد علنية خارج إجراءات القضاء. وادعت جماعتان مسلحتان أخريان على الأقل الانتساب إلى داعش في ما تشير إليه باسم ولايتي فزان وطرابلس، وهما على الترتيب غرب ليبيا ـ بما فيه العاصمة ـ وجنوبها. وتبنت تلك الجماعات المسلحة مسؤولية عدد من الهجمات، منها القتل الجماعي الظاهر لـ21 من المسيحيين الأقباط قرب سرت، وهجوم في 27 يناير/كانون الثاني 2015 على أحد فنادق طرابلس الفخمة مما أسفر عن مقتل تسعة مدنيين.

وفي 20 فبراير/شباط ارتكبت جماعات مسلحة تزعم الانتساب إلى داعش هجوماً انتحارياً مزدوجاً في بلدة القبة الشرقية، على مسافة 40 كيلومتراً من درنة، تسبب في قتل ما لا يقل عن 44 شخصاً وإصابة العشرات من الآخرين. وقال تصريح أصدرته "ولاية برقة في الدولة الإسلامية" أن الهجمات كانت على سبيل الانتقام من غارات درنة الجوية.

وقد أسفرت النزاعات المسلحة الحالية، التي بدأت في مايو/أيار 2014 في شرق ليبيا وامتدت إلى الغرب بعد شهرين، عن حكومتين متنافستين في ليبيا: حكومة معترف بها دولياً تتمركز في البيضاء في الشرق، وحكومة منافسة أعلنت عن نفسها بتلك الصفة في طرابلس، وتسيطر على معظم الغرب الليبي. وتزعم الاثنتان أن كل منهما هي الحكومة الشرعية لكل ليبيا، إلا أن أياً منهما لم تتمكن من بسط سلطتها على الصعيد الوطني. وفي الوقت نفسه تقف المؤسسات الليبية، ولا سيما القضاء، على شفا الانهيار، إذ لم يعد أفراد النيابة والمحاكم يعملون في معظم المدن بسبب الاستهداف المباشر للقضاة وأفراد النيابة من جانب المتشددين، وغياب الأمن بصفة عامة.

الأدلة المستمدة من الشهود والأقارب

عائلة الخرشوفي

تحدثت هيومن رايتس ووتش هاتفياً مع اثنين من أفراد عائلة الخرشوفي في 18 و20 فبراير/شباط 2015، فقالا أن صاروخاً أصاب منزل العائلة في صباح 16 فبراير/شباط وأدى على الفور إلى مقتل رابحة المنصوري وثلاثة من أطفالها الأربعة ـ في أعمار سنتين و6 و7 سنوات. وقد نجا زوج المنصوري وابنها الذي يبلغ من العمر 8 سنوات. وقال أحد الأقارب لـ هيومن رايتس ووتش: "أوشك المنزل على الدمار بعد سقوط صاروخ عليه مباشرة في نحو السابعة صباحاً. إنه منزل عائلة كبير من 4 طوابق، وقد سقط السقف الثقيل حيث كانت تقيم الأم وأطفالها الأربعة".

وقال قريب آخر لـ هيومن رايتس ووتش أن القصف تسبب في دمار شبه تام لـ 16 منزلاً آخر في الحي نفسه، وأدى إلى بعض التلفيات في 32 منزلاً آخر.

عائلة الشتيوي

قال أحد أشقاء أسامة الشتيوي، الذي تحدث مع هيومن رايتس ووتش هاتفياً في 20 فبراير/شباط، إنه شاهد مصرع أسامة الفوري حينما أصابت رأسه شظايا فيما كان على سطح منزلهم يحاول تصوير الغارة الجوية، التي كانت قد بدأت في نحو الخامسة صباحاً. وقال إن أسامة كان قد عاد إلى ليبيا من تركيا التي كان يدرس الهندسة بها، في 2 فبراير/شباط، عند نفاد تمويل منحته الدراسية.

وقال الشقيق: "كنت أنا وشقيقي قد استيقظنا منذ الصباح الباكر حينما سمعنا تحليق الطائرات العسكرية والضربات الجوية على البعد. وقبل ثوان من سقوط الصاروخ على منزلنا صحت بأخي أن يعود إلى الداخل، لكن الأوان كان قد فات. أصابته الشظايا في الرأس ففصلته عن جسده، وتوفي على الفور". وقال شقيق أسامة إنه لم يسمع انطلاق أية أسلحة مضادة للطيران من حيهم، رغم أنه "كان هناك الكثير من إطلاق النيران يومها، من جميع أنحاء المدينة"، بما في ذلك نيران الأسلحة الصغيرة من حيهم.

وقد شاهدت هيومن رايتس ووتش نسخة من شهادة دفن أسامة، التي ذكرت سبب الوفاة وسردت الإصابات التي لحقت به.

عائلة الشاعري

قال نجل عطية بوشيبة الشاعري، الذي كان في منزل العائلة في يوم الغارة الجوية، قال لـ هيومن رايتس ووتش في مكالمة هاتفية يوم 20 فبراير/شباط إن والده كان أمام المنزل لإحماء السيارة بين السابعة والسابعة والنصف صباحاً، في انتظار إحدى بناته، حينما سقط صاروخ على واجهة المنزل.

 

وقال نجل الشاعري: "كنا نسمع ضربات جوية منذ الصباح الباكر في المدينة، وسمعناها تقترب، لكن منزلنا في منطقة سكنية، ولم نتوقع حدوث شيء كهذا. لا يمكن أن أصف مشاعري عند سقوط الصاروخ. هرعت إلى الخارج فوراً بعدها ورأيت أن واجهة منزلنا قد سقطت. ثم رأيت أن أبي كان يرقد على الأرض بجوار سيارته. كانت بوجهه إصابات، وأذكر بالتحديد أن الدم كان يسيل من أذنه. أخذته إلى المستشفى، لكن الأوان كان قد فات، فقد توفي على الفور".

قال نجل الشاعري إنه لم يسمع أية طلقات نارية من شارعهم قبل الغارة الجوية: "حيّنا محايد. لا أعرف أي شخص يخزن السلاح أو الذخيرة. وأستغرب استهداف شارعنا بالتحديد".

ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الاتصال بأقارب الضحية الأخرى، حنان الدريسي، لكنها تحدثت هاتفياً مع ثلاثة من جيرانها، فقالوا إنها توفيت لحظياً عند سقوط صاروخ على منزلها. وقال أحد الجيران أن الدريسي كانت على السطح في ذلك الوقت، و أن إحدى شقيقاتها، التي كانت في المنزل أيضاً، تعرضت لإصابة حرجة.