رجال شرطة في زي أسود بعد لحظات من إطلاق النار على الناشطة السياسية شيماء الصباغ، التي توفيت في وقت لاحق متأثرة بجروحها، في القاهرة، بمصر، في 24 يناير/كانون الثاني، 2014.

© 2015 اليوم السابع

(نيويورك) ـ إن صوراً فوتوغرافية ومقاطع فيديو وأقوال شهود تشير بقوة إلى مسؤولية أحد أفراد قوات الأمن المصرية عن إطلاق النيران المميتة على متظاهِرة في أحد ميادين وسط القاهرة يوم 24 يناير/كانون الثاني 2015.

تبين الأدلة التي حللتها هيومن رايتس ووتش رجل شرطة بالزي الرسمي يقوم على ما يبدو بتوجيه رجل ملثم يطلق بندقية خرطوش في اتجاه مجموعة مكونة من نحو 20 متظاهراً سلمياً كانت الشرطة تفرقهم بميدان طلعت حرب. وتظهر شيماء الصباغ، 32 سنة، وهي تسقط فوراً على الأرض في أعقاب الطلقة. توفيت شيماء لاحقاً جراء ما وصفته السلطات الطبية بأنه إصابات "بخرطوش بلي". وأعلن النائب العام هشام بركات عن تحقيق في وفاة الصباغ في اليوم نفسه.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "يجب على النائب العام أن يفي بتعهده بتقديم المسؤولين عن وفاة الصباغ إلى العدالة، فالعالم يترقب ليرى ما إذا كانت هذه القضية ستكسر نمط الإفلات من العقاب على الانتهاكات الحقوقية الذي شوه العدالة المصرية منذ انتفاضة 2011".

قال النائب العام إن المحققين سيفحصون كافة الأدلة المتاحة، بما فيها شرائط كاميرات المراقبة ودفاتر الأحوال الرسمية التي تصف ما استخدمته قوات الأمن من أسلحة، كما سيقومون باستجواب أفراد الشرطة الذين فرقوا المظاهرة. وقد أكد بركات في تصريح له أن مكتبه "ملتزم بتطبيق القانون على الجميع بكل حزم دون تمييز، وتقديم مرتكبي واقعة قتل الناشطة للمحاكمة الجنائية".

إلا أن بركات قال أيضاً إن "التحقيق المبدئي" وجد أن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع وحده، وهذا بعد إخفاق المتظاهرين في الاستجابة لأمر الشرطة بالانصراف، واعتدائهم على الشرطة بالحجارة والألعاب النارية. وفي 28 يناير/كانون الثاني 2015 قال مسؤول من وزارة الداخلية، المشرفة على الشرطة، لوسائل الإعلام إن المقذوف الذي قتل الصباغ ليس من النوع الذي تستخدمه قوات الأمن، وأوحى بالتلاعب في مقاطع الفيديو التي تصور إطلاق النار عليها.

وفي 31 يناير/كانون الثاني، أمرت نيابة قصر النيل، التي تتولى التحقيق في الواقعة، بإلقاء القبض على زهدي الشامي، 60 عاما، وهو نائب رئيس الحزب السياسي الذي كانت تنتمي إليه الصباغ، وكان حاضرا في المظاهرة وتوجه إلى النيابة للإدلاء بشهادته. استجوب أعضاء النيابة الشامي كمشتبه به لما يقرب من تسع ساعات قبل أن يأمروا باعتقاله، وفقا لـ محمد عبد العزيز، وهو أحد محامي الشامي. وقدم أعضاء النيابة تقريرا من جهاز مباحث الأمن الوطني قال إن الشامي يشتبه بأنه كان يحمل سلاحا خلال المظاهرة، بحسب ما قال عبد العزيز لـ هيومن رايتس ووتش.

ووجهت النيابة أيضاً إلى نحو 10 أشخاص من المشاركين في المظاهرة تهمة خرق قانون التظاهر، الذي تم تبنيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 والذي يحظر أي تجمهر بدون تصريح، وهذا بحسب بعض المتهمين. قالت شاهدة واحدة لـ هيومن رايتس ووتش إن وكيل النيابة المكلف بالتحقيق في واقعة القتل حاول في البداية اعتقالها وهي تقدم شهادتها.

وقد أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 4 شهود على واقعة إطلاق النار، وحللت 18 صورة فوتوغرافية و3 من مقاطع الفيديو. وتبين الأدلة أن قوات الأمن المنتشرة في ميدان طلعت حرب يومذاك استخدمت القوة المفرطة في الرد على مسيرة صغيرة وسلمية نظمها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وأطلقت الغاز المسيل للدموع والخرطوش على المتظاهرين بدون تحذير ظاهر.

وقد التقط أحد مقاطع الفيديو، التي تُظهر قوات الأمن وهي تفرق المظاهرة، التقط فيما يبدو لحظة إطلاق النار على الصباغ، كما يمكن سماع 4 طلقات نارية فيه. تم إطلاق الطلقتين الأوليين في تتابع سريع في بداية عملية التفريق، وإطلاق الثالثة بعد 9 ثوان، والرابعة بعدها بـ7 ثوان. عند إطلاق الطلقتين الأوليين بدأ متظاهرون على الرصيف، كانوا يحملون لافتة كبيرة حمراء، في الابتعاد في اتجاه الجنوب الغربي بطول شارع طلعت حرب ونحو ميدان التحرير. وتظهر اللافتة قرب مدخل مكتب "إير فرانس" المواجه لميدان طلعت حرب. واستناداً إلى صور منشورة تبين الصباغ واللافتة معاً في ذلك الموقع، فإن الصباغ كانت واقفة وغير مصابة في ذلك الوقت.

ويبدو المتظاهرون في مقطع الفيديو وهم يسيرون مبتعدين في اتجاه الجنوب الغربي بطول شارع طلعت حرب، وتلاحقهم الشرطة، أثناء سماع الطلقة الثالثة. وفي تلك اللحظة يظهر ملثم بزي داكن واقفاً بجوار رجل شرطة بزي رسمي يشير إلى رتبته كعميد، في الشارع. يتخذ الملثم وضع القنص ويوجه سلاحه الناري نحو المتظاهرين بينما يجري رجل الشرطة مشيراً إليهم. كما تظهر هذه اللحظة أيضاً في 3 صور فوتوغرافية نشرتها منافذ إعلامية محلية، مع التقاط المسلح وضابط الشرطة من زوايا مختلفة.

قال هشام عبد الحميد، الناطق باسم مصلحة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل، لقناة "الحياة" التلفزيونية في مقابلة بتاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2015 إن الصباغ أصيبت في الظهر والعنق بالخرطوش من مسافة نحو 8 أمتار. ويقرر تقرير الطب الشرعي الذي يوثق وفاة الصباغ، والذي نشرت صور ضوئية منه على تويتر، أن الصباغ توفيت جراء طلقات بالظهر، سببت تهتكات بالرئة والقلب ونزيفاً غزيراً بتجويف الصدر.

وتنص مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، التي تستعرض القانون الدولي المتعلق باستخدام القوة في مواقف إنفاذ القانون، تنص على ضرورة التزام قوات الأمن بالوسائل غير العنيفة إلى أبعد حد ممكن قبل اللجوء إلى استخدام القوة. وفي الحالات التي لا مناص فيها من الاستخدام المشروع للقوة، يتعين على السلطات ممارسة ضبط النفس والتصرف بالتناسب مع خطورة الجرم. ولا يجوز استخدام القوة المميتة إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها لحماية الأرواح.

قالت سارة ليا ويتسن: "إن الزعم باعتداء هؤلاء المتظاهرين على الشرطة أو بأن صور وفاة الصباغ ملفقة هو زعم يتحدى كافة الأدلة المتاحة وتفوح منه رائحة التستر. وبعد وفاة أعداد كبيرة من المتظاهرين أثناء ممارسة حقوقهم الأساسية، يتعين على النائب العام الاضطلاع بواجبه وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الوفاة".

الأدلة المستمدة من الشهود
قالت عزة سليمان، المحامية التي تبلغ من العمر 48 عاماً وتدير مؤسة قضايا المرأة المصرية، قالت لـ هيومن رايتس ووتش إنها كانت في مقهى على الجهة الأخرى من الشارع مع نجلها، وكانت تشاهد المتظاهرين الـ25-30، الذين كان بعضهم يحمل الزهور ويهتف. وقبل بدء التفريق، خرجت لتحيي بعض الأصدقاء الذين رأتهم وسط المتظاهرين. وقالت سليمان إنها في خلال نحو 5 دقائق سمعت أصوات عربات الشرطة وشاهدت أفراد قوات الأمن، وكان بعضهم يرتدي أقنعة ويحمل بنادق الخرطوش، يقتربون من المتظاهرين ويطلقون الغاز المسيل للدموع والخرطوش على السواء في اتجاه المتظاهرين.

كما أكد أسامة همام، المصور الذي كان يغطي المظاهرة، لـ هيومن رايتس ووتش تفاصيل رواية نشرها على فيسبوك، ووصف فيها قيام قوات الأمن بإطلاق الغاز المسيل للدموع والخرطوش على المظاهرة بدون إنذار.

وكتب إلى هيومن رايتس ووتش قائلا: "كانت المظاهرة لا تزيد عن 30 شخصاً يحملون بعض الورود ونصفهم من كبار السن، وكان الشارع خالياً. وكانت الشرطة على الرصيف المقابل".

قامت هيومن رايتس ووتش بتثبيت وتحسين جودة مقطع الفيديو لتحليل لحظة الطلقة الثالثة. وفي المقطع المحسّن تظهر الصباغ وهي تسقط على الأرض بعد سماع الطلقة الثالثة مباشرة. قام اثنان من المتظاهرين، كان أحدهما يرتدي سترة سوداء وتم التعرف عليه باسم سيد أبو العلا، زميلها في الحزب، والآخر يرتدي سترة خضراء، بالمسارعة لمساعدتها. وهناك صورتان إضافيتان من زوايا مختلفة تظهران سقوط الصباغ في تلك اللحظة وانحناء الرجلين لمساعدتها.

وقد قال مصور صحفي مصري، كان يلتقط الصور لعملية التفريق من مسافة قصيرة، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الرجل الذي يرتدي القناع الأسود، والذي كان يقف على يساره، أطلق الطلقة التي أصابت الصباغ. وقال إن المتظاهرين، البالغ عددهم 20-25 في تقديره، كانوا يهتفون بشعارات انتفاضة 2011 ـ وليس بشعارات مناوئة للسلطات. وكانت قوات الأمن قد أطلقت الغاز المسيل للدموع والخرطوش على المتظاهرين بغير إنذار، في غضون دقيقتين من وصول المسيرة إلى ميدان طلعت حرب، بحسب قوله.

ويبين مقطع الفيديو بوضوح أن الطلقة الرابعة والأخيرة ـ المطابقة في صوتها للثلاثة السابقات ـ أتت من الملثم في اتجاه موضع غير ظاهر بامتداد شارع طلعت حرب، في اتجاه ميدان التحرير، وليس في اتجاه الصباغ. وهي تظهر في نفس اللحظة ممددة على الرصيف فيما يحاول أبو العلا إسعافها.

ثم يُظهر مقطع الفيديو الرجل الملثم يناول بندقيته لفرد آخر من أفراد الشرطة ويأخذ منه ما يبدو أنه قاذفة قنابل. ويطلق الملثم طلقة أخرى نحو الموضع غير الظاهر بامتداد شارع طلعت حرب. وعلى عكس الطلقات الأربع السابقة، يصدر هذا السلاح صوتاً مختلفاً، وهبّة كبيرة من الفوهة تحتوي على دخان رمادي، مما يوحي بإطلاق مقذوف كبير الحجم مثل عبوات الغاز المسيل للدموع.

وتبدو بندقية الخرطوش التي كان يحملها الملثم مزودة بكأس إطلاق مثبتة بالماسورة، تستخدم لإطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع وغيرها من المقذوفات، إذا تم تذخير البندقية بالأعيرة المخصصة لهذا الغرض. إلا أن كأس الإطلاق ما كانت لتمنع الملثم من إطلاق الخرطوش. علاوة على هذا فإن المقطع لا يظهر دخاناً أو مقذوفاً بعد الطلقة الثالثة المميتة فيما يبدو، التي انطلقت في اتجاه الصباغ، مما يوحي بأن البندقية لم تكن مذخرة بعبوات الغاز المسيل للدموع في ذلك التوقيت.

وفي رواية للواقعة منشورة على الموقع الإلكتروني "تحرير نيوز"، كتب أبو العلا أنه سمع صوت الخرطوش يصيب نوافذ مكتب "إير فرانس" بعد الطلقة المصوبة في اتجاه المتظاهرين، وشاهد الصباغ تنزف من وجهها. قام أبو العلا بحمل الصباغ عبر ميدان طلعت حرب قبل أن يحملها صديق آخر عبر حارة قريبة، فيما حاول الاثنان استيقاف سيارة لنقلها إلى مستشفى، كما قال. ثم وصل ضابط شرطة وعميد شرطة وألقيا القبض على أبو العلا وثلاثة رجال آخرين على الأقل، بينما كانت الصباغ تحاول التمسك بيد أبو العلا، بحسب ما كتب.

أكد أبو العلا روايته المكتوبة في مقابلة لاحقة مع هيومن رايتس ووتش، وقال إن الشرطة بعد تفريق المظاهرة اعتقلت عدداً من الشهود وغيرهم ممن حاولوا إسعاف الصباغ، واحتجزتهم لمدة يومين. وفي اليوم الثاني استجوبتهم النيابة كأنهم مشتبه بهم، كما قال أبو العلا، وقاموا بتقديم شهاداتهم. وبحسب حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أفرجت النيابة عن سبعة أشخاص في ذلك اليوم بدون كفالة، بمن فيهم الأمين العام للحزب، بعد اتهامهم بخرق قانون التظاهر.

قال أبو العلا إنه يعتقد أن الرجال المتمركزين في ميدان طلعت حرب يومذاك كان بينهم أفراد من الشرطة النظامية ومن المخبرين المدنيين، وملثمون لا يرتدون أية شارات، وأفراد من قوات الأمن المركزي، وهي قوة شبه عسكرية مخصصة لمكافحة الشغب وعادة ما تكلف بتأمين المباني الحكومية والسفارات. كما قال إن عميد الشرطة الذي شوهد وهو يشير إلى المتظاهرين كان أعلى الضباط الموجودين رتبة.

ذهبت سليمان، التي شهدت الواقعة مع نجلها، إلى مشرحة زينهم، حيث جرى نقل جثمان الصباغ، لتقديم شهادتها، بحسب رواية نشرتها على فيسبوك وأكدتها لاحقاً في مقابلة مع هيومن رايتس ووتش. وذهبت إلى مكتب النيابة، وحينما استدعى وكيل النيابة سليمان، التي كانت بصحبة محام، أخذ أقوالها لكنه اتهمها فيما بعد بالمشاركة فيما وصفه بأنه "مسيرة بدون تصريح"، وهددها بالاعتقال. وقال لها إن محضر الشرطة الخاص بالمسيرة يذكر أن المتظاهرين استخدموا الحجارة والألعاب النارية ضد الشرطة، بحسب قولها لـ هيومن رايتس ووتش.

قالت سليمان لـ هيومن رايتس ووتش إن وكيل النيابة اتهمها بخرق قانون التظاهر ومقاومة السلطات ووجه تهماً مماثلة إلى أربعة شهود آخرين تقدموا للإدلاء بشهاداتهم. وقالت إنه لم يتضح ما إذا كانت النيابة ستتابع تلك الاتهامات أم تسقطها.

وقد واجه العشرات من ضباط وجنود الشرطة اتهامات تتعلق بمقتل ما لا يقل عن 846 متظاهراً في انتفاضة 2011، لكن ثلاثة فقط من أفراد الأمن منخفضي الرتبة أدينوا وحكم عليهم بالسجن. ومنذ وقائع القتل الجماعي في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2013، التي أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 1150 متظاهراً، لم توجه السلطات اتهاماً إلى أي فرد من قوات الأمن  في مقتل المتظاهرين. أما اللجنة الرسمية لتقصي الحقائق المكلفة بالتحقيق في وقائع 2013، التي اشتملت على أسوأ حادث قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث، فقد استكملت تحقيقاتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 ولم توص بتوجيه أي اتهام. ولم يعلن النائب العام عن فتح تحقيق.

وبالنظر إلى إخفاق الحكومة المصرية في محاسبة السلطات، قامت هيومن رايتس ووتش سابقاً بالدعوة إلى لجنة لتقصي الحقائق من طرف مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لتولي التحقيق.