أدى مقتل 12 صحفياً وآخرين في مقر صحيفة شارلي إبدو في باريس بالكثيرين إلى التساؤل مجدداً عن دور الإسلام في الاعتداءات العنيفة على مدنيين من جانب داعش وغيرها من الجماعات المسلحة التي تتحرك باسم الدين.

وقد تحير صناع السياسات في كيفية التصدي لانتشار الأيديولوجيات الدينية التي لا تقتصر على ترويع المسلمين والأقليات غير المسلمة في الشرق الأوسط، وهم ضحاياها الرئيسيون، بل الأهداف الغربية أيضاً.

من أين يأتي بعض المسلمين بفكرة أن العنف ضد الصحفيين الذين يسيئون إليهم هو أمر مقبول؟ وكيف يعتبرون قطع الرؤوس عقوبة مناسبة؟

ولعل المكان المناسب للحصول على بعض الإجابات هو فحص سياسات الحكومة السعودية المتسمة بالتطرف وانعدام التسامح. إن الملك عبد الله، بصفته حامي أقدس المواقع الإسلامية وزعيم السعودية، يعد على نطاق واسع قدوة مهمة للمسلمين في أنحاء العالم. ومن ثم فلا ينبغي أن يدهشنا أن الكثير من المسلمين يستقون قناعاتهم من السعودية فيما يتعلق بالمحظورات، والعقوبات التي يعتبر توقيعها مناسباً على من يتحدون تفسيرها للإسلام أو يخالفونه.

وقد قدمت السعودية مؤشراً جيداً على موقفها من العقوبات المناسبة يوم الجمعة، حين نفذت الجولة الأولى من الجلد العلني ـ 50 جلدة ـ بحق المدون الشاب رائف بدوي، أمام مسجد الجفالي بجدة. وكانت محكمة سعودية قد حكمت على بدوي في 2014 بألف جلدة على مدار 20 جلسة، والسجن لمدة 10 سنوات، بتهمة "إهانة الإسلام" ـ الراجعة جزئياً إلى إنشاء موقع إلكتروني ليبرالي للنقاش في موضوعات متباينة، تشمل الدين.

ولم يكن بدوي السعودي الوحيد الذي واجه الملاحقة والعقوبة البدنية بسبب النظرة إلى آرائه، فقد سجنت الحكومة العديد من المثقفين والكتاب والنشطاء الذين تجرأوا على التشكك في أي مقوم من مقومات العقيدة السائدة التي فرضها القادة الدينيون للوهابية. فتم سجن سعاد الشمري، زميلة بدوي السابقة، في أواخر 2014 بتهمة "إهانة الرسول والحديث" على خلفية تغريدات يزعم أنها انتقدت السلطات الدينية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول حكمت محكمة سعودية بالإعدام على رجل الدين الشيعي نمر النمر لانتقاد الحكومة "والخروج على ولي الأمر". بل إن النيابة طالبت بما يسميه السعوديون حد الحرابة، وهو أقسى عقوبة في المملكة، والذي يتم فيه قطع رأس المدان واستعراض الجسد مقطوع الرأس علناً.

وثمة حالة من الصدمة والاستنكار بشأن شرائط داعش الدعائية التي تصور علميات قطع رؤوس الصحفيين في العراق وسوريا، وفي أحدث الوقائع قطع رأسي صحفييين تونسيين اثنين في ليبيا بحسب تقارير. غير أن عمليات قطع الرؤوس الأكثر شيوعا واعتيادا في السعودية لا تتعرض لتمحيص أو إدانة تذكر. لقد قامت السعودية في شهر أغسطس/آب الماضي وحده، في نوبة إعدامات قياسية، بقطع رؤوس ما لا يقل عن 26 شخصاً. وتضع عمليات الإعدام الـ 87 في 2014 السعودية في صدارة العالم بالنسبة لعقوبة الإعدام.

فهل ثمة مفاجأة إذن في أن الجماعات المتطرفة ـ التي تتحرك بدورها باسم الإسلام ـ تبدو وكأنها تحذو حذو السعودية وتوزع عقوباتها القاسية على الصحفيين والنشطاء الذين تعتبرهم مسيئين؟ إذا كانت السعودية ترى أن قطع رؤوس الناس علناً يتفق مع تعاليم الدين الإسلامي، وتردع الراغبين في انتقادها أو في وضع ديانتهم موضع التساؤل، فلماذا لا تفعلها داعش؟

وربما يدفع البعض بأن الدولة، على عكس الجماعة التي نصبت نفسها كخلافة إسلامية، تتمتع بالشرعية والسلطة اللازمة لممارسة العنف برعاية الدولة، بما في ذلك ضد مواطنيها أنفسهم. لكن الدول أيضاً تلتزم باحترام حقوق الإنسان ـ وملاحقات السعودية المسيئة وعقوباتها القاسية تنتهكها هذه الحقوق، وتقوض شرعيتها ذاتها.

وعند التصدي لتحديات الأيديولوجيات المتطرفة في الشرق الأوسط ، قد يكون هامش الفعل المتاح للحكومات وصناع السياسات للتأثير في أيديولوجية الجماعات المسلحة المتطرفة التي تحاربها محدودا. لكنهم يستطيعون ويمكنهم القيام بالمزيد للتأثير في ممارسات وسياسات حلفائهم المفترضين في "الحرب على الإرهاب"، بما في ذلك الائتلاف المناهض لـ داعش الذي تنتمي له السعودية وغيرها الكثير من الحكومات العربية السلطوية، المسيئة، غير الخاضعة لأية محاسبة.

ورغم أن تصريحات حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التي أدانت جلد بدوي تمثل بداية جيدة، إلا أن الموقف الشائع منهما هو التزام الصمت التام في مواجهة انتهاكات السعودية المشينة بحق مواطنيها. كما أنه يصعب أن يكتسب شجب الحكومات الغربية لـ داعش قدرا كبيرا من المصداقية حينما تكون الحكومات التي تمارس إساءات مشابهة، وإن على نطاق أضيق، من أخلص الأصدقاء وأقوى الحلفاء وأهم المستثمرين.

وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في التصدي للأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة - وإذا كان يريد رؤية نماذج حقيقية للتسامح واحترام الآراء المختلفة والحريات الدينية وتبادل الأفكار في حرية وسلام -  فلا بد له أن يستحث الملك عبد الله على أن يصبح الحامي الحقيقي لحقوق المسلمين في أنحاء العالم.

وعلى سبيل البداية، يمكنه إلغاء الحكم الصادر بحق بدوي، والإفراج عن عشرات النشطاء والكتاب المحتجزين. بل إن بوسعه إلغاء قطع الرؤوس بين عشية وضحاها، إذا شاء.

سارة ليا ويتسن هي المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش. للمتابعة على تويتر @sarahleah1