(نيويورك) ـ السلطات المصرية أحالت مئات المدنيين إلى المحاكم العسكرية استناداً إلى مرسوم بقانون أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2014. وقد أحيل ما لا يقل عن 820 مدنياً إلى النيابة العسكرية في الأسابيع الستة الماضية بناءً على التوسع غير المسبوق في اختصاص المحاكم العسكرية، بحسب تقارير إخبارية جمعتها هيومن رايتس ووتش.

قام أفراد النيابة العامة باستغلال مرسوم أكتوبر/تشرين الأول بأثر رجعي، فأحالوا قضايا مدنيين خاضعين للتحقيق أو المحاكمة أمام محاكم مدنية بالفعل إلى القضاء العسكري، وكانت المحاكم المدنية قد أفرجت عن بعضهم بكفالة.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "كان تقليص استخدام المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين من المكاسب الملموسة القليلة لثورة 2011، إلا أنه ذهب الآن أدراج الرياح. إن إدارة السيسي تتراجع على نحو ممنهج عن جميع الإصلاحات التي تحققت في 2011، بينما تستأنف الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات تسليح الحكومة وكأن هذا كله بلا أهمية".

وتعمل المحاكم العسكرية المصرية تحت سلطة وزارة الدفاع، لا السلطات القضائية المدنية، وقضاتها ضباط عسكريون في الخدمة. كما أن إجراءات المحاكم العسكرية المعتادة لا توفر حماية للحقوق الأساسية في سلامة الإجراءات ولا تلبي شروط الاستقلال والحيدة في المحاكم. وقد يخضع الأطفال لاختصاص القضاء العسكري، وهو ما تعارضه هيومن رايتس ووتش في أية ظروف.

في 15 ديسمبر/كانون الأول 2014 كان المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع، وغيره من كبار القادة في الجماعة وبينهم محمد البلتاجي وعصام العريان وصفوت حجازي، ضمن 310 من المتهمين الذين أحالت النيابة العامة قضاياهم في مدينة الإسماعيلية. وقد خضع هؤلاء للمحاكمة بتهم الشغب والتحريض على العنف المؤدي إلى إحراق مجمع محاكم الإسماعيلية في أغسطس/آب 2013. وقد صنفت السلطات المصرية جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي في ديسمبر/كانون الأول 2013.

وفي اليوم نفسه أحالت النيابة 40 آخرين من مؤيدي الإخوان المزعومين إلى المحكمة العسكرية بالإسماعيلية، بتهم نابعة من دورهم المزعوم في التظاهر والتحريض على العنف وقطع الطرق. وهناك ثمانية، من بين تسع سيدات وفتيات ضمن المتهمين، من طالبات المدارس الثانوية والجامعات اللواتي كن مطلقات السراح بكفالة طوال شهور، وتواجهن الآن احتمالات إعادة الاعتقال. ولم يتسن لـ هيومن رايتس ووتش التأكد من أعمار جميع المتهمين، إلا أن المحاكم العسكرية المصرية، على عكس نظيرتها المدنية، لا تفرق بين الأطفال والكبار في المعاملة.

وفي 13 ديسمبر/كانون الأول 2014 قامت النيابة العامة في مصر بإحالة 439 شخصاً إلى القضاء العسكري بتهم ترتبط بمشاركتهم المزعومة في العنف المميت الذي اندلع بعد عزل الجيش للرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013. وكان 139 من المتهمين الـ439 يواجهون محاكمات أمام محكمة جنايات المنيا المدنية، بينما واجه الآخرون المحاكمة أمام محكمة مدنية بمحافظة البحيرة. وفي 4 ديسمبر/كانون الأول قام رئيس نيابة محافظة المنوفية بإحالة 26 رجلاً، بينهم ستة من الطلبة، إلى القضاء العسكري. ويواجه هؤلاء تهم الشغب والانتماء إلى جماعة محظورة ـ هي الإخوان المسلمين.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني قام أحد القضاة بمحكمة جنايات مصرية بإحالة خمسة من طلبة جامعة الأزهر إلى القضاء العسكري لأن مرسوم الرئيس السيسي، بحسب قوله، يعني أن محكمته "غير مختصة" بمحاكمة هؤلاء الطلبة المتهمين بإحراق كنترول الجامعة في يناير/كانون الثاني. كما أحيل 11 آخرين من مؤيدي الإخوان المسلمين المزعومين في محافظة كفر الشيخ إلى القضاء العسكري بتهم تتعلق بأحداث وقعت في أغسطس/آب. اتهم ستة منهم بقطع خطوط السكك الحديدية واتهم الخمسة الباقون بزرع قنبلة داخل إحدى المحاكم.

وقد أصدر الرئيس السيسي مرسوم أكتوبر/تشرين الأول، أو القانون 136 لسنة 2014، في غياب برلمان منتخب، ويعمل المرسوم على وضع جميع "المرافق العامة والحيوية" تحت اختصاص القضاء العسكري طوال العامين التاليين. وتلزم المادة الثانية، التي يستغلها المسؤولون لإكساب القانون أثراً رجعياً، تلزم أفراد النيابة بإحالة أية جرائم مرتكبة في تلك المواقع إلى نظرائهم العسكريين.

وفي 16 ديسمبر/كانون الأول نشر المرصد المصري للحقوق والحريات، وهو منظمة محلية من النشطاء، نسخاً ضوئية من قرار صادر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني وينسب إلى النائب العام هشام بركات، يلزم أفراد النيابة في أنحاء البلاد بـ"تجميع وإحالة أية قضايا تتعلق بالجرائم المذكورة في أية مراحلة [من مراحل التحقيقات] إلى النيابة العسكرية متى طلب منهم هذا". وتنص المادة 95 من الدستور المصري على أنه "لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون".

قالت سارة ليا ويتسن: "إن عسكرة محاكمات المدنيين، وبينهم أطفال، تأخذ مصر في الطريق الخطأ، ويفاقم من الانتهاك أن يتم هذا بأثر رجعي".

وقالت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، في معرض تفسير الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ومصر دولة طرف فيه) إن المحاكم العسكرية "لا يجوز لها أن تختص بالمدنيين في أية ظروف كانت". 

وبحسب المادة 93 من الدستور المصري فإن الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الحقوقية الدولية التي تدخل فيها مصر كطرف تتمتع بقوة القانون.

وقال أحمد حلمي، وهو محام سبق له الترافع عن متهمين أمام محاكم عسكرية في عدة قضايا، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه يعتقد أن السلطات تخالف الدستور من خلال تطبيق المرسوم بأثر رجعي.

وقالت سارة ليا ويتسن: "على الرئيس السيسي أن يلغي مرسومه الصادر في أكتوبر/تشرين الأول قبل وقوع المزيد من الأضرار إن كان لديه أي اهتمام بالحفاظ على سمعة مصر وعلى الدستور الجديد الذي أقسم على صيانته. وعليه أيضاً إلغاء جميع الأحكام التي أصدرتها محاكم عسكرية على مدنيين منذ تولي حكومته أمور البلاد، وإعادة محاكمتهم أمام قضاة مدنيين".