لدى الجيش الإسرائيلي رد على القصف الذي تم بالأمس؛ وتسبب في مقتل 4 أطفال قرب ميناء مدينة غزة. خلال مؤتمر صحفي عُقد بالأمس، فإن مسؤول من الجيش الإسرائيلي قال إن الهجوم استهدف "مبنى تابع لحركة حماس تم التعرف عليه"، وإن قوات البحرية أخطأت في تحديد هوية الأطفال فظنت أنهم "مقاتلين فارين".

وبقدر وحشية حملة القصف الإسرائيلية على غزة، فمن الصعب تصور أن تحاول مدفعية البحرية عمداً قتل اسماعيل بكر، 9 أعوام، وأبناء عمه الثلاثة، أحمد، 10 أعوام، وزكريا، 10 أعوام، ومحمد 11 عاماً، عن طريق قصف بالمدفعية الثقيلة، خاصة وقت أن كانوا يقفون مباشرة أمام فندق يمتلئ بالصحفيين الأجانب.

إلا أن تصنيف هذه الوفيات على أنها خطأ غير مقصود، يُعرض حياة العديد من الأطفال الفلسطينيين الآخرين للخطر. في الواقع، لقد كانت هذه الوفيات هي النتيجة الحتمية لممارسات الجيش الإسرائيلي، والتي تم رصدها في العديد من الوقائع في قطاع غزة، منذ يوم 7 يوليو/تموز، من إطلاق للنار قبل التأكد من إذا ما كان الهدف عسكرياً أم لا، وفق ما يقتضيه القانون الدولي الإنساني، أو قوانين الحرب، والتي تنطبق على كل من إسرائيل والجماعات الفلسطينية المُسلحة.

إن الحجة الإسرائيلية هي كالتالي: يبذل الجيش الإسرائيلي قصارى جهده كي يتجنب وقوع خسائر بين المدنيين. فالجيش يعتمد على وسائل استخباراتية حديثة للغاية لتحديد الأهداف، ثم يستخدم أسلحة موجهة بدقة لضرب هذه الأهداف. حتى أنه يتصل هاتفياً بالمدنيين في المناطق المجاورة، ويقوم بإنذارهم لكي يغادروا منازلهم قبل قصف الأهداف. وأن مُقاتلي حركة حماس، من ناحية أخرى، يختفون بشكل غير مشروع بين المدنيين. وهكذا، تصبح حركة حماس مسؤولة عندما يقتل الجيش الإسرائيلي المدنيين عن غير عمد – مثل قتل هؤلاء الأولاد الأربعة، الذي لا مفر منه، ولا يقع تحت طائلة العقاب. وقال المتحدث الرسمي الإسرائيلي مارك ريغيف: "إن ما حدث لهؤلاء الأولاد الأربعة يُعد مأساة. ولنكن واضحين: الجيش الإسرائيلي لا يستهدف المدنيين".

إلا أن القضية في حالة مقتل 4 أولاد، ليست ما إذا كان الجيش الإسرائيلي يستهدف مدنيين أم لا. إنما القضية هي إذا ما كان الجيش الإسرائيلي يبذل قصارى جهده في تفادي قتل وجرح المدنيين أم لا. وحسب ما يُمليه المنطق السليم، يُلزم القانون الدولي الإنساني أي مُهاجم، قبل أن يضغط الزناد، ببذل الجهد الكافي للتأكد من أن "الهدف" الذي يقع في مرمى تصويبه هو فعلاً هدف عسكري، وليس مدنياً. كما تنتهك الجماعات الفلسطينية المسلحة القانون أيضاً عندما تعرض المدنيين، دون داعٍ، لخطر الهجمات المُضادة، عن طريق الانتشار في أو بالقرب من منازل، أو مبانٍ أخرى مليئة بالمدنيين.   

بوضع هذا الالتزام في الاعتبار، هل قام الجيش الإسرائيلي بواجبه القانوني من أجل التمييز بين المدنيين والمُقاتلين، حتى يقتصر استهدافه على المُقاتلين فقط، عندما قتل الأطفال من عائلة بكر أمام فندق الديرة؟ ربما كان الأمر أن طاقم المدفعية البحرية لم يتمكن، على تلك المسافة، من التمييز بين صياد وأولاده الصغار وبين مجموعة من المُقاتلين الإسلاميين. أو أنهم افترضوا أن كل من يهرب من هجوم على ما يُزعم أنه "مبنى تابع لحماس" فلا بد أن يكون من "المُقاتلين"، (كما لو أن أي شخص سيستمر في الوقوف بجوار مبنى يتعرض للهجوم).

إلا أن الهجوم في هذه الحالة لم يكن مأساوياً فحسب، بل وغير مشروع كذلك. فلا يكفي أن يفترض المُهاجم أنه يطلق النار على هدف عسكري مؤكد: حيث تُلزم قوانين الحرب ذلك المُهاجم بالقيام بكل ما هو ممكن لكي يتحقق أولاً من أن الهدف هو هدف عسكري مشروع. ويجب أن يُفترض بالناس كونهم مدنيين، وليسوا مُقاتلين.

لقد تم وضع هذه القواعد لتقليص "الأخطاء المأساوية" – ولكن عند تكرار مثل هذه الأخطاء، يُصبح الأمر مثيراً للقلق حول ما إذا كان يتم تجاهل هذه القواعد. فلقد وقعت العديد من الهجمات الإسرائيلية القاتلة بالفعل، على أهداف ليست عسكرية على الإطلاق: الغارة الجوية الإسرائيلية على مقهى "فن تايم بيتش" يوم 11 يوليو/تموز، حين كان الناس يتجمعون لمشاهدة إحدى مباريات كأس العالم، وتم قتل 9 مدنيين، من بينهم طفلين. والغارة الجوية، يوم 9 يوليو/تموز على سيارة البلدية في مُخيم البريج، والتي قتلت 2 من المدنيين أثناء عودتهما إلى منزليهما بعد رفع أنقاض جراء غارة جوية أخرى. وإجمالاً، منذ يوم 7 يوليو/تموز، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، قتلت الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة عدداً من المدنيين، يفوق عدد المُقاتلين بأكثر من ثلاثة أضعاف، ومن بين المدنيين القتلى 48 طفلاً.

أعرب حلفاء إسرائيل عن قلقهم بشأن الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين. إلا أنهم إذا أرادوا حقاً تقليص مثل هذه الخسائر البشرية، فعليهم ممارسة الضغط على القوات الإسرائيلية لتغير، على نحو عاجل، ممارسات الاستهداف غير المشروع، ومُحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنه.