لا تمثل الجولة الأخيرة من أحكام الإعدام في مصر ـ 683 دفعة واحدة، في محاكمة قصيرة واحدة وجلسة واحدة استمرت 15 دقيقة ـ سوى قمة جبل الجليد، فقد أدى القمع المنفلت للحكومة المدعومة عسكرياً، منذ عزلها لمحمد مرسي من الرئاسة في يوليو/تموز الماضي، إلى خلق مناخ لا يعرف فيه أحد ما سيحدث بعد ذلك، ولا ينعم أحد بالأمن.

 لقد قامت سلطات هذا البلد، بعد 3 سنوات من انتفاضته الشعبية المفعمة بالأمل، باقتياد ما لا يقل عن 16 ألف شخص إلى السجون منذ يوليو/تموز (بحسب تقديرات مسؤولين لم يذكروا أسماءهم). وتقدر المنظمات الحقوقية أن الرقم الصحيح أقرب إلى 21 ألفاً.

 بلد لجأ مراراً إلى استخدام الذخيرة الحية وغيرها من أشكال العنف المميت ضد متظاهرين خلال العام الماضي، فأدت اعتداءات قوات الأمن العمدية والعشوائية على المتظاهرين إلى مقتل ما يزيد على ألف شخص منذ يوليو/تموز. وتولد عن إخفاق الحكومة في التحقيق في هذا العنف مناخ من الإفلات من العقاب يقوض أية فرصة جادة للإصلاح السياسي.

 وهو أيضاً بلد قدم صحفيين وعاملين في منظمات غير حكومية، من المصريين والأجانب، إلى المحاكمة لمجرد قيامهم بعملهم. بلد تم فيه فعلياً إسكات أي اختلاف مع الحكومة.

 إن أحكام الإعدام الصادرة يوم الاثنين تأتي في أعقاب 529 حكماً سابقاً بالإعدام في مارس/آذار أصدرها نفس القاضي، سعيد يوسف، في ظروف مشابهة. وقد اتسمت المحاكمتان، للاعتداء على أقسام شرطة عقب الفض المميت لاعتصامي رابعة والنهضة في القاهرة، بالصورية، حيث أجريت كل منهما بأشد الطرق التي يمكن تخيلها اقتضاباً، دون السماح للمتهمين بتقديم دفاع جدي، ودون النظر في أدلة الدفاع، ودون وجود المتهمين أو محاميهم في المحكمة في حالات عديدة.

 بل إن الرجال الـ683 المحكوم عليهم في 28 أبريل/نيسان لم يحضروا جلستهم الوحيدة أو جلسة النطق بالحكم عليهم، رغم اتهامهم بالقتل والشروع فيه وتهديد النظام العام وإحراق قسم شرطة والانتماء إلى جماعة محظورة ـ ألا وهي الإخوان المسلمين. وقد قاطع محامو الدفاع المحاكمة الثانية بعد الحكم الأول، وصدرت أحكام الإعدام في أعقاب محاكمة قصيرة كسابقتها، بتهم تكاد تكون متطابقة. وكان القاضي يوسف في المحاكمة الأولى قد رفض النظر في الأدلة التي قدمها الدفاع أو سماع شهادة شهود الدفاع، وهذا بحسب تقارير إعلامية.

 إن القضيتين اللتين حكم فيهما بالإعدام، لا تمثلان حدثين منعزلين، ففي كل يوم يحكم في مصر على أشخاص بالسجن لمدد مطولة بعد محاكمات لا تلبي من معايير المحاكمات العادلة حتى أدناها. وكثيراً ما يكون المساقون إلى المحكمة أشخاصاً تم اعتقالهم واحتجازهم ببساطة لمجرد الانتماء إلى الإخوان المسلمين، أو للتعبير السلمي عن معارضة الحكومة المؤقتة.

 لكن آلاف الأشخاص الموجودين في السجن ليسوا وحدهم من تم تجميد حياتهم في ظل الحكومة الحالية، فهذه الأحكام تلقي الرعب في قلوب الجميع تقريباً. إن أي شخص مرتبط بالإخوان المسلمين يعرف أنه مستهدف. حتى في عهد حسني مبارك، الحاكم السلطوي الذي طال حكمه لمصر ثم خلع في 2011، لم يحكم على المرشد الأعلى للإخوان المسلمين، محمد بديع، بالإعدام. لكن بديع كان ضمن الـ683 المحكوم عليهم بالموت في هذا الأسبوع.

 بل إن أعضاء الأقليات الدينية، الذين ربما يكونوا قد رحبوا بنهاية حكومة مرسي، يكتشفون الآن أنهم بدورهم عرضة للاشتباه والهجوم. كما تتوافر لدى المصلحين الذين خاطروا بأرواحهم لخلع حسني مبارك في 2011، وتحدوا الرئيس مرسي، أسباب للخوف وكذلك خيبة الأمل العميقة في ما أدت إليه تضحياتهم في مصر. لقد قامت إحدى المحاكم هذا الأسبوع بحظر حركة شباب 6 أبريل العلمانية، والمسؤولة عن العديد من احتجاجات 2011، متهمة إياها بالتخابر وتشويه صورة الدولة.

 وفي حكم إضافي يوم الاثنين، أيد القاضي يوسف إعدام 37 من الـ529 الذين أحال أوراقهم إلى المفتي في 22 مارس/آذار، مع تخفيف عقوبات الباقين إلى السجن المؤبد. وقد شرعت النيابة العامة في إجراءات استئناف الأحكام الصادرة في تلك القضية بأسرها. ورغم ما يثيره هذا من أمل في عدم تنفيذ كافة أحكام الإعدام هذه فعلياً، إلا أن شبح البقاء في السجن طوال الحياة بعد محاكمة مشوبة بأشد القصور لا يمكن أن يعد خبراً ساراً.

 إن الحكم بإعدام المئات دون النظر في أية أدلة أو السماح للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم يظهر استهتاراً مقلقاً بالحياة البشرية، وتظهر هذه الأحكام الصاعقة مدى تحطم نظام القضاء المصري.

 يأمل البعض أن يخفف حكام مصر من القمع في أعقاب الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو/أيار، ربما بالعودة إلى ما يشبه حالة الطوارئ التي استمرت عقوداً في عهد مبارك. وقد يبدو هذا كتحسن فعلي في الظروف الراهنة، إلا أنه لا يكاد يعد سبباً للاحتفال.

لقد كانت مصر رائدة في المنطقة، ومركزاً للثقافة بل حتى التسامح. ويرجع التساهل الذي أبداه معها حلفاؤها، بمن فيهم الولايات المتحدة، في جزء منه إلى انشغالهم في أماكن عديدة أخرى، من سوريا إلى أوكرانيا. لكنهم لا يقدمون لمصر أية خدمات، لأن من واجب حلفائها أن يرفعوا أصواتهم ويوضحوا أن حكومة مصر قد انحرفت عن المسار الصحيح، وعليها استعادة سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. كما أن سائر العالم مدين للشعب المصري بواجب التصدي للدفاع عن حقوقه.

 سارة ليا ويتسن هي المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش.