(نيويورك) ـ رفض الحكومة السورية السماح  للمساعدات بدخول البلاد من المعابر الحدودية التي استولت عليها جماعات المعارضة يقوض جهود توصيل المساعدات إلى مئات الآلاف ممن هم في مسيس الحاجة إليها، وينتهك قوانين الحرب الدولية.

طالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قرار تم تبنيه بالإجماع يوم 22 فبراير/شباط 2014 "كافة الأطراف، والسلطات السورية بوجه خاص، بأن تسمح للوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة وشركائها التنفيذيين  بالوصول  الى من هم بحاجة للمساعدة بسرعة وأمان ودون معوقات ، بما في ذلك عبر خطوط النزاع وعبر الحدود".

منذ تبني القرار، سمحت الحكومة السورية للمرة الأولى بدخول المساعدات إلى البلاد عبر القامشلي، وهو معبر حدودي تسيطر عليه الحكومة على حدود البلاد الشمالية مع تركيا. إلا أن الحكومة كررت رفضها القاطع لمطالبات الأمم المتحدة بشحن المساعدات من خلال معابر حدودية أخرى مع تركيا والأردن، خاضعة لسيطرة المعارضة.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "لا يجوز لأحد أن ينخدع بموافقة سورياعلى فتح معبر حدودي واحد في الشمال، إذ أن رفض سوريا التفكير في السماح بدخول المساعدات من معابر حدودية تسيطر عليها المعارضة يعنى أن تبقى أوضاع الأغلبية الساحقة من المحتاجين إلى المساعدات دون تغيير".

تعد المعابر الحدودية الخاضعة لسيطرة المعارضة هي السبيل الوحيد الآمن والفعال للوصول إلى أكثر من 3 ملايين سوري تفيد الأمم المتحدة بحاجتهم إلى المساعدة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. ورغم أن الموقف السوري قد قيد عمليات المساعدات الإنسانية الأممية عبر تلك المعابر الحدودية إلا أن منظمات غير حكومية حاولت سد هذه الثغرة من خلال توصيل المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة والتي يمكن بلوغها من تركيا والأردن والعراق، ومع ذلك يبقى الكثير من الاحتياجات دون تلبية.

يتم توزيع المساعدات القادمة من معبر القامشلي في الأغلب عن طريق الحكومة والمنظمات المنتسبة لها، مما يثير بواعث قلق عما إذا كانت ستصل إلى المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وبحسب تقريرسيقدمه  الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون  إلى مجلس الأمن في 28 مارس/آذار ، تواصل سوريا أيضاً منع المساعدات عما يقدر بـ175 ألف مدني في مناطق تحاصرها الحكومة، بينما تقوم قوات المعارضة بمنع المساعدات عما يقدر بـ45 ألف مدني في مناطق أخرى محاصرة. كما يقدر تقرير الأمين العام أن 3,5 ملايين شخص في مناطق "يتعذر الوصول إليها" داخل سوريا في حاجة عاجلة إلى المساعدة.

أجرت هيومن رايتس ووتش استقصاءً ميدانياً في واحد من تلك المواقع، وهو مخيم باب السلام قرب بلدة أعزاز السورية، في منتصف مارس/آذار. ويؤوي المخيم، الذي يمكن الوصول اليه في غضون 10 دقائق على الأقدام من الحدود التركية، ما يزيد على 16 ألفاً من النازحين الداخليين بحسب مدير المخيم. ولم يكن سكان المخيم ـ الذين فر معظمهم من مدينة حلب وريفها القريب بسبب القصف الجوي العشوائي عديم التمييز من جانب الحكومة ـ يتلقون مساعدات الإنسانية بشكل كاف، رغم قربهم من الحدود التركية، فكانوا يحصلون على وجبة واحدة يومياً ويتعذر عليهم الوصول  إلى الأدوية أو أعضاء الفرق الطبية أو المنشآت العلاجية. كما أن ظروف الإيواء والظروف الصحية في المخيم لم تكن كافية.

تم تشييد ثلاثة مخيمات جديدة في قرية شمارين المجاورة في الشهور الأخيرة لإيواء آلاف الأشخاص الفارين من حلب، بحسب مدير مخيم باب السلام. وقال مدير المخيم لـ هيومن رايتس ووتش إن كل مخيم يؤوي 13 إلى 15 ألف شخص، وهم يعانون بدورهم من قيود على توصيل المساعدات الإنسانية.

تصر سوريا على ضرورة دخول المساعدات المخصصة للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة من معابر حدودية تسيطر عليها الحكومة، ثم نقلها عبر خطوط النزاع. ويعني هذا بالممارسة اضطرار قوافل المساعدات إلى اتخاذ طرق ملتفة، أطول من الطرق المباشرة بما قد يصل إلى 10 أضعاف، عبر العشرات من نقاط التفتيش، مع تجاوز عقبات بيروقراطية ولوجستية عند كل منعطف. منذ أنتبنى مجلس الأمن قراره في 22 فبراير/شباط، لم تسمح الحكومة إلا بعبور ثلاثة قوافل عبر خطوط النزاع إلى المناطق الخاضعة للمعارضة.

قال نديم حوري: " المشين أن تصر سوريا على منع أشخاص، هم على مسيرة دقائق من الحدود التركية، من الحصول على المساعدات بأقصر الطرق وأكثرها أمناً. إن رفض سوريا التعسفي الموافقة على استخدام المعابر الخاضعة لسيطرة المعارضة يحكم على مئات الآلاف من السوريين بالحرمان والمرض".

كما أن القتال فيما بين جماعات المعارضة قد أدى إلى قطع طرق توصيل المساعدات إلى بعض مناطق الشمال السوري عبر خطوط النزاع، وقامت جماعات المعارضة المسلحة المتطرفة بتهديد عمليات التوصيل. يلاحظ تقرير الأمين العام أن إحدى القوافل، في حالة واحدة، عجزت عن بلوغ موقعين، جزئياً بسبب إخفاق إحدى جماعات المعارضة، وهي جبهة النصرة، في تقديم تطمينات أمنية كافية. وفي حالة أخرى قامت إحدى جماعات المعارضة المسلحة بالاعتداء بالضرب على متطوعي الهلال الأحمر العربي السوري قرب سجن حلب المركزي.

يلزم القانون الدولي الإنساني  كافة أطراف النزاع بإتاحة وتسهيل "المرور السريع دون معوقات" للمساعدات الإنسانية المخصصة للمدنيين المعرضين للخطر، بما في ذلك في المناطق المحاصرة. كما أن قوانين الحزب تلزم أطراف النزاع بإتاحة حرية المرور للمدنيين الراغبين في مغادرة تلك المناطق.

علاوة على منع المساعدات الإنسانية عبر المعابر الخاضعة للمعارضة، تقوم سوريا أيضاً بمنع توصيل المساعدات إلى المناطق المحاصرة. ويطالب قرار مجلس الأمن كافة الأطراف "برفع الحصار فوراً عن المناطق المأهولة" بما في ذلك حصار الحكومة لحمص، والمعضمية، ودرايا في الغوطة الغربية، والغوطة الشرقية، ومخيم اللاجئين الفلسطينيين في اليرموك جنوبي دمشق، وعمليات الحصار التي تفرضها جماعات المعارضة المسلحة على نبل والزهراء.

في حالة واحدة وصفها الأمين العام للأمم المتحدة، تم حرمان قافلة تابعة للأمم المتحدة ومعها تصريح بدخول المعضمية من الدخول في 18 مارس/آذار، حيث أن القوات الموالية للحكومة لا تسمح بالتوصيل إلا للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وكانت القافلة في اليوم السابق قد تعرضت لعمليات تفتيش مطولة ورفض مسؤولو الحكومة الأمنيون السماح لها بنقل إمدادات طبية إلى المعضمية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، ونظرا  لضخامة الاحتياجات في المناطق المتاخمة للأردن وتركيا، أن تعمل عبر الحدود. وعلى الأمم المتحدة أيضاً زيادة دعمها للمنظمات غير الحكومية التي تتولى توصيل المساعدات عبر تلك الحدود. وعلى المانحين كذلك توفير تمويل موسع لتلك العمليات.

ويتعين على مجلس الأمن، الذي أبدى صراحة "عزمه على اتخاذ خطوات أخرى في حالة عدم الالتزام بهذا القرار"، أن يفرض إجراءات عقابية على الحكومة السورية لإخفاقها الواضح في الالتزام، بحسب هيومن رايتس ووتش. وينبغي لتلك الإجراءات أن تشمل حظراً للتسلح على الحكومة السورية، إضافة إلى أية جماعات متورطة في انتهاكات ممنهجة أو واسعة النطاق لحقوق الإنسان،  وعقوبات  مستهدفة على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية.

قال نديم حوري: "كم سيطول التخلي عن المدنيين السوريين الذين ينتظرون أبسط المساعدات الإنسانية؟ بدلاً من انتظار ضوء أخضر من الأسد، يتعين على الأمم المتحدة والمانحين توسعة العمليات التي تنقذ الأرواح عبر الحدود الآن".

الوضع في مخيم باب السلام للنازحين الداخليين
قال سكان مخيم باب السلام إنهم كانوا يحصلون على وجبة واحدة في اليوم، وهو ما أكده مدير المخيم. كما شاهدت هيومن رايتس ووتش أمهات تتوسلن إلى مديري المخيم من أجل قسائم الحليب حتى يتمكنن من إطعام صغارهن.

وكان السكان يعيشون في خيام منصوبة على أرض ترابية حولتها الأمطار الأخيرة إلى أوحال. ولم يكن قد تم تجهيز الخيام للشتاء. كما كان عدد المراحيض في المخيم غير كاف بسبب نموه السريع، فلجأ السكان إلى إقامة حمامات بدائية أدت إلى حفر مكشوفة للصرف الصحي في أرجاء المخيم. وهناك خط صرف صحي مكشوف، قال السكان إنه ينبع من مخليم كلس 1 في تركيا، يمر عبر مخيم باب السلام مباشرة. قام السكان بإقامة جسر للمشاة على خط الصرف الصحي حتى يتمكنوا من التنقل في أرجاء المخيم.

وقال السكان لـ هيومن رايتس ووتش إنه عند هطول الأمطار تفيض المخلفات من مخيم كلس 1 ومن الحمامات البدائية إلى داخل الخيام والممرات. وقال أحد السكان، "إذا كان الوضع كذلك الآن فتخيلوا الرائحة في الصيف". كما قال مدير مخيم باب السلام لـ هيومن رايتس ووتش إن المخيم يعاني من تفشي الآفات، ومنها الفئران والجرذان، وإن العاملين بالمخيم لا يملكون المبيدات اللازمة لمواجهة المشكلة.

قال السكان إنهم لا يتمتعون بوصول كاف إلى الأدوية أو أفراد الطواقم الطبية أو المنشآت العلاجية. ورغم نقل المصابين بإصابات جسيمة في الحرب إلى تركيا لتلقي الرعاية الطبية فإن المصابين بأمراض مزمنة أو غيرها لا يحصلون على الخدمة إلا في عيادتين داخل المخيم يعمل بهما ما مجموعه 8 أطباء و7 ممرضات.

وقال مدير المخيم إنه قد تعين في بعض الحالات تهريب المرضى إلى تركيا لتلقي الاستصفاء الكلوي أو غيره من ضروب العلاج. وقال أيضاً إن المستشفى يفتقر إلى الأدوية الكافية بما فيها أدوية اللشمانيا ـ وهو داء منقول بالنواقل يؤدي إلى تورمات جلدية.