يقول المصريون إن الجو الشعوري قد اختلف الآن. لقد اختفى نداء الثورة الهادر، المطالب بالعدالة في جريمة تعذيب وقتل وحشية راح ضحيتها شاب، ومطالب بإنهاء انتهاكات الشرطة التي تجسدت في قضيته. ولى هذا المزاج لتحل مكانه هزة كتف جماعية، لامبالية، تجاه الانتهاكات التي أصبحت موجهة إلى الإخوان المسلمين ومؤيديهم

قلّت المطالبات الشعبية بالعدالة، وتضاءلت فرص المحاسبة. وإذا تسنى لحكومة مصر المدعومة من الجيش الإفلات بقتل أكثر من ألف متظاهر في وضح النهار في 2013، فما الذي تغير حقاً منذ أيام حسني مبارك؟

منذ عزل الجيش الرئيس محمد مرسي، الرئيس الوحيد المنتخب بشكل ديمقراطي سليم في تاريخ مصر، أجرت قوات الأمن حملة اضطهاد استهدفت الإخوان المسلمين، انطوت على عمليات قتل جماعي لمتظاهرين، واعتقالات جماعية لمؤيدي الجماعة، ومحاولات لحظر الجماعة وحزب الحرية والعدالة التابع لها

قال مسؤولون إنهم سيشكلون لجنة لتقصي الحقائق للتحقيق في مقتل ما يزيد على ألف متظاهر عند جامع رابعة العدوية يوم 14 أغسطس/آب، وفي واقعتين أخريين في يوليو/تموز قامت فيهما قوات الأمن بقتل العديد من المتظاهرين في أعقاب عزل مرسي. إلا أن اللجنة لم تتشكل. وقد خلصت تحقيقات هيومن رايتس ووتش في وقائع القتل هذه إلى أن القوات الحكومية استخدمت القوة المميتة بشكل مفرط لتفريق الحشود وأطلقت النار عشوائياً على المتظاهرين

أما سجل مصر السابق في مجال المحاسبة على قتل المتظاهرين منذ الثورة فقد كان مزرياً. حتى التحقيقات في مقتل المتظاهرين على أيدي قوات مبارك، حين كانت مطالب المحاسبة صيحة مدوية ترج البلاد، لم تسفر عن شيء أكثر من أحكام لينة على قلة قليلة من رجال الشرطة من ذوي الرتب الدنيا. ولم تتم أية محاسبة شاملة، رسمية أو عامة، على وقائع القتل في ظل السلطة الحالية. ومع ضآلة الضغط الشعبي المطالب بالعدالة للمتظاهرين المؤيدين للإخوان المسلمين الذين قتلوا هذا العام، يصعب أن نتخيل وجود أية نية جدية لدى الحكومة الجديدة لمعاقبة ضباط الأمن، ناهيك عن كبار المسؤولين

قامت السلطات، كجزء لا يتجزأ من حملة إخضاع الإخوان المسلمين، باعتقال الآلاف من مؤيديهم غير القياديين، على ذمة قائمة طويلة من الاتهامات تشمل التهمة التقليدية، التحريض على العنف. وفي مثال صاعق على الملاحقة القضائية الانتقائية، وجهت السلطات إلى الرئيس مرسي وغيره من كبار مسؤولي الإخوان تهمة التحريض على التعذيب والقتل في مظاهرة مناهضة لمرسي في العام الماضي لقي فيها 11 من المتظاهرين حتفهم، إلا أنها لم تعتقل أي شخص متهم فعلياً بتنفيذ جرائم القتل هذه

كما قامت السلطات العسكرية دون مواربة بإخفاء خمسة من مستشاري مرسي، وأبقتهم في أماكن احتجاز سرية دون اتهام لما يزيد على خمسة أشهر ثم اتهمتهم الحكومة وأحالتهم إلى سجن طرة الأسبوع الماضي. إن قلة من الأصوات، بخلاف المنتمين إلى الإخوان المسلمين، هي التي تطالب لهؤلاء المحتجزين، كحد أدنى، بسلامة الإجراءات القضائية

في نوفمبر/تشرين الثاني حكمت إحدى المحاكم على 21 سيدة وفتاة شاركن في مظاهرات مؤيدة لمرسي، بالسجن لمدة 11 عاماً على الشابات وعلى الفتيات الصغيرات بالحبس حتى يتممن 18 عاماً. وبعد ذلك خفضت محكمة استئناف العقوبة، لكن يبقى من الحُكم الرسالة المرعبة التي يبثها للمتظاهرين. وحين تقوم منظمات حقوق الإنسان بالتعليق على انتهاكات الحكومة فإنها تقابل بالسخرية والاستهزاء

لم يسلط مسؤولو الإخوان وأقارب المحتجزين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في القاهرة الضوء على مسائل السياسة والاستراتيجية، وإنما على مناشدة ملهوفة لسلامة ونجاة زملائهم وذويهم. وقد تكلم الأقارب الذين أسعدهم الحظ بزيارة السجن عن ظروف مروعة يواجهها المحتجزون

إن الكثيرين من كبار شخصيات الإخوان المسلمين موضوعون في الحبس الانفرادي، ويقولون إنهم ينامون على الأرض، في زنازين رطبة لا يدخلها الضوء الطبيعي، بدون حمامات، مما يضطرهم لقضاء حاجتهم في حفر داخل الزنازين. ويقولون إن الطعام والماء والكهرباء محدودة للغاية، كما أنهم عاجزون عن الحصول على أدوية ضرورية. قامت النيابة بتجديد جماعي لمدد الحبس الاحتياطي، بدون فرصة حقيقية للطعن على الاحتجاز أمام المحاكم

وبينما يتكلم الدبلوماسيون والمتحدثون المصريون عن المصالحة وعدم الإقصاء، تعمل الحكومة بلا هوادة لتفكيك الإخوان المسلمين كقوة سياسية. قامت وزارة التضامن الاجتماعي بحل الإخوان المسلمين كجمعية أهلية، وأمرت إحدى المحاكم بتجميد أصولها، استناداً إلى مزاعم غامضة عن ارتباط الجماعة بالعنف، وأوصت هيئة مفوضي الدولة بحل حزب الحرية والعدالة التابع له

وفي هذا السياق من الصادم أن نسمع وزير الخارجية الأمريكي جون ف. كيري يشيد بحكام مصر الجدد لأنهم "أعادوا الديمقراطية"، بينما يتهم الإخوان المسلمين بـ"سرقة الثورة". إن هذا النفاق السافر لا يفعل أي شيء لكبح جماح الانتهاكات العسكرية الفادحة، ناهيك عن وضع مصر على طريق الديمقراطية. وكما قال الرئيس أوباما، فإنه من الصعب أن نقيم حواراً ديمقراطياً حين تكون المعارضة في السجن

وصف أحد الأصدقاء الفلسطينيين الوضع القائم حالياً في مصر بأنه دليل أكيد على أن المصريين "لا يعارضون القمع ـ فهم يقبلونه طالما لم يكونوا هم ضحيته". والاختبار الذي يواجه مصر اليوم هو أن تثبت خطأ هذا التقدير، وأن تثبت وقوف المصريين ضد انتهاك حقوق أي مواطن مصري، ولو كان خصماً سياسياً