(بيروت) - إن عُمالاً إثيوبيين وافدين قد وقعوا ضحايا لاعتداءات بدنية، كان بعضها مميتا، في المملكة العربية السعودية، عقب حملة أمنية حكومية ضد العمال الأجانب. يجري احتجاز الكثير من العُمال الذين يسعون إلى العودة إلى بلادهم في مراكز احتجاز مؤقتة دون طعام أو مأوى مُلائمين.

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى خمسة من العُمال الإثيوبيين الوافدين في المملكة العربية السعودية. قال أربعة إثيوبيين في مدينة الرياض لـ هيومن رايتس ووتش إن الهجمات ضدهم قد بدأت بعد يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، عندما استأنفت السلطات حملة لإلقاء القبض على العمال الأجانب الذين تزعم انتهاكهم لقوانين العمل. كانت قوات الأمن قد قامت بالقبض على عشرات الآلاف من العمال، وترحيل عدد منهم. وقال مسؤولون سعوديون لوسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة إن العمال الوافدين مسؤولون أيضاً عن أعمال عنف، من بينها الهجمات على مواطنين سعوديين، في أعقاب الحملة الأمنية.

قال جو ستورك، نائب المدير لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "لقد أمضت السلطات السعودية شهورا في تصوير العمال الأجانب على أنهم مجرمين في وسائل الإعلام وقامت بإثارة المشاعر المُعادية للمهاجرين لتبرير الحملة الأمنية ضد العُمال. يجب على الحكومة السعودية الآن كبح جماح المواطنين السعوديين الذين يهاجمون العمال الأجانب".

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي على السلطات السعودية أن تحقق فورا في الاعتداءات ضد الإثيوبيين وغيرهم من العُمال الوافدين من قِبل قوات الأمن ومواطنين سعوديين، ومُحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم العنيفة. كما ينبغي على السلطات السعودية والإثيوبية العمل على وجه السرعة لإعادة العمال الأجانب غير الشرعيين، الذين ينتظرون في مراكز احتجاز مؤقتة، إذا لم يكن لديهم أي مخاوف من عودتهم إلى بلدانهم، وكذلك ضمان حصولهم على الغذاء الكافي والمأوى المُناسب، والرعاية الطبية اللازمة.

وقعت أكثر الاعتداءات عنفا مساء يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني في مناطق حول حي منفوحة، جنوبي مدينة الرياض، حيث يشكل الإثيوبيون غالبية السكان، حسب ما قال نُشطاء محليون. أخبر 2 من العُمال الوافدين الإثيوبين هيومن رايتس ووتش أنهما شاهدا مجموعات من الناس، افترضا أنهم مواطنون سعوديون، يهاجمون العمال الأجانب وهم مسلحون بالعصي والسيوف والمُدى والأسلحة النارية. 

قال واحد من الاثنين الإثيوبيين، وهو مُشرف في شركة خاصة، ويبلغ من العمر 30 عاماً، إنه سمع صيحات وصرخات في الشارع، فغادر منزله القريب من منفوحة لمعرفة ما كان يحدث. وعندما وصل قُرب مصرف الراجحي الواقع على الطريق المُؤدي إلى حي اليمامة، غرب منفوحة، رأى مجموعة كبيرة من الإثيوبيين يبكون ويصيحون حول ثلاث جثث لإثيوبيين، أصيب أحدهم بطلق ناري، بينما تعرض الاثنان الآخران إلى الضرب المفضي إلى الموت. كما أضاف أنه رأى ستة أشخاص آخرين تبدو إصاباتهم خطيرة.

وقال إنه رأى "شبابا" سعوديين، بالإضافة إلى قوات الأمن بالزي الرسمي وهم يهاجمون الإثيوبيين الذين تجمعوا حول الجثث. كان الشباب يستخدمون السيوف والسواطير، بينما قام بعض الضباط الذين يرتدون الزي الرسمي بضرب المهاجرين بهراوات الشرطة المعدنية، وقام ضباط آخرون بإطلاق النار في الهواء لتفريق الحشد. قال أيضاً إنه نجا بأعجوبة من إصابة خطيرة عندما حاول مواطن سعودي ضربه بالسيف على رأسه، لكن الضربة طاشت وأصابت ذراعه بجرح تطلب عدداً من الغرز لعلاجه. 

كما أخبرالشاهد الإثيوبي الثاني، الذي يبلغ من العمر 26 عاماً ويعيش في ضاحية منفوحة، ولا يحمل تصريح عمل، أخبر هيومن رايتس ووتش أنه كان يجلس مع مجموعة مكونة من 23 إثيوبيا في منزل خاص بشارع 20، في مساء 9 نوفمبر/ تشرين الثاني عندما قامت مجموعة مُكونة من عشرين من الشباب بتحطيم الباب ومُهاجمة الموجودين بالداخل باستخدام المُدى والمسدسات. استطاع النجاة مع خمسة أشخاص آخرين بالصعود إلى سطح المنزل، لكنه لا يعرف ما حدث للرجال الـ17 الآخرين.

قال عامل إثيوبي آخر يعيش في مكان قريب، لكنه لم يشهد العنف، لـ هيومن رايتس ووتش إنه في ظهيرة يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، كان يجلس داخل مُجمع يضم ناديا اجتماعيا ومدرسة، على بعد خمسة كيلومترات من ضاحية منفوحة عندما جاء 35 رجلاً إثيوبياً إلى المركز.

قال الرجال الإثيوبيون إن مجموعات من المُسلحين كانوا يقتحمون البيوت في ضاحية منفوحة، يُخرجون منها الرجال ويبقون النساء بالداخل. قال الرجل الذي تحدث مع هيومن رايتس ووتش إن الرجال عرضوا لهم كدليل فيديو على أحد الهواتف الخلوية، قالوا إنهم قاموا بتصويره خلسة من مسافة بعيدة لإظهار رجل سعودي يقوم باغتصاب زوجة أحد الإثيوبيين. كما أضاف أن الرجال أخبروه باختفاء 10 نساء.

منذ مساء 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، قام نُشطاء إثيوبيون بنشر عشرات من مقاطع الفيديو على يوتيوب، بالإضافة إلى صور فوتوغرافية أخرى، زعموا أنها تُظهر رجالاً سعوديين يرتدون ملابس مدنية، وقوات أمن يُهاجمون عُمالاً إثيوبيين في ضاحية منفوحة. ولا تستطيع هيومن رايتس ووتش التأكد من صحة هذه المقاطع، على الرغم من أن الحوادث التي تُظهرها، تطابق إلى حد كبير روايات الشهود. 

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على السلطات السعودية ضمان أن يتم التحقيق في جميع حوادث استخدام العنف وسوء المعاملة بشكل واضح في منفوحة بسرعة وبشفافية، وتقديم كل من ارتكب جريمة إلى العدالة، بمن في ذلك أفراد قوات الأمن. كما ينبغي على السلطات حظر أي استخدام غير ضروري وغير قانوني للقوة من جانب قوات الأمن، واتخاذ خطوات لمنع المواطنين العاديين من مُضايقة أو الاعتداء على المُهاجرين لمُجرد الاشتباه في أنهم ينتهكون قوانين العمل.

تحمل بعض المصادر السعودية المُهاجرين مسؤولية إثارة أعمال العنف. قالت صحيفة "أراب نيوز"، وهي صحيفة محلية تصدر باللغة الانجليزية، إن قوات الأمن دخلت ضاحية منفوحة في مساء 9 نوفمبر/ تشرين الثاني لاستعادة الأمن، بعد أن قامت مجموعة من الإثيوبيين "بالاحتجاج الغاضب ضد الحملة المُستمرة التي تشنها المملكة ضد المُهاجرين الأجانب غير الشرعيين". كما ذكرت الصحيفة أن رجلاً سعودياً قد مات بعد أن قام "مُثيرو الشغب" بإلقاء الحجارة عليه، وأن مُعظم المُصابين الـ 65 من "السعوديين والمقيمين بشكل بشرعي". كما ذكر موقع صحيفة سبق الإلكترونية في تقرير يوم 14 نوفمبر/ تشرين الثاني، أن المُهاجرين الإثيوبيين قد سددوا طعنة قاتلة إلى صبي سعودي يبلغ من العمر 14 عاماً في حي منفوحة، كما ورد أنهم سألوه "هل أنت سعودي؟" قبل أن يهاجموه. 

قال العمال الخمسة الوافدون الإثيوبيون الذين تحدثوا مع هيومن رايتس ووتش، إن العديد من العمال الإثيوبيين المُخالفين في ضاحية منفوحة كانوا قد سلموا أنفسهم إلى السلطات منذ يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، خوفاً من عنف الشرطة والمواطنيين السعوديين. كما وصف أحد هؤلاء العمال الأجواء في ضاحية منفوحة بأنها "ساحة حرب". وقال السفير الإثيوبي لدى المملكة العربية السعودية محمد حسن كبيرا لصحيفة أرب نيوز يوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني، إن 23 ألف إثيوبي على الأقل، وكثير منهم من منطقة منفوحة، كانوا قد سلموا أنفسهم إلى السلطات السعودية من أجل إعادتهم إلى بلادهم.

قال العُمال الإثيوبيون إن السلطات قامت بنقل الإثيوبيين إلى أماكن احتجاز مؤقتة في أنحاء المنطقة، منها صالة زفاف كبيرة وحرم جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن. وقال أحد الرجال لـ هيومن رايتس ووتش إنه قام بزيارة صالة الزفاف، ورأى الألاف من العمال الأجانب المُحتجزين هناك، حيث يوجد الرجال في مكان، بينما النساء والأطفال في مكان آخر، داخل وخارج المبنى على السواء.

وقال إن الحُراس السعوديين يعطون المُحتجزين وجبة صغيرة واحدة من الأرز كل يوم، ولا يسمحون بتوفير رعاية طبية. كما قال إن هناك إثيوبيين في المنطقة المجاورة يحاولون مُساعدة المُحتجزين بإحضار الطعام لهم، وإن العديد من المُحتجزين في صالة الزفاف قد تُركوا بلا مأوى أثناء المطر الغزير الذي سقط على مدينة الرياض مؤخراً. وقال أحد الإثيوبيين في الرياض أنه هرب من صالة الزفاف بعد أن احتجزه المسؤولون في منطقة خارج المبنى لمدة 10 أيام، دون توفير الطعام الكافي، مما اضطر المُحتجزين إلى شراء الطعام من الحُراس السعوديين.

وقال اثنان من الإثيوبيين لـ هيومن رايتس ووتش إن الأشخاص الذين علموا أنهم سلموا أنفسهم لم يكونوا يعلمون أن السلطات سوف تحتجزهم في أماكن احتجاز مؤقتة. وقالوا إن المسؤولين السعوديين أخبروهم أنهم سوف يسافرون مباشرة إلى إثيوبيا. بينما قال مسؤولو الشرطة السعودية إن المملكة تنفق يومياً مليون ريال سعودي (267.000 دولارأمريكي) من أجل إيواء وإطعام المُحتجزين الإثيوبيين.

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن وزير الخارجية الإثيوبي الدكتور تيدروس أدهانوم أن الحكومة تفعل "كل ما هو مُمكن من أجل إعادة مواطنيها من المملكة العربية السعودية خلال 14 إلى 25 يوماً".
 

قال جو ستورك: "تقول السلطات السعودية إنها تقوم بحملة أمنية ضد العُمال المُهاجرين وفق المعايير الإنسانية، ولكن التحفظ على الآلاف من الناس في مراكز مؤقتة دون غذاء كافٍ، ودون مأوى، أورعاية طبية يُمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية. يجب على المسؤولين السعوديين الإفراج عن المُحتجزين وإعادتهم  إلى بلادهم فورا".

خلفية للحملة المشددة على العُمال الوافدين
يوجد أكثر من 9 ملايين عامل وافد في المملكة العربية السعودية –أكثر من نصف قوة العمل- يشغلون وظائف يدوية ومكتبية وخدمية. يعاني العديد منهم من انتهاكات متعددة والاستغلال في العمل بما يرقى أحيانا إلى حد التشغيل الجبري، بحسب هيومن رايتس ووتش.

يقول المسؤولون السعوديون إن الحملة الأمنية المُستمرة ضد العُمال الأجانب، والتي تتضمن نقاط تفتيش على الطرق، ومُداهمات لمواقع العمل، هي جزء من الجهود التي تبذلها المملكة لمكافحة ارتفاع مستويات البطالة بين المواطنين السعوديين من خلال توفير فرص عمل كان يشغلها سابقا عمال غير موثقين. وتستهدف الحملة العُمال الذين ليس لديهم إقامة سارية المفعول، أو تصريح عمل، وكذلك العمال الذين يتم القبض عليهم وهم يعملون لدى صاحب عمل غير الكفيل الرسمي. ووفقاً لوسائل الإعلام المحلية، فإن السلطات قامت باعتقال وترحيل الآلاف من العمال منذ يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني.

وقعت احداث العنف بين السعوديين والإثيوبيين عقب شهور من إلقاء الصحافة المحلية اللوم على عاملات المنازل من الإثيوبيات عن هجمات وحشية ضد أصحاب العمل السعوديين. في يوليو/ تموز، زعم مسؤولون سعوديون أنه قد تم احتجاز أكثر من مئتي سيدة إثيوبية على مدار شهرين بسبب "مشكلات نفسية" دفعت وزارة العمل لفرض حظر مؤقت على استقدام العمال الإثيوبيين للبلاد.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول، قامت وزارة الشؤون الخارجية الإثيوبية بدورها بوقف إصدار تصريحات السفر للإثيوبيين المُسافرين إلى المملكة العربية السعودية، مستشهدة بمخاوف بشأن ظروف العمل السيئة للمهاجرين الإثيوبيين.

ولقد طالبت هيومن رايتس ووتش الحكومة السعودية مرارا بإلغاء نظام "الكفالة" الذي يهييء الظروف لسوء المعاملة، بما في ذلك القواعد التي تلزم العامل بالحصول على إذن من صاحب أو صاحبة العمل لتغيير وظيفته أومُغادرة البلاد. لا تترك هذه القواعد للعمال الأجانب سوى القليل من الخيارات للحصول على حقوقهم في حالات سوء المعاملة أوانتهاكات العمل وتُجبرهم على العمل في الخفاء.