دفن عبد المطلب أبو بكر أبو زياته، وهو رجل نازح من تاورغاء، في مقبرة بطرابلس في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2013. توفى أبو زياته بعد أن أطلق أعضاء بميليشيا مجهولة النار عليه في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أمام معسكر للسكان النازحين من تاورغاء في طرابلس.

(طرابلس) ـالحكومة الليبية توفير حماية عاجلة للمخيمات الأربع الكبرى المخصصة لإيواء النازحين من تاورغاء في طرابلس، بعد اعتداء مليشيات على أحدها في 15 و16 نوفمبر/تشرين الثاني 2013. تسببت هجمتي المليشيات في قتل أحد سكان المخيم وإصابة ثلاثة آخرين.

يؤوي المخيم الذي تعرض للهجوم، مخيم الفلاح، 1200 مشرداً من تاورغاء، ضمن ما يقرب من 40 ألف نازح من أهل تاورغاء موزعين على أرجاء ليبيا، وهذا بحسب مجلس تاورغاء المحلي في طرابلس. والمخيمات الثلاثة الأخرى المخصصة للنازحين من تاورغاء في طرابلس هي مخيم جنزور ومخيم طريق المطار ومخيم سيدي السائح. فر سكان تاورغاء من بلدتهم في أغسطس/آب 2011 إثر هجوم جماعات مسلحة من بلدة مصراتة القريبة، ولم يسمح لهم بالعودة منذ ذلك الحين.

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "بعد مرور عامين، لا يبدو أن ثمة نهاية لوحشية الجماعات المسلحة تجاه النازحين من تاورغاء. والحكومة الليبية مسؤولة عن حماية هؤلاء الأشخاص في مخيمات طرابلس، وعن ردع أية هجمات انتقامية أخرى".

تتهم جماعات مسلحة أغلبها من مصراتة سكان تاورغاء بأنهم حاربوا مع قوات معمر القذافي أو أيدوها أثناء انتفاضة 2011، وبأنهم ارتكبوا جرائم حرب بحق مصراتة. وقد قامت الجماعات المسلحة المنتمية في معظمها إلى مصراتة بمنع سكان تاورغاء من العودة إلى ديارهم، ودمروا أجزاءً كبيرة من البلدة على نحو ممنهج، مما يمثل جريمة حرب مستمرة ولم يجر التعامل معها حتى الآن، بحسب هيومن رايتس ووتش.

قال سكان من مخيم الفلاح لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات تركت المخيم دون حراسة أو أمن منذ أواخر 2012. في يوليو/تموز دخل مسلح مجهول مخيم الفلاح في طرابلس وأطلق النار عشوائياً فجرح أحد سكان المخيم.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 14 شاهداً على الاعتداءات التي تعرض لها مخيم الفلاح هذا الأسبوع، وبينهم اثنان من الجرحى وأقارب لضحايا آخرين.

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن رجلين مسلحين ببنادق الكلاشنكوف قفزا من فوق سور المخيم في نحو الحادية عشرة والنصف من مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2013. وتبعتهما مجموعة أخرى مكونة من أربعة مسلحين من خارج المخيم، فاقتحموا البوابة وعبروها بشاحنة نصف نقل سوداء من طراز "تويوتا" وعلى جانبها شريط أصفر، مزودة بمدفع عديم الارتداد عيار 106 مم. كما تبع الشاحنة إلى داخل المخيم ما لا يقل عن 10 رجال مسلحين آخرين. لم يكن الرجال يرتدون أية شارات، لكنهم زعموا أنهم من مصراتة، ورفعوا أصواتهم بالشتائم البذيئة بحق السكان، واصفين إياهم بـ"العبيد" ضمن نعوت أخرى.

قال سبعة شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن المسلحين بدأوا في إطلاق النار في الهواء، فشرع سكان المخيم في الفرار. ودخل شاب من أهالي تاورغاء في شجار مع أحد المسلحين، الذي أطلق النار على فخذه من مسدس. وبعد ذلك انسحبت الجماعة المسلحة.

قال تسعة شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن السكان، في نحو التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي 16 نوفمبر/تشرين الثاني، سمعوا طلقات نارية خارج المخيم ثم دخل المخيم ثلاثة رجال مسلحين ببنادق الكلاشنكوف على أقدامهم. كان خمسة من رجال تاورغاء يقفون داخل البوابة للحراسة. قال الشهود إنه بعد تبادل بضعة كلمات، بدأ الدخلاء الثلاثة في إطلاق النار على الرجال الذين يحرسون البوابة، فقتلوا أحدهم، وهو عبد المطلب أبو بكر، 28 سنة، وجرحوا اثنين آخرين.

قال أحد جرحى يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد الدخلاء المسلحين اقترب منه وسأله من أين هو. وحين رد الضحية بأنه من تاورغاء، أمسك به الدخيل كأنما يريد جره إلى خارج المخيم. وقاومه الشاهد، فدفعه المسلح بعيداً ثم أطلق النار على ساقه اليمنى. وفي تلك اللحظة بدأ المسلحان الآخران يطلقان النار عشوائياً، على حد قول الشاهد، فأصابا أحد الرجال بجروح خطيرة وقتلا الآخر.

قال رجل آخر كان قد شهد إطلاق النيران لـ هيومن رايتس ووتش إن أبو بكر توفي في عيادة المخيم قبل أن يتسنى نقله إلى مستشفى، جراء طلقات نارية متعددة في الصدر. لم يتسن للسكان إجلاء الجرحى إلا بعد رحيل المسلحين، على حد قول الرجل.

حاولت هيومن رايتس ووتش التحدث مع ناج مصاب بجراح خطيرة في مركز طرابلس الطبي، إلا أن مدير المستشفى منع إجراء المقابلة لـ"أسباب أمنية" لم يحددها.

قال شهود على اعتداء يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يعتقدون أن المهاجمين ينتمون إلى نفس المجموعة التي اقتحم أفرادها المخيم في الليلة السابقة.

في 18 نوفمبر/تشرين الثاني أبلغ وزير العدل صلاح المرغني هيومن رايتس ووتش بأن مكتبه سيحيل جريمة القتل في مخيم الفلاح، علاوة على قضايا القتلى الآخرين في اشتباكات بطرابلس يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني، إلى النائب العام للتحقيق. في 15 نوفمبر/تشرين الثاني قامت مليشيات أغلبها من مصراتة بإطلاق النيران من بنادق هجومية وآلية وأسلحة ثقيلة على متظاهرين سلميين في غالبيتهم في طرابلس، فقتلت عدة أشخاص. وقد خلفت الاشتباكات اللاحقة بين عدة جماعات مسلحة والمليشيات حصيلة إجمالية تبلغ 46 قتيلاً وما يقرب من 500 جريح.

يتعين على الحكومة ضمان قيام سلطات العدالة الجنائية بإجراء تحقيق سريع ومدقق في أحداث مخيم الفلاح، يؤدي إلى ملاحقة المسؤولين عنها.

قالت هيومن رايتس ووتش إن التهجير القسري لنحو 40 ألفاً من سكان تاورغاء، علاوة على الاحتجاز التعسفي والتعذيب والقتل، تتسم باتساع النطاق والمنهجية والتنظيم بما يكفي لاعتبارها جرائم ضد الإنسانية. وعلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يدين هذه الجرائم.

ومن الممكن أن يساءل قادة المليشيات وكبار المسؤولين في مصراتة جنائياً من قِبل المحاكم الوطنية والدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لإصدارهم أوامر بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو إخفاقهم في منعها أو معاقبة مرتكبيها، وهذا بحسب هيومن رايتس ووتش. تتمتع المحكمة الجنائية الدولية باختصاص مستمر فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011، مع أخذها في الحسبان مدى استعداد السلطات الليبية لملاحقة المسؤولين أو مدى قدرتها على ذلك، ضمن اعتبارات أخرى.

في آخر تقرير رفعته ممثلة الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية إلى مجلس الأمن بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني، قالت إنها ما زالت تشعر بالقلق من مزاعم الجرائم المرتكبة أثناء نزاع 2011 المسلح على أيدي قوات المتمردين في تاورغاء. وقالت إن مكتبها قد راجع مزاعم تفيد بأنه في أعقاب حصار مصراتة "قامت مليشيات من مصراتة بتعريض مدنيين من سكان تاورغاء للقتل والنهب وتدمير الممتلكات والاحتجاز والتهجير القسري، وتفيد أيضاً بأن مليشيات مصراتة تمنع المدنيين من سكان تاورغاء من العودة إلى بيوتهم لاحقاً".

أجرت هيومن رايتس ووتش زيارات منتظمة إلى تاورغاء في 2011 و2012 وراجعت صوراً التقطتها أقمار صناعية وتبين الدمار اللاحق بالبلدة بمضي الوقت. وقد لاحظ الباحثون عمليات إحراق ونهب واسعة النطاق للمباني السكنية والتجارية في معظم أجزاء البلدة بفعل الإحراق العمدي والتهديم المستهدف، بعد توقف القتال هناك في منتصف 2011، في محاولة على ما يبدو لمنع سكان تاورغاء من العودة إلى ديارهم.

لم تبد السلطات الليبية المتعاقبة الاستعداد أو القدرة على جعل مليشيات مصراتة تسمح لسكان تاورغاء بالعودة، وقد أخفقت بهذا في وضع حد لما يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية. كما لم يفعل أصدقاء ليبيا وحلفاؤها شيئاً يذكر لإقرار حل عادل لهذا الوضع المأزوم، بحسب هيومن رايتس ووتش.

علاوة على هذا فإن قانوناً للإجراءات الخاصة أصدرته السلطات الليبية الانتقالية في 2012 يمنح عفواً شاملاً لمن ارتكبوا جرائم إذا كانت تصرفاتهم تهدف إلى "إنجاح أو حماية الثورة" ضد القذافي. وقد دعت هيومن رايتس ووتش ممثلة الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية إلى فحص الجرائم المعفاة حالياً من الملاحقة في ليبيا، والتحقيق فيها إذا لزم الأمر.

قالت سارة ليا ويتسن: "ترك المسؤولون سكان تاورغاء النازحين يصدون اعتداءات مليشيات ثقيلة التسليح كيفما اتفق لهم. وتخفق السلطات في واجباتها الأساسية إذا عجزت عن وقف انتهاكات المليشيات وحماية مجتمعات المشردين من أية جرائم انتقامية أخرى".