المتظاهرون يشاركون في مظاهرة ضخمة تطالب الرئيس المصري محمد مرسي بالاستقالة، من ميدان التحرير، القاهرة، بتاريخ 1 يوليو/تموز 2013

© 2013 Reuters

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن الأزمة السياسية في مصرتبرز الحاجة إلى المحاسبة وحاجة السلطات إلى اتخاذ كافة الخطوات المعقولة لحماية الحق في الحياة. في وسط مظاهرات مناهضة للحكومة هائلة الحجم وسلمية في معظمها، ومسيرات مؤيدة للحكومة، عمت أرجاء البلاد يوم 30 يونيو/حزيران 2013، خلّفت الاشتباكات 24 قتيلاً على الأقل ومئات المصابين، ومعظمهم من المتظاهرين ضد مرسي. أخفقت الشرطة وغيرها من قوات الأمن في نشر قوات كافية في المواقع الحيوية رغم توقع العنف على نطاق واسع.

مع توقع المزيد من المظاهرات قريباً، ترتفع احتمالات معارك الشوارع والمزيد من العنف بحسب هيومن رايتس ووتش. وعلى قوات الأمن أن تخطط للانتشار في المواقع التي تتعرض فيها الأرواح والأمن لأكبر الخطر، مع الامتثال للمعايير الدولية في حفظ الأمن.

قال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أيّاً كان ما سيحدث خلال الأيام القليلة المقبلة، يتعين على كافة الأطراف اتخاذ كافة التدابير الممكنة لضمان تجنب أنصارهم للعنف واستخدام القوة المميتة. سيحكم المصريون والعالم على أنصار الرئيس مرسي وعلى معارضيه وعلى قوات الأمن من خلال معيار، هو: التزامهم بحماية حقوق الإنسان، وخاصة الحق في الحياة".

قالت هيومن رايتس ووتش إن محاسبة قوات الأمن على انتهاكاتها السابقة، وحماية حقوق الإنسان الأساسية، تمثل عناصراً محورية في أية عملية انتقالية سلمية للخروج من المأزق السياسي الراهن.

كانت مجموعات من النشطاء قد دعت إلى مظاهرات 30 يونيو/حزيران بحيث توافق الذكرى الأولى لتولي الرئيس محمد مرسي منصبه. في 1 يوليو/تموز أصدرت القيادة العامة للجيش المصري تحذيراً يفيد بأنها ستتدخل في الأيام المقبلة إذا لم تلب حكومة الرئيس مرسي مطالب المتظاهرين بالاستقالة أو تحديد موعد لانتخابات رئاسية مبكرة. دعا حزب الحرية والعدالة، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، إلى مسيرة تؤيد الرئيس مساء الأول من يوليو/تموز.

في مظاهرات 30 يونيو/حزيران في القاهرة والإسكندرية ومدن أخرى قام بعض المتظاهرين بمهاجمة مقرات للإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة بالحجارة وزجاجات المولوتوف. في بعض المدن انضم رجال الشرطة بزيهم الرسمي إلى الاحتجاجات، بما فيها الإسكندرية في 28 يونيو/حزيران.

كما ظهرت تقارير عديدة عن اعتداءات جنسية، وهجمات على أناس يوحي مظهرهم بالانتماء إلى الإسلاميين.

جرت أسوأ وقائع العنف في حي المقطم بالقاهرة، حيث يقع المقر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين، وفي أسيوط وبني سويف والفيوم والمنصورة والإسكندرية. قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن الطلقات النارية عند مقر الإخوان المسلمين في القاهرة صدرت من داخل المبنى.

وكان أكثر ما لفت الأنظار في كافة أحداث العنف التي سقط فيها قتلى هو غياب قوات الأمن، رغم أن الهجمات كانت متوقعة واستمر العنف في بعض الحالات عدة ساعات، بحسب هيومن رايتس ووتش.

قالت هيومن رايتس ووتش إن أجهزة الأمن تتحمل مسؤولية حماية المصريين وغيرهم من الاعتداءات العنيفة، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، بما في ذلك داخل وخارج مقرات الأحزاب السياسية. مع توقع المزيد من المظاهرات والقلاقل، يتعين على قوات الأمن أن تقوم بدور محايد في حماية الأرواح كأولوية قصوى.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يقع على عاتق قوات الأمن، بما فيها القوات العسكرية حينما تكلف بمهام إنفاذ القانون، واجب اتخاذ الخطوات المعقولة اللازمة لحماية الحق في الحياة والأمن، وبخاصة حيثما أمكن لقوات الأمن توقع وقوع هجمات.

شهادات شهود واعتداءات أخرى

بعد يوم من المظاهرات السلمية في القاهرة، تجمع عدة مئات من المحتجين أمام مقر الإخوان المسلمين في المقطم في نحو الثامنة مساءً وبدأوا في إلقاء زجاجات المولوتوف على المبنى. قال 8 شهود لـ هيومن رايتس ووتش إنهم على مدار الساعات العشر التالية سمعوا طلقات نارية تنطلق من داخل مقر الإخوان المسلمين. وأكدت وزارة الصحة في 1 يوليو/تموز مقتل 8 أشخاص بالذخيرة الحية.

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شاهدوا صبياً في الثالثة عشرة يصاب في البطن، وكذلك رجلاً في الخامسة والعشرين يصاب في الرأس بالذخيرة الحية، ورجلاً آخر يصاب في عينه بالخرطوش المنطلق من بندقية خرطوش من الطابق الثاني أو الثالث للمبنى. قال 4 شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن عربتين مدرعتين رماديتي اللون وعربة للأمن المركزي مرت [على الموقع] في المساء لكنها لم تحاول الاشتباك وغادرت سريعاً. وقال شاهد آخر إن الشرطة وصلت في حوالي الخامسة صباحاً ودخلت المبنى واعتقلت 4 أشخاص.

عند وقت معين غرّد جهاد الحداد، أحد المتحدثين باسم الإخوان المسلمين، بما يفيد أن الاعتداء على مقر المقطم كان يُنقل تلفزيونياً طوال الساعات العشرة الماضية و"ما زالت الشرطة غائبة ولا نهاية في المدى المنظور". قال شاب كان أمام المقر لـ هيومن رايتس ووتش:

كانوا يطلقون الذخيرة الحية منذ الحادية عشرة مساءً وما بعدها. كان أحد أصدقائي يحاول الهرب خلف عربة للبث التلفزيوني لكنه أصيب. كنت أقف بجواره. أصيب في جبهته مباشرة.

في أسيوط تجمع مئات الأشخاص سلمياً أمام مبنى المحافظة، في نفس الشارع الذي يقع به مقر حزب الحرية والعدالة. قال أحد المتظاهرين لـ هيومن رايتس ووتش إنه في نحو التاسعة مساءً، ترددت أصوات طلقات نارية وبدأت الحشود تجري، كما يظهر في مقطعفيديو التقطه متظاهر. بحلول نهاية الليل، كان أبانوب عاطف ومحمد عبد الحميد ومحمد شاكر ورجل رابع قد توفوا متأثرين بجراح طلقات نارية. قال شهود إن الطلقات النارية جاءت من مقر حزب الحرية والعدالة، لكن الحزب أصدر تصريحاً يقول إن أعضاءه "لم يكونوا هم الذين أطلقوا النيران".

قال حسام مصطفى، وهو أحد المتظاهرين، لـ هيومن رايتس ووتش إن عدداً صغيراً من رجال الشرطة كانوا في الموقع منذ نحو العاشرة مساءً وحتى الثانية صباحاً. وقال إنه في نحو العاشرة مساءً شاهد أحد ضباط الأمن المركزي يطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، وأن أطرافاً غير معروفة أطلقت عليه النار. وقال المتظاهر إنه بخلاف هذا لم يشهد أية مشاركة للشرطة.

في الفيوم، أصيب المتظاهر محمد أشرف قرني في رأسه بشارع جمال عبد الناصر، قرب المقر الرئيسي لحزب الحرية والعدالة. وقال أحد الشهود لـ هيومن رايتس ووتش إن قرني كان يتظاهر مع آخرين عند اندلاع الاشتباكات بين أعضاء الإخوان المسلمين داخل مقر الحزب، والمتظاهرين المعارضين لمرسي بالخارج. قال محمد فرغلي، وهو صحفي، لـ هيومن رايتس ووتش إن الجانبين استخدما الخرطوش والذخيرة الحية، وقال إنه لم ير شرطة في الموقع أثناء الاشتباكات.

في الإسكندرية توفي 5 متظاهرين على مدار 3 أيام من الاحتجاجات، من 28 إلى 30 يونيو/حزيران. في عصر 28 يونيو/حزيران، ذهب المتظاهرون القادمون من مختلف أنحاء المدينة إلى محطة القطارات بسيدي جابر. قالت نهى كمال، التي شاركت في إحدى المسيرات، لـ هيومن رايتس ووتش إن المسيرة التي شاركت فيها ظلت سلمية، ولكن كانت هناك اشتباكات في المحطة عند وصولهم قبيل الثالثة مساءً.

وقالت إن مؤيدي الإخوان المسلمين كانوا على رصيف السكة الحديد المركزي، وعلى الجانب الأقرب إلى مقرهم القريب في سموحة. وكان في مسرح الواقعة ما يقرب من 10 عربات للأمن المركزي علاوة على مدرعتين من حاملات الأفراد، رغم أن معظم المركبات التابعة للأمن رحلت أثناء الاشتباكات.

قال صلاح حجاج، الذي أصيب بطلق ناري في ساقه وهو يصور الأحداث، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الطلقات النارية بدأت بعد دقائق قليلة من وصوله إلى مسرح الواقعة في نحو الثالثة والربع مساءً. "أراد المتظاهرون عبور النفق [تحت المحطة] وأراد الإخوان منعهم، وهكذا نشب احتكاك. ثم بدأوا [الإخوان] في إطلاق النار".

قالت كمال: "كانت الشرطة تنتحي جانباً. ثم أصيب أحد أفرادهم في وجهه بالخرطوش، فبدأوا يردون النيران".

قال حجاج إن اثنتين من حاملات الأفراد المدرعة [مدرعات الشرطة] اقتربتا من محطة القطار من البوابة الرئيسية، حيث كان المتظاهرون مجتمعين، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش في اتجاه مؤيدي الإخوان. ويُظهر مقطع الفيديو الذي صوره حجاج، والذي شاهدته هيومن رايتس ووتش، أحد رجال الشرطة في عربة مدرعة يطلق الغاز المسيل للدموع بشكل متقطع في اتجاه مؤيدي الإخوان ويطلب التعليمات من جهازه اللاسلكي. بدأ المتظاهرون يصيحون "الشعب والشرطة إيد واحدة".

يظهر في مقطع فيديو آخر، نشرته صحيفة "البديل"، أفراد قوات الأمن المركزي (شرطة مكافحة الشغب) وهم يطلقون الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش في اتجاه مؤيدي مرسي بينما يجري خلفهم شباب يصيحون بإهانات في حق مرسي.

قال أحمد الشاذلي، مدير فرع الإسكندرية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن 76 متظاهراً على الأقل أصيبوا بطلقات الخرطوش والذخيرة الحية. استقبل المستشفى الميري 50 متظاهراً مصاباً على الأقل، بينهم ثلاثة ما زالوا في حالة حرجة.

وصل المتظاهرون في النهاية إلى بناية سكنية يقع فيها مقر الإخوان المسلمين في الإسكندرية، بالقرب من المحطة، فأشعلوا النار في المقر وأحرقوا أوراقاً وألقوا بقطع الأثاث من النوافذ. قال خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان الذي يقع مقره في الإسكندرية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن 27 شخصاً أصيبوا في الاعتداء على المقر.

الاعتداء على أشخاص يوحي مظهرهم بالانتماء إلى الإسلاميين

سمح غياب الشرطة أيضاً بالاعتداءات الغوغائية على الأفراد. يظهر في مقطعفيديو نشره موقع "اليوم السابع" الإخباري المصري رجل تم تجريده من ثيابه عدا الثياب الداخلية يرقد دامياً على الأرض، بعد سحله عبر الشارع على ما يبدو. ويُظهر مقطع الفيديو وصول عربة إسعاف وقيام بعض الرجال المحيطين بالرجل المصاب باصطحابه بعيداً وصياحهم في الآخرين للتراجع، دون أية أمارة على وجود الشرطة.

قال شخص واحد لـ هيومن رايتس ووتش إنه شهد واقعة أمام مقر الإخوان المسلمين الرئيسي في المقطم بالقاهرة، بدأت فيها مجموعة من الشباب في ضرب رجل ظنوه أحد أفراد الإخوان. وقال ذلك الشخص إنه تبين لاحقاً أن الضحية شخص كان يحاول المشاركة في الهجوم على المقر. قال الشاهد إنه لم يكن هناك وجود للشرطة.

في الإسكندرية، قال اثنان من المتظاهرين لـ هيومن رايتس ووتش إنهما شهدا مجموعتين من المتظاهرين تضربان مؤيدي الإخوان المعزولين. وقالوا إنه لم يكن للشرطة وجود في محيط الواقعة.

الاعتداء الجنسي

في ميدان التحرير، حيث كان قد تجمع مئات الآلاف من المتظاهرين على مدار اليوم، اعتدت حشود غوغائية على 46 سيدة على الأقل واغتصبت بعضهن جماعياً، بحسب تقارير تلقتها مجموعة "قوة ضد التحرش". احتاجت العديد من السيدات إلى علاج طبي، واحتاجت إحداهن للجراحة بعد اغتصابها بآلة حادة، بحسب أحد أفراد المجموعة. تغيبت قوات الأمن عن منطقة ميدان التحرير في ذلك اليوم.