(نيروبي) – قالت كل من هيومن رايتس ووتش والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام ومنظمة حقوق الإنسان والتنمية بأن السودانقد أطلق سراح 24 سجيناً سياسياً مدنياً عقب تعهد الرئيس عمر البشير في الآونة الأخيرة بـ"إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين"، إلا أن 100 معتقل سياسي لا يزالون قيد الحبس. وقالت هذه المنظمات إن السلطات يجب أن تطلق سراح بقية المعتقلين السياسيين، وغالبيتهم من مناطق الهامش التي تشهد نزاعاً.

وناشدت هذه المنظمات الحكومة السودانية بالسماح لمراقبين مستقلين بزيارة السجون ومراكز الاعتقال للتحقُّق من كل المعتقلين السياسيين الذين بقوا قيد الاحتجاز.

وقال دانيال بيكيل، مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين خطوة إيجابية، ولكن يجب أن تطلق الحكومة سراح كل المسجونين السياسيين وتسمح لمراقبين مستقلين بزيارة مراكز الاعتقال. يجب على السودان أن يجري أيضاً إصلاحات عاجلة على قوانين الأمن الوطني القمعية كي تصبح متوافقة مع المعايير الدولية."

كان البشير قد أعلن في 1 أبريل/نيسان 2013 عن قرار بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين. وأطلقت السلطات فيما بعد سراح 24 معتقلاً، إلا أن نتائج البحث الذي أجرته هذه المنظمات أظهرت أن 100 معتقل على الأقل لا يزالون قيد الاحتجاز بسبب انتماءاتهم السياسية. ويندرج هذا النوع من الاعتقال في خانة الاعتقال التعسفي وفقاً للقانون الدولي، خصوصاً وأن السلطات لم توفر لهؤلاء المعتقلين إجراءات التقاضي السليمة، كما لم توجِّه لهم أية تهمة متعارف عليها قانونياً.

غالبية المعتقلين الذين لم تطلق السلطات سراحهم يتحدّرون من مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث تخوض الحكومة نزاعاً منذ عام 2011 في مواجهة جماعات متمردة. كما أن غالبية المعتقلين الذين بقوا قيد الاحتجاز إما تم اعتقالهم من قِبل سلطات الأمن الوطني أو السلطات العسكرية، ولا تتوفر لهم الحماية الأساسية التي تكلفها لهم القوانين السودانية والقانون الدولي. ووفقاً لمعلومات حصلت عليها منظمة حقوق الإنسان والتنمية، فإن نحو 38 مدنياً من جنوب كردفان يخضعون للاعتقال بواسطة جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، في ما يخضع نحو 51 آخرون للاعتقال بواسطة السلطات العسكرية. ولم توجّه إلى أي منهم تهمة بارتكاب جريمة محددة.

وقال عثمان حمّيدة، المدير التنفيذي للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام: "لا ينبغي للسلطات العسكرية تحت أي ظرف من الظروف اعتقال مدنيين، حتى في ظل النزعات"، وأضاف قائلاً: "يجب على السلطات توجيه تهم لهؤلاء المعتقلين أو إطلاق سراحهم جميعاً والسماح لهم بالاستعانة بمحامين وبالزيارات الأسرية، بحسب نص القانون السوداني."

من ضمن الذين تم اعتقالهم تعسفياً 32 سيدة من قبائل النوبة في جنوب كردفان لا يزلن قيد الاحتجاز دون أن يُسمح لهن بالاستعانة بمحامين، كما لم يسمح لهن بزيارات أسرية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2012. والسبب في اعتقالهن هو الاشتباه في انتمائهن إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، الجناح السياسي للجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال، الذي ينشط في جنوب كردفان. وكان السلطات قد أحالت في الآونة الأخيرة 14 منهن إلى كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، فيما تزال بقيتهن قيد الاحتجاز في سجن الأبيض بولاية شمال كردفان.

وقال بشرى قمر، مدير منظمة حقوق الإنسان والتنمية: "استمرار حبس المعتقلين بدون توجيه تهمة لهم أو تقديمهم لمحاكمة يُعتبر انتهاكاً حتى لقوانين الأمن الوطني السوداني القمعية"، وأضاف قائلاً: "يجب إطلاق سراح هؤلاء السيدات فوراً أو أن توجَّه إليهن تهم معترف بها بموجب القانون الدولي. يُضاف إلى ذلك، يجب أن تجرى إصلاحات فورية لقوانين الأمن الوطني القمعية".

إطلاق سراح المعتقلين
أطلقت سلطات الأمن عقب تصريح الرئيس البشير في 1 أبريل/نيسان ستة معتقلين بارزين من المعارضة وناشط شاب هو حاتم علي، من سجن كوبر بالخرطوم بحري.

أعضاء المعارضة الستة هم الجنرال المتقاعد عبد العزيز خالد، رئيس المجلس المركزي لحزب المؤتمر السوداني، ومحمد زين العابدين وعبد الرحمن عبدالله، من الحركة الاتحادية، وانتصار العقلي، ممثلة تحالف النساء السياسيات، وهشام المفتي، عضو الحزب الاتحادي الديمقراطي الموحَّد، ويوسف الكودة، زعيم حزب الوسط الاسلامي. وكانت السلطات قد اعتقلت هؤلاء خلال الفترة بين 7 يناير/كانون الثاني و14 فبراير/شباط في إطار حملة أمنية مشددة على الأحزاب السياسية التي أجرت محادثات مع جماعات التمرد المسلحة في يناير/كانون الثاني،  ويخضع جميعهم للاعتقال دون السماح لهم بالاستعانة بمحام أو الحصول على رعاية طبية كافية.

وكان أفراد من جهاز الأمن والمخابرات الوطني قد اعتقلوا علي، البالغ من العمر 24 عاماً، في 23 مارس/آذار عقب مشاركته في احتجاج في الخرطوم على سياسات خصخصة الحكومة للمستشفيات العامة. طلب جهاز الأمن من علي العودة في اليوم التالي، حيث تم احتجازه حتى 1 أبريل/نيسان دون أن توجَّه له تهمة، كما لم يُسمح له بأي زيارة أسرية أو مقابلة محام.

أطلقت سلطات الأمن بالخرطوم في 4 أبريل/نيسان سراح ثلاثة أفراد ينتمون لقبائل النوبة كان قد تم اعتقالهم بسبب الاشتباه في انتمائهم للحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال دون أن يُسمح لهم بالاستعانة بمحامين أو بزيارات أسرية.

إذ تم اعتقال عمر سليمان كومي لمدة 11 شهراً تقريباً منذ إلقاء القبض عليه في 10 مايو/أيار، في ما جرى اعتقال الاثنين الآخرَين، الصادق عبد الله العركي وأسماء أحمد المنصوري، لمدة تزيد على 5 شهور منذ إلقاء القبض عليهما في العباسية، جنوبي كردفان، يومي 26 و27 أكتوبر/تشرين الأول، وتم نقلهم في نوفمبر/تشرين الثاني إلى الجناح التابع لجهاز الأمن والمخابرات في سجنين بالخرطوم وأمدرمان.

أما في دارفور، حيث دخل القتال بين الحكومة وقوات التمرد عامه العاشر، فقد أطلقت سلطات جهاز الأمن والمخابرات الوطني في 1 أبريل/نيسان سراح مجموعة من ستة طلاب وأخرى من ثلاثة طلاب في 6 أبريل/نيسان. وكانت سلطات الأمن قد ألقت القبض على الطلاب في 23 مارس/آذار عقب اجتماع بجامعة نيالا للجبهة الشعبية المتحدة، وهي تنظيم طلابي موال لجناح حركة تحرير السودان الذي يقوده عبد الواحد النور.

وأفاد الطلاب بأنهم تعرضوا للضرب بالعصي والأسلاك الكهربائية، كما أفادوا أيضاً بأن سلطات جهاز الأمن قد حبستهم في زنزانة واحدة، ولم تسمح لهم بمقابلة محامين أو بزيارات أسرية أو علاج طبي إلى أن تم إطلاق سراحهم دون أن توجيه تهمة إلى أي منهم.

أطلقت سلطات الأمن بالخرطوم في 11 أبريل/نيسان سراح أربعة من أعضاء حزب المؤتمر الشعبي المعارض كانوا معتقلين في سجن كوبر لمدة ثماني سنوات. وقال محاميهم، كمال عمر، لـ هيومن رايتس ووتش في مكالمة هاتفية، إن محكمة خاصة قد أدانتهم وحكمت عليهم بالسجن لمدة 15 عاماً على خلفية التورط في محاولة مزعومة للإطاحة بالحكومة عام 2002.

أطلقت السلطات أيضاً سراح الطالب محمد عثمان موسى، 27 سنة، في 15 أبريل/نيسان. وكان موسى، وهو طالب من دارفور، قد ظل قيد الاعتقال لمدة ثلاثة شهور دون أن توجِّه له السلطات أي تهمة منذ إلقاء القبض عليه بواسطة أفراد في جهاز الأمن والمخابرات الوطني في 17 ديسمبر/كانون الأول من حافلة للمواصلات العامة في مدينة أمدرمان. ظل موسى معتقلاً في مكان غير معلوم إلى أن تم نقله أواخر فبراير/شباط إلى سجن كوبر.

العشرات لا يزالون قيد الاعتقال
لا يزال 100 معتقل مدني، على الأقل، قيد الاعتقال بدون تهمة بسبب الاشتباه في انتماءاتهم السياسية، وغالبيتهم ظلوا في الحبس الانفرادي لمدة شهور في مراكز اعتقال تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني والجيش.

وتشير نتائج البحث الذي أجرته هيومن رايتس ووتش والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام ومنظمة حقوق الإنسان والتنمية إلى أن غالبية هؤلاء المعتقلين من جنوب كردفان والنيل الأزرق. وبسبب القيود التي تفرضها الحكومة السودانية لم يتسن التحقُّق من عدد الذين يخضعون للاعتقال على خلفية الانتماء السياسي في دارفور.

جدير بالذكر أن قانون الأمن الوطني والمخابرات لسنة 2010 يمنح جهاز الأمن والمخابرات الوطني سلطات واسعة في إلقاء القبض على الأفراد واحتجازهم لمدة تصل إلى أربعة أشهر ونصف الشهر بدون أن توجَّه لهم تهمة ومن دون أي إجراء قضائي، كما يمنح هذا القانون جهاز الأمن سلطات واسعة في التفتيش والمصادرة، فضلاً عن منحه حصانة لأفراده من المحاكمة. وكانت منظمات حقوق الإنسان قد ظلت تناشد السودان منذ سنوات بإصلاح القانون وجعله متماشياً مع المعايير الدولية.

ثمة اعتقاد واسع في أن المعتقلين لدى جهاز الأمن والمخابرات الوطني يواجهون خطر سوء المعاملة والتعذيب، إذ تحدث عشرات من الذين تم إطلاق سراحهم من معتقلات جهاز الأمن والمخابرات خلال الأشهر الأخيرة عن خضوعهم للتعذيب وسوء المعاملة. كما ان الحبس الانفرادي لفترة طويلة قد يعتبر في حد ذاته خرقاً للحظر المطلق للتعذيب بموجب القانون الدولي.

وكان المدير العام السابق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، صلاح قوش، قد اعتُقل بدون ان توجَّه له تهمة، ولم يُسمح له بمقابلة محام أو بزيارات أسرية منتظمة لفترة امتدت إلى أكثر من خمسة شهور. وأعرب محاموه وأسرته عن قلقهم على وضعه الصحي.

جرى اعتقال قوش من منزله في 22 نوفمبر/تشرين الثاني على خلفية محاولة انقلابية فاشلة، حسب ما تزعم الحكومة. تمت إحاطة القضية بسياج من السرية، وأشارت تقارير في 14 أبريل/نيسان إلى أن محكمة عسكرية قد بدأت النظر في محاكمة قوش، إلا أن تفاصيل التهم الموجهة إليه لا تزال غير معروفة.

خلفية
ازدادت خلال الأشهر الأخيرة وتيرة قمع الحكومة السودانية للتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني. إذ أغلقت السلطات أربع من منظمات المجتمع المدني في ديسمبر/كانون الأول، متهمة إياها بتلقي أموال من الخارج، كما أغلقت مجموعات ثقافية للنوبة، فضلاً عن إعادة فرض قيود على وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة.

جاء إعلان البشير، في 1 أبريل/نيسان، بشأن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في سياق وعود بتهيئة مناخ جديد للحريات. إذ قال في معرض تصريحه: "وقد كفلنا مناخ الحريات وتأمين حرية التعبير للأفراد والجماعات، وتأكيداً لذلك فإننا نعلن قرارنا بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين."

جاءت هذه الوعود عقب خطاب سياسي إيجابي لنائبه علي عثمان محمد طه قبل ثلاثة أيام دعا فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال للمشاركة في الحوار حول دستور جديد للبلاد.

لم تتم إجازة دستور جديد للسودان عقب انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011. ويدور الجدل العام حول الدستور وسط استقطاب متزايد بشأن دور الدين، إذ تتكتل بعض المجموعات ذات التوجه الإسلامي تأييداً لفرض صيغة مشددة للشريعة الإسلامية، في ما تؤيد قوى المعارضة إعداد دستور يعترف بالتعدد والتنوع في البلاد عقب انفصال جنوب السودان.

وينص دستور السودان الحالي، الدستور الوطني الانتقالي لسنة 2005، الذي تمت إجازته عقب التوقيع على اتفاق السلام الشامل الذي وضع نهاية للحرب الأهلية، على وجود جهاز للأمن الوطني بدون سلطات اعتقال واحتجاز.