أطبق على الشعب السوري شرك مسار حلزوني كريه آخذ في الانحدار نحو الأسفل. إذ لا تنم المجازر التي ترتكبها الحكومة سوى عن وطأة متصاعدة في شدتها، نتيجة لاتباع الرئيس الأسد لاستراتيجية لا تعرف الرحمة هي استراتيجية "نزح البحر للحصول علىسمكة" وذلك بمهاجمته المدنيين دفعاً بهم للفرار  وترك المعارضة المسلحة في حالة عزلة.

وفي الوقت ذاته تشمل الجماعات التي تتألف منه المعارضة المسلحة الآخذة في التمدد على الأرض، بعضاً ممن يمارسون التعذيب ويقومون بإعدام أسراهم ويروجون للكفاح الطائفي. إن الانتهاكات التي يرتكبها هؤلاء، وإن كانت لا تقارن قياساً بالمجازر التي تديرها الحكومة، إلا أنها تشجع أقليات سوريا على الالتحام بالأسد القاتل عوضاً عن تحمل مخاطر مستقبل غامض تحت حكم قوى التمرد.

وكان الائتلاف الوطني السوري قد تكون بغرض توفير بناء موحد لسلطة إصدار الأمر يكون بمقدوره أن يحل محل الأسد، وكبح جماح قوات التمرد التي ترتكب الانتهاكات،  وتعزيزحقوق الأقليات والسعي لتحقيق انتقال يحفظ على أركان الدولة تماسكها، تلافياً لانهيارها بصورة تفضي للفوضى. إلا أن الائتلاف لم يكتسب حتى الآن سوى القليل من النفوذ، إذ ليس لديه ما يقدمه للشعب مما قد يخفف من معاناته.

و تبرز، في أدنى حدود التصور، الحاجة لتدفق كبير الحجم من المساعدات الإنسانية.

إلا أن المانحين قد درجوا حتى الآن على إرسال المعونة من خلال عمليات ترتكز قواعدها في دمشق؛ مما يعني وصول القليل منها للمناطق الخاضعة للمعارضة في سوريا حيث تبلغ المعاناة أقصى درجات حدتها، بل وحتى في الحالات التي يكون أصحاب الحاجة فيها على مقربة من مواقع عمليات الإغاثة الرئيسية داخل الحدود التركية.

تخشى بعض منظمات الإغاثة الإنسانية من مهاجمة الحكومة لها أو قيامها بإيقاف عملياتها التي تتخذ من دمشق قاعدة لها إذا ما باشرت عملياتها عبر الحدود السورية. فيما تبسط غيرها من المنظمات الأمر بالسير على القواعد المعتادة التي وضعتها الأمم المتحدة والإذعان لإرادة الحكومة السورية.

ينبغي إذن على بعض الجهات المانحة على الأقل الفكاك من ذلك المنطق، وعليها أن تجمع بكثافة تلك الكميات المتنامية، وإن كانت في جملتها غير وافية، من المعونات الإنسانية التي تعبر حالياً إلى سوريا من تركيا من خلال المنظمات غير الحكومية. كذلك يجب تسليم المعونات بالتنسيق مع العناصر التي تراعي حقوق الإنسان من بين أبنية الحوكمة المدنية الأولية التي تم تكوينها في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من سوريا.

قد يساعد ذلك في تخفيف معاناة حقيقية. كما وقد يعزز نفوذ الأصوات الصادرة عن كل من المجتمع الدولي وأبنية الحوكمة المدنية السورية والتي تحض مقاتلي المعارضة على احترام حقوق الإنسان وقبول تصور لبلد يضم كافة السوريين.

ينبغي، في التصور المثالي، لتعظيم الفعالية، أن يتم إرسال المعونات التي تمر عبر الحدود برضاء دمشق، أو بتصديق من مجلس الأمن بالأمم المتحدة. ولكن إذا كان تصلب الأسد وداعميه الروس من بين المعطيات، عندئذ ينبغي على المجتمع الدولي ألا يقبع في انتظار الإذن.

وقد تستمر القوات الحكومية كذلك في محاولاتها لقصف المعونة، مثلما هاجمت المخابز وكذلك طوابير الخبز في شمال سوريا. إلا أن القيام بذلك التخريب الوقح لجهود الإغاثة ينبغي له أن يكون محفوفاً بمخاطر اتخاذ خطوات عقابية من النوعية الذي لم يبد المجتمع الدولي حتى الآن نية اتخاذها.

وحتى إذا ما بدأ إرسال المعونات على نطاق واسع عبر الحدود، فإنه من المهم عدم تكرار ظاهرة "الموتى المتخمين" التي عرفتها البوسنة، حين ركز المجتمع الدولي اهتمامه على المعونات الإنسانية للمدنيين عوضاً عن إيقاف المجزرة المعرضين لها.

يخشى المجتمع الدولي الذي يتحمل "المسئولية عن حماية" الشعب السوري، أن يصبح تزويد المعارضة بالسلاح أو الدعم العسكري بمثابة مساهمة منه في مستقبل قمعي بدرجة أكبر، أو في حرب أهلية طائفية.

غير أن لدى العناصر الجهادية في المعارضة شبكاتهم الخاصة للحصول على الأسلحة، مما يعزز ميل المجتمع الدولي للسلبية، ويسمح في الوقت ذاته للأسد بحشد أنصاره مستفيداً من نفوذ تلك العناصر.

لقد فرض المجتمع الدولي عقوبات على القيادة السورية، إلا أن الإجراءات الأشد صرامة من قبيل العقوبات الدولية الشاملة، أو فرض حظر على توريد السلاح لقوات الأسد، أو انعقاد المحكمة الجنائية الدولية، قد أعيقت جميعها بفعل النقض (الفيتو) الروسي الذي أيدته الصين.

يخطئ المجتمع الدولي إذ يتخذ من المعاوقة الروسية سبباً للاستسلام. إذ أنه يمكن بل وينبغي عمل ما هو أكثر، بدءاً من زيادة المعونة الإنسانية التي تمر عبر الحدود زيادة كبيرة، وإذا ما نجحت تلك المعونات في دعم العناصر المراعية لحقوق الإنسان بين صفوف المعارضة المسلحة، فسوف يكون لذلك آثار هامة باتجاه الهدف.

كما وقد يتمتع  بناء مدني للحوكمة يتسم بالقوة ويحظى بالاحترام بقدر أكبر من السلطة تتيح له التفاوض بشأن انتقال منظم للسلطة عوضاً عن اختلاط للحابل بالنابل وحرب أهلية يفزع شبحها الجميع. بل وبإمكانه أيضاً تقليل المخاوف من أن تكون الحكومة اللاحقة أسوأ من النظام الحاكم حالياً.

ينبغي أن تضاعف المذبحة الدائرة في سوريا مجدداً عزمنا على وضع نهاية لها. إن عملية إنسانية ضخمة عبر الحدود لهي أمر ذو جدوى، وبالإمكان أن تسهم في خلق دورة فضلى تمس حاجة سوريا إليها كي تلجم  المذبحة التي يتعرض لها المدنيون.

كينيث روث هو المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش