قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن السلطات السودانية صعّدت من إجراءات الرقابة والتضييق على الصحفيين واعتقال المعارضين السياسيين في أعقاب المواجهات المسلحة مع جنوب السودان في الآونة الأخيرة.

وقال دانيال بيكيل، مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تشن السلطات السودانية حملة مشددة على خلفية النزاع ومعارضة النظام عقب القتال الذي اندلع مؤخراً مع دولة جنوب السودان. إلا ان حبس المعارضين وإسكات الأصوات المعارضة لن يؤدي إلى حل مشاكل السودان."

وكان القتال الذي اندلع منتصف أبريل/نيسان 2012 بين السودان وجنوب السودان، الذي نال استقلاله في 9 يوليو/تموز 2011، على طول الحدود المتنازع عليها، قد أفرز أجواء عدائية حادة صاحبها قمع متزايد في السودان. إذ مارست السلطات الأمنية التضييق على الصحفيين وأعضاء المعارضة، كما منعت السلطات خلال الأشهر الأخيرة 15 صحفياً من العمل، حسبما أفادت جمعيات صحيفة في السودان.

فقد استدعى جهاز الأمن والاستخبارات الوطني الصحفي السوداني المعروف والناشط الحقوقي فيصل محمد صالح إلى مكاتب الجهاز ليل الأربعاء 25 أبريل/نيسان بسبب تعليقات أدلى بها لقناة الجزيرة الفضائية. ويعمل صالح أيضاً أستاذاً للصحافة، وهو معروف كمعلق مستقل لا ينتمي إلى حزب سياسي.

أطلقت سلطات الأمن سراح صالح في نفس الليلة لكنها أمرته بالحضور إلى مكاتب جهاز الأمن يومياً. وتنفيذاً للأوامر كان صالح يذهب بصورة يومية إلى مكاتب جهاز الأمن والاستخبارات الوطني ويظل منتظراً في صالة الاستقبال طوال اليوم لمدة أسبوعين. وكتب صالح، في 7 مايو/أيار، في بيان حول محنته: "الغرض من استدعائي بصورة يومية هو إهانتي وعرقلة عملي". وعند رفضه الاستمرار في الذهاب إلى مكاتب جهاز الأمن توجه أفراد من الأمن إلى منزله وأجبروه على الحضور مرتين في 8 و9 مايو/أيار الجاري. ووجه مسؤولو الأمن في 15 مايو/أيار تهماً جنائية إلى صالح لرفضه تنفيذ تعليماتهم. وفي حال إدانته، فإن صالح سيواجه عقوبة الحبس شهراً.

وقال فيصل الباقر، الناشط الحقوقي السوداني في مجال حرية الإعلام، لـ هيومن رايتس ووتش: "من الواضح أن السلطات استهدفت صالح بسبب انتقاده لسياسات الحكومة"، وأضاف قائلاً: "يريدون حرمانه من حقه في التعبير."

وكان صالح قد علّق على حديث للرئيس عمر البشير في 19 أبريل/نيسان تعهد فيه بالاستيلاء على جنوب السودان ووصف فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان بـ"الحشرات".

وأدلى البشير بحديثه، الذي انتشر على نطاق واسع، في اليوم الذي أعلنت فيه دولة جنوب السودان انسحابها من منطقة هجليج المنتجة للنفط بالقرب من منطقة أبيي المتنازع عليها، والتي تقول دولة جنوب السودان إنها جزء من أراضيها. وكانت منطقة هجليج قد شهدت قتالاً بين الجيش السوداني وقوات دولة جنوب السودان خلال فترة منتصف أبريل/نيسان، في ما كانت القوات الجوية السودانية تقصف مواقع استراتيجية في جنوب السودان.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه في الوقت الذي طغى فيه حديث الحرب والمواجهة على تصريحات وتعليقات المسؤولين الحكوميين، درجت صحيفة الانتباهة المحافظة على استخدام خطاب عدائي تجاه دولة جنوب السودان وغير المسلمين، وصاحب ذلك حملة مشددة من جانب السلطات على الكتابات التي تنتقد الحكومة.

فعلى سبيل المثال، خضع لرقابة جهاز الأمن والاستخبارات الوطني مقال رأي في جريدة الصحافة بعنون "الحل ليس عند أهل الإنقاذ وحدهم"، ومقال آخر للرأي بصحيفة التيار كتبه اسلامي معتدل طارحاً فيه تساؤلات حول ادعاء السودان تحقيق انتصار عسكري في هجليج. واستدعى مسؤولو الأمن في 15 مايو/أيار الصحفي حسن اسحق، الذي يكتب في صحيفة الجريدة اليومية، ووجهوا إليه أمراً بعدم الكتابة عن النزاع في هجليج.  

واستدعى جهاز الأمن والاستخبارات الوطني في 25 أبريل/نيسان الصحفي حيدر المكاشفي، الذي يعمل بجريدة الصحافة، على خلفية مقال حول حرق كنيسة بواسطة أتباع إمام محلي متطرف. منع مسؤولو الأمن المكاشفي من الكتابة إلى أن يتلقى منهم تصريحاً منهم بذلك، لكنه لم يتلق أي تصريح حتى 15 مايو/أيار.

وتناول المقال الصحفي للمكاشفي واحداً من أكثر أحداث العنف الطائفي إثارة للصدمة خلال السنوات الأخيرة، كما سلط الضوء كذلك على العداء الإثني والديني الذي برز غداة النزاع في هجليج. فقد دخلت مجموعة كبيرة من السكان، غالبيتهم من الرجال، في21 أبريل/نيسان، مجمع كنسي في منطقة الجريف غرب الخرطوم وأضرموا النار في الكنيسة ونهبوا محتوياتها في ما كان رجال الشرطة يشاهدون ما يحدث دون ان يتدخلوا. وقال شهود أن المهاجمين كانوا يرددون خلال نهب محتويات المجمع الكنسي هتافات مثل: سنقتل الحشرات، سنقتل العبيد".

وقال دانييل بيكيل: "السودان يحظر الصحفيين من العمل ويفرض رقابة على مقالاتهم التي تتناول قضايا ذات أهمية كبيرة في وقت تتسم فيه الأوضاع بعدم الاستقرار"، وأضاف قائلاً: "يجب أن تكف الحكومة السودانية فوراً عن استخدام هذه التكتيكات وأن تبدي احترامها للحريات الأساسية".

يجوز لمسؤولي جهاز الأمن والاستخبارات الوطني بموجب القانون السوداني حظر المطبوعات التي يرون انها تشكل تهديداً للأمن الوطني. وقالت هيومن رايتس ووتش إن تكتيك منع الصحفيين من مواصلة عملهم بتعليمات شفاهية لا يستند فيما يبدو إلى أساس قانوني واضح.

وجّه مسؤولو الأمن أيضاً تعليمات إلى رؤساء التحرير بعدم الكتابة عن النزاع في هجليج. ففي 5 مايو/أيار اتصل مسؤول أمني بمديحة عبد الله، رئيسة تحرير صحيفة الميدان المعارضة، وأمرها بعدم نشر مقالات صحفية حول مواضيع محددة. وقالت مديحة لـ هيومن رايتس ووتش: "أبلغوني هاتفياً بعدم نشر أي مقالات تنتقد أداء أجهزة الأمن والقوات المسلحة والشرطة وعدم انتقاد الرئيس وعدم الكتابة عن أوضاع الحريات المدنية والحريات الصحفية."

وقال مسؤول التحرير في صحيفة الجريدة، إدريس الدومة، إن مكتبه يتلقى مكالمات هاتفية مماثلة من جهاز الأمن. وقالت جمعيات صحفية سودانية ان السلطات منعت الإعلام من الكتابة حول 29 موضوعاً.

صادرت سلطات الأمن أيضاً بعض الصحف في الآونة الأخيرة. ففي 14 مايو/أيار صادر جهاز الأمن صحيفة الميدان للمرة السادسة خلال الشهر. كما صادر ستة أعداد من صحيفة الجريدة، وصادر عدد صحيفة التيار يوم 8 مايو/أيار. استأنفت سلطات الأمن فيما يبدو إجراء الرقابة القَبْلية (الرقابة على الصحف قبل الطبع)، من خلال إرسال عناصر الأمن إلى مكاتب الصحف وإصدار تعليمات بحذف مقالات صحيفة محددة من المفترض ان تصدر في الطبعة المزمع نشرها في اليوم التالي. وكان جهاز الأمن قد استخدم هذا الإجراء بصورة متقطعة خلال السنوات الأخيرة. وخضعت مقالات عدد صحيفة الجريدة المفترض صدوره يوم 11 مايو/أيار لرقابة مشددة على نحو اضطر الصحيفة لتعليق صدورها في ذلك اليوم. 

شنت سلطات الأمن حملة مشددة على من تشتبه في أنهم معارضون سياسيون. وفي ما لم تتعلق هذه الاعتقالات بأحداث هجليج على نحو مباشر، فإنها تشكل جزءاً فيما يبدو من عمليات القمع الواسعة خلال الأسابيع الأخيرة.

اعتقلت سلطات جهاز الأمن والاستخبارات الوطني في 21 أبريل/نيسان علوية عثمان إسماعيل كبيدة، وزيرة الصحة السابقة بولاية سنار، وازدهار جمعة، المحامية والوزيرة الولائية السابقة، دون سبب محدد. وتشغل كلتاهما مواقع في الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال المعارض، الذي ظهر عقب استقلال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011.

تخضع علوية كبيدة للاعتقال في مبنى تابع لجهاز الأمن والاستخبارات، ولا تسمح السلطات لها بمقابلة محام أو بالزيارة من أسرتها، وتشير تقارير إلى سوء وضعها الصحي، في ما تخضع ازدهار جمعة للإقامة الجبرية لمراعاة أطفالها.

وقد اعتقلت عناصر جهاز الأمن والاستخبارات ببورتسودان، في ولاية البحر الأحمر،  أعضاء آخرين في الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال في 22 أبريل/نيسان، ولا يزالون رهن الاعتقال، حسبما أفادت جماعات حقوقية سودانية.

وفي حملات اعتقال مماثلة، استهدفت سلطات الأمن أعضاء الحركة الشعبية-قطاع الشمال وناشطين في منظمات المجتمع المدني من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولا يزال هؤلاء قيد الاعتقال منذ اندلاع النزاع في جنوب كردفان في يونيو/حزيران 2011. وكانت السلطات السودانية قد حظرت الحركة الشعبية-قطاع الشمال في سبتمبر/أيلول 2011، عقب اندلاع النزاع في النيل الأزرق، واعتقلت العشرات من أعضاء الحركة، الذين لا يزالون قيد الاعتقال حتى الآن.

اعتقل جهاز الأمن والاستخبارات الوطني في مارس/آذار المعلمة جليلة خميس كوكو، عضوة الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال، من منزلها بالخرطوم. لا تزال جليلة قيد الاعتقال في الخرطوم دون أن يسمح لها بالاتصال بمحام أو بزيارة اسرية. كما لا يزال بشرى قمر حسين رحمة، مؤسس منظمة تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان في مناطق جبال النوبة، قيد الاعتقال أيضاً منذ يونيو/حزيران 2011 في سجن كوبر دون أن يسمح له بالاتصال بمحام أو بزيارة أسرية. كما يعاني كذلك من مشاكل صحية فاقم منها إضرابه عن الطعام مرتين.

يتمتع جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، بموجب القانون السوداني، بسلطات واسعة في التفتيش والمصادرة والاعتقال والحبس لمدة تصل إلى أربعة شهور ونصف الشهر من دون إجراءات قضائية، الأمر الذي يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية. ومعروف عن جهاز الأمن إساءة معاملة المعتقلين وتعذيبهم.

وقال دانيال بيكيل: "هذه الاعتقالات مشينة"، وأضاف: "يجب على السلطات أن تطلق سراح المعتقلين فوراً أو أن توجه لهم تهماً محددة يحاسب عليها القانون، ويجب أن تسمح لهم بالاتصال بمحامين والاتصال بأسرهم والسماح لهم بالزيارات العلاجية".