© 2011 Human Rights Watch

(تونس، 12 أبريل/نيسان 2012) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن قرار وزارة الداخلية التونسية بالترخيص لتنظيم مظاهرات سلمية في أهم شارع في العاصمة يُعتبر خطوة إيجابية، ولكنها غير كافية لحماية الحق في التجمع والتظاهر. يجب على السلطات التونسية ضمان ممارسة هذا الحق بشكل كامل وذلك بمراجعة القوانين المتعلقة بالاجتماعات العامة، والتحقيق في أعمال العنف التي جدّت مؤخرًا، وملاحقة أعوان قوات الأمن الذين استعملوا القوة المفرطة ضد العديد من المتظاهرين وتسببوا لهم في كسور وإصابات أخرى.

جدّت هذه الأعمال أثناء مسيرة، كانت سلمية في معظمها، متوجهة إلى شارع الحبيب بورقيبة، رمز الثورة التونسية، رغم صدور قرار عن وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة في 28 مارس/آذار 2012 يقضي بمنع التظاهر فيه إلى أجل غير مسمى. وقامت العديد من الجمعيات وأحزاب المعارضة في تاريخ سابق بالدعوة إلى المسيرة تخليدًا لذكرى 9 أبريل/نيسان، وهو عيد الشهداء الذين سقطوا سنة 1939 في مواجهة الاستعمار الفرنسي. واستنادًا إلى منظمي المسيرة، تم الإبقاء على التاريخ المقرر لها للاحتجاج على قرار منع التظاهر في شارع بورقيبة الذي اعتبروه تعسفيًا وقامعًا لحق التونسيين في التظاهر. وردد المتظاهرون شعارات من قبيل "لا خوف، لا رعب، الشارع ملك الشعب".

وقال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن العودة إلى استعمال العنف ضد المتظاهرين في أهم شوارع تونس يكشف عن استمرار وجود الأجهزة التي سمحت بالقمع في الماضي، وخاصة في ظل وجود قوانين قمعية، والإفلات من المحاسبة الذي كانت تتمتع به قوات النظام".

وفي 11 أبريل/نيسان، أعلنت وزارة الداخلية عن مراجعة قرار منع المسيرات في شارع بورقيبة. وذكر البلاغ الذي أصدرته الوزارة أن السماح بالتظاهر في هذا الشارع مشروط بأن "تكون المسيرات سلمية وتحترم نظام الأولوية، والتناوب، وكذلك المسلك والتوقيت المعلن عنهما". كما أعلن البلاغ عن فتح تحقيق في تجاوزات قوات النظام دون أن يذكر كيفية القيام بذلك.

وشاهد باحثو هيومن رايتس ووتش، الذين تواجدوا في المكان يوم 9 أبريل/نيسان من العاشرة صباحًا إلى الثانية ظهرًا، قوات الأمن تهاجم المتظاهرين دون إنذار مسبق في شارع محمد الخامس، البعيد عن شارع بورقيبة حيث يُمنع التظاهر. كما لاحظ الباحثون وجود أعوان شرطة في الزي الرسمي، وأشخاص آخرين في ملابس مدنية يرتدون سُترات عليها كلمة "شرطة"، يلاحقون المتظاهرين إلى الشوارع المحاذية، ويطلقون قنابل مسيلة للدموع من مسافات قريبة، وتسببوا في إصابة العديد منهم.

حصلت هيومن رايتس ووتش على شهادات ثمانية شهود أكدوا جميعًا أن قوات الأمن قامت بتعنيفهم وضربهم بالهراوات وركلهم بالأرجل، وهو ما نتج عنه نقلهم إلى المستشفى.

وتحدث جوهر بن مبارك، ناشط مدني ومنسق شبكة دستورنا، وهي شبكة اجتماعية تم إنشاؤها بعد الثورة وشاركت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، الى هيومن رايتس ووتش عن هجوم قوات الأمن الذي تعرض له بينما كان قرب وزارة الداخلية في شارع بورقيبة حوالي الساعة 11 صباحًا:

كنت مع العديد من النشطاء من شبكة دستورنا وأشخاص آخرين أمام رجال الشرطة. وفجأة، قام هؤلاء بمهاجمتنا، دون أي سبب، وقام أحدهم بضربي بهراوة مرتين اثنتين فتسبب لي بكسر على مستوى ذراعي. وبعد ذلك بقليل، قام حوالي عشرة أعوان أمن بمحاصرتي، بينما كان خلفهم أشخاص في لباس مدني وجهوا إلي جميع أصناف الشتائم. وفي الوقت الذي كانت فيه الشرطة تجرني إلى سيارة الأمن، لحق بها هؤلاء الأشخاص وقاموا بضربي وإهانتي. أجبروني على الصعود إلى سيارة أمن في مستوى شارع باريس. بقيت هناك برهة من الزمن إلى أن وردت عليهم مكالمة هاتفية. وبعد ذلك، ساروا بي إلى شارع محمد الخامس وهناك طلبوا مني النزول من السيارة. رفضت ذلك وقلت لهم إني أرغب في فتح محضر في مركز الشرطة، وعندها وجه لي أحد رجال الأمن لكمة في وجهي.

وقال حسن قصّار، عضو حزب البعث، وهو حزب مرخص له ذو توجه قومي، انه تعرض للضرب على يد أكثر من عشرة أعوان أمن قاموا بمهاجمته بينما كان يفر من الغاز المسيل للدموع. كما تحدث حسن قصار لـ هيومن رايتس ووتش عن محاصرته من قبل رجال الشرطة الذين قاموا بركله وضربه بالهراوات في كامل أنحاء جسمه، وتسببوا له في كدمات وجروح على مستوى الحوض.

ولم يستثن العنف الذي مارسته قوات الأمن مواطنين تونسيين قادمين من سيدي بوزيد، مهد انطلاق الشرارة الأولى للثورة في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010. وكان قرابة 15 شابًا من سيدي بوزيد قد شرعوا في 3 أبريل/نيسان بالسير في مسيرة مشيًا على الأقدام لمسافة 280 كيلومتر نحو العاصمة للفت انتباه الرأي العام إلى التهميش الذي قالوا إنهم مازالوا يعانونه. ووصل هؤلاء الشبان إلى تونس العاصمة يوم 9 أبريل/نيسان حوالي الساعة العاشرة صباحًا، وتجمعوا في ساحة حقوق الإنسان في شارع محمد الخامس للاستراحة بعد المسافة الطويلة التي قطعوها، وفي ذلك الوقت قامت قوات الأمن بمهاجمتهم. وقال عماد الحمروني، منسق هذه المسيرة، لـ هيومن رايتس ووتش إن قرابة عشرة أعوان أمن قاموا بمهاجمته رغم أنه أعلمهم أنه من المشاركين في المسيرة القادمة من سيدي بوزيد، وتلقى ضربة في الرأس أفقدته الوعي وتسببت له في عديد الغرز. وكانت إصابة عماد الحمروني ظاهرة للعيان لما التقت معه هيومن رايتس ووتش.

وتم فرض منع التظاهر في شارع بورقيبة كردّ على أعمال عنف ارتكبتها مجموعات سلفية في 25 مارس/آذار حين سُمح بمسيرة لمجموعات إسلامية راديكالية وأخرى لفنانين احتفالا بيوم المسرح. وبعد ذلك قررت وزارة الداخلية حظر "تنظيم التظاهرات والمسيرات وغيرها من أشكال التعبير الجماعي بكامل شارع الحبيب بورقيبة". وبحسب الوزارة، اشتكى عدد كبير من المؤسسات التجارية والسياحية من الضرر الذي لحق بهم بسبب المسيرات التي تُنظم في أهم شارع في العاصمة.

لم يكن القرار الذي تم اتخاذه متناسبًا مع القيود المحدودة جدًا التي يسمح القانون الدولي بفرضها على حرية التجمع. ورغم أنه يمكن تقييد حرية التعبير وحرية التجمع، استنادًا إلى المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلا أن هذا التقييد يجب أن يستند إلى أسباب من قبيل حفظ النظام العام، ويجب أن يستجيب إلى معايير محددة وضرورية في مجتمع ديمقراطي، ومتناسبة مع الهدف المرجو تحقيقه، وغير تعسفية. ولكن قرار وزارة الداخلية بمنع جميع أشكال التظاهر لأجل غير مُسمى في الشارع الرئيسي في تونس العاصمة، ودون اقتراح أي فضاء مركزي آخر للقيام بمسيرات، ودون توفير إمكانية استئناف القرار، يُعتبر قرارًا مطلقًا يمسّ حرية التجمع.

وتُذكر هيومن رايتس ووتش أن السلطات المؤقتة في تونس حافظت على العديد من القوانين القمعية من الحقبة الماضية، وخاصة القانون المتعلق بالاجتماعات العامة (قانون رقم 69ـ4 الصادر في 24 يناير/كانون الثاني 1969، كما تم تنقيحه)، الذي يُعطي للسلطات صلاحية مطلقة لمنع التجمعات العامة والمسيرات التي من شأنها "تعكير صفو الأمن والنظام العامين"، وهي عبارة فضفاضة يُمكن أن تطبقها السلطات بشكل تعسفي. ويتعين على المجلس الوطني التأسيسي مراجعة هذا القانون للحد من السلطة الواسعة التي تتمتع بها السلطات لمنع التجمعات العامة. ويجب أن ينص القانون الجديد على ضرورة أن تقدم السلطات تبريرات واضحة ومحددة لمنع أو تقييد التجمعات. وقالت هيومن رايتس ووتش إن القانون يجب أن ينص أيضًا على إمكانية استئناف قرارات المنع.

وفي بلاغ رسمي صدر في 9 أبريل/نيسان، قالت وزارة الداخلية إن أعوان الأمن ردوا على استفزازات المتظاهرين الذين اعتدوا عليهم ورموهم بالحجارة وتسببوا في إصابة ثمانية منهم. ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد من هذه المعلومة. ودون استبعاد ارتكاب بعض المتظاهرين لأعمال عنف معزولة، تؤكد المعلومات المتوفرة أن الشرطة استعملت القوة بشكل مفرط خلال هذه الأحداث.

وعملا بالقانون الدولي، لا يحق لقوى النظام استعمال القوة إلا في إطار الحدود التي يقتضيها القيام بالواجب كما حددته المادة 3 من مدونة سلوك المسؤولين عن تطبيق القانون (التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر/كانون الأول 1979، القرار رقم 34/169).

وبغضّ النظر عن نتائج التحقيق، يجب على وزير الداخلية، علي العريض، إصدار تعليمات واضحة لجميع أعوان الأمن باحترام الحق في التجمع، وعدم اللجوء إلى القوة إلا كحلّ أخير، علماً بأن عدم احترام ذلك يعرضهم لعقوبات.

وقال اريك غولدستين: "إن غياب التحقيقات الجدية في تجاوزات قوات الأمن من شأنه زيادة إحساس الإفلات من العقاب الذي تشعر هذه القوات أنها تتمتع به. ويجب على وزارة الداخلية أن لا تتأخر أكثر في فتح تحقيق حول التجاوزات لوضع نهاية لدوامة العنف".