(لندن) – قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن الحكومة الأثيوبية تقوم بموجب برنامج "تعمير القرى" بالتهجير القسري لنحو 70 ألف شخصاً من السكان الأصليين من منطقة غرب غامبيلا إلى قرى جديدة يعوزها الطعام والأراضي الزراعية والرعاية الصحية ومرافق التعليم. تكرر تهديد قوات أمن الدولة واعتداءها على سكان القرى واعتقالهم تعسفاً، ممن يقاومون قرارات النقل.

تقرير "ننتظر الموت هنا: التهجير القسري وبرنامج "تعمير القرى" بمنطقة غامبيلا في أثيوبيا" يبحث في أول عام من برنامج قرى غامبيلا. يعرض التقرير تفصيلاً الطبيعة القسرية لعمليات النقل، وخسارة أسباب كسب الرزق وتدهور الوضع الغذائي وانتهاكات قوات الأمن ضد السكان المتأثرين. العديد من المناطق التي نُقل منها أفراد مخصصة للإيجار ضمن برنامج التنمية الزراعية التجاري الحكومي.

وقالت جان إغيلاند، مديرة قسم أوروبا في هيومن رايتس ووتش: "برنامج القرى الذي تنفذه الحكومة الأثيوبية لا يحسن الخدمات لسكان غامبيلا الأصليين، بل يؤدي إلى تدهور فرصهم الخاصة بكسب الرزق وأمنهم الغذائي. على الحكومة أن تجمد البرنامج إلى أن تضمن توفر البنية التحتية الضرورية وحتى يتم مشاورة الأفراد على النحو الواجب وتعويضهم على خسارتهم لأرضهم".

تقول الحكومة إن برنامج "القرى" مخصص لتوفير "القدرة على استخدام البنية التحتية الاجتماعية الاقتصادية الأساسية" بالنسبة للأفراد المهجرين وللبدء في "تحول اجتماعي اقتصادي وثقافي للأفراد". لكن رغم التعهد بتوفير التعويض الملائم، وفرت الحكومة موارد غير كافية لرعاية الأفراد في الوديان الجديدة، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

سكان غامبيلا هم بالأساس جماعات الأنواك والنوير الأصليين، الذين لم يتملكوا الأراضي التي عاشوا عليها واستخدموها رسمياً مطلقاً. كثيراً ما تزعم الحكومة أن هذه المناطق "غير مسكونة" أو "غير مستغلة بشكل سليم". هذا الزعم يمكن الحكومة من الالتفاف حول أحكام دستورية وقانونية لحماية السكان من التهجير.

يستند التقرير إلى أكثر من 10 مقابلة في أثيوبيا في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2011، وفي مخيم إيفو للاجئين في داداب ونيروبي في كينيا، حيث فر إلى هناك العديد من سكان غامبيلا.

وقال مزارع لـ هيومن رايتس ووتش: "تعرض أبي للضرب لأنه رفض الذهاب [إلى القرية الجديدة] مع بعض الكبار الآخرين. قال أنا ولدت هنا وأطفالي ولدوا هنا وأنا كبير ولا يمكنني الانتقال. ضربه الجيش بالعصي وكعب بندقية. نقلوه إلى المستشفى. مات بسبب الضرب – بعد أن أصابه الضعف التام".

برنامج تعمير القرى
تخطط الحكومة الأثيوبية لإعادة توطين 1.5 مليون نسمة بحلول عام 2013 في أربع مناطق: غامبيلا وعفار وصومالي وبينشانغول-غوموز. إعادة التوطين بدأت في عام 2010 في غامبيلا، وكان من المقرر بالنسبة لتلك المنطقة أن ينتقل منها 70 ألف نسمة بحلول نهاية 2011. بموجب خطة حكومة ولاية غامبيلا الوطنية، من المقرر نقل 45 ألف أسرة على مدار برنامج يستغرق ثلاثة أعوام. تتعهد الخطة بتوفير البنية التحتية للقرى الجديدة والمساعدة على ضمان سبل كسب رزق بديلة. كما ورد في الخطة أن الانتقالات طوعية.

بدلاً من تحسين الخدمات الحكومية، فإن القرى الجديدة في أغلب الحالات لا تتمتع بهذه الخدمات. أول جولة من عمليات التهجير الجبرية كانت في أسوأ وقت ممكن من العام، وهو بداية موسم الحصاد، والكثير من المناطق التي نُقل إليها الأفراد جافة وغير خصبة. تحتاج الأراضي الجديدة القريبة منهم إلى التنظيف والمساعدات الزراعية والبذور والأسمدة، التي لم توفرها الحكومة. إخفاق الحكومة في توفير المساعدات الغذائية للمهجرين أدى إلى انتشار الجوع وحالات مجاعة.

يظهر من بحوث هيومن رايتس ووتش أن سياة التهجير القسري تؤدي إلى اختلال توازن دقيق قائم في المنطقة منذ فترة طويلة. سبل كسب الرزق والأمن الغذائي في غامبيلا قليلة وشاقة. يُجبر الرعاة على ترك أعمالهم كرعاة للماشية من أجل الاستقرار الزراعي. أما المزارعين المتنقلين من موقع إلى آخر بعد أن يُطلب منهم زراعة المحصول في مكان واحد بشكل دائم فهذا يعني خطر جدب التربة وخلوها من المغذيات الأساسية. وفي غياب البنية التحتية الفعالة والإمدادات المستمرة من الغذاء، فقد تكون عمليات التهجير مهددة لحياة السكان، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

قال أحد سكان قرية جديدة لـ هيومن رايتس ووتش: "إننا نتوقع مجاعات كبيرة في العام القادم لأنه لم يتم تنظيف الأرض في الوقت المناسب. إذا نظفت الحكومة الأرض فسوف نحصل على طعام العام القادم، لكن الآن ليس أمامنا أي سبيل للحصول على الطعام".

استثمار الأراضي تجاريا
برنامج تعمير القرى يتم في مناطق مخطط لها استثمار أراضيها تجارياً على نطاق واسع. نفت الحكومة الأثيوبية على طول الخط أن يكون تهجير الأفراد في غامبيلا على صلة بتأجير مساحات كبيرة من الأراضي للزراعة التجارية، لكن سكان القرى قال لهم مسؤولون حكوميون أن هذا هو السبب وراء تهجيرهم. أكد مسؤولون محليون سابقون هذه المزاعم لـ هيومن رايتس ووتش.

قال مزارع لـ هيومن رايتس ووتش إن أثناء اجتماع أولي مع الحكومة في قريته، قال لهم مسؤولون حكوميون: "سوف ندعو المستثمرين لزراعة المحاصيل التجارية. أنتم لا تستخدمون الأرض جيداً، وهي لا نفع منها الآن".

وقال أحد الكبار لـ هيومن رايتس ووتش: "لابد أن تعرفوا بوضوح أن الحكومة جاءت بنا إلى هنا كي نموت... هنا. نريد للعالم أن يعرف أن الحكومة جلبت الأنواك إلى هنا كي يموتوا. جاءوا بنا إلى هنا بلا طعام، وباعوا أرضنا للأجانب حتى لا نعود إليها. الأرض بيعت وسوف نموت هنا معاً".

التهجير الجماعي من أجل إفساح المجال أمام الاستثمار الزراعي في غياب عملية قانونية سليمة يخرق الدستور الأثيوبي ويعرض حقوق السكان الأصليين المكفولة لهم بموجب القانون الدولي للخطر.

ومنذ 2008 وحتى يناير/كانون الثاني 2011، أجرت أثيوبيا 3.6 مليون هكتار على الأقل من الأرض، وهي المساحة التي تساوي مساحة هولندا. هناك 2.1 مليون هكتار إضافية متوفرة من خلال بنك الأراضي للاستثمار الزراعي الحكومي. في غامبيلا، 42 في المائة من إجمالي مساحة الأرض إما مخصصة للإيجار للمستثمرين أو تم منحها لمستثمرين بالفعل، طبقاً للإحصاءات الحكومية. الكثير من المناطق التي دخلت في زمام تعمير القرى هي أراضي مخصصة للاستثمار الزراعي التجاري.

وقالت جان إغيلاند: "برنامج تعمير القرى يتم في نفس المناطق التي تؤجرها الحكومة الأثيوبية لمستثمرين أجانب من أجل إجراء عمليات زراعية على مساحات واسعة". وأضافت: "هذا يفتح التساؤلات حول الدافع الحقيقي لبرنامج تعمير القرى".

دور المانحين الأجانب
المانحين الأجانب لأثيوبيا، ومنهم المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، أكدوا على أن لا صلة مباشرة لهم ببرامج تعمير القرى. إلا أن برنامج حماية الخدمات الأساسية الذي ينفق عليها المانحون يوفر خصومات للخدمات الأساسية – صحة وتعليم وزراعة وطرق ومياه – ورواتب حكومية في جميع مناطق الدولة، بما في ذلك المناطق التي يتم فيها تشييد قرى جديدة، وحيث نشاط الدولة الأساسي تهجير الناس إليها.

نتيجة للمسؤولية المحتملة المترتبة على المانحين، فقد أجرى المانحون تقييماً لبرنامج تعمير القرى في غامبيلا وبينشانغول-غوموز وخلصوا إلى أن التهجير طوعي. بحوث هيومن رايتس ووتش الميدانية ومقابلاتها مع السكان أثببت على وجود مؤشرات على أن التهجير بالإكراه.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على المانحين الدوليين ضمان عدم توفير الدعم للتهجير القسري أو تيسير انتهاك حقوق الإنسان باسم التنمية. لابد أن يتم الضغط على أثيوبيا حتى تتحمل مسؤولياتها بموجب القانونين الأثيوبي والولي، بالأساس توفير عملية تشاور سليمة مع المجتمعات أثناء عملية تعمير القرى، وضمان أن تهجير السكان الأصليين طوعي، مع تعويض السكان على النحو الملائم ومنع انتهاكات حقوق الإنسان أثناء النقل، وملاحقة من يتورط في أي انتهاكات. وعلى المانحين أيضاً ضمان وفاء الحكومة بالتزاماتها وحمايتها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد في القرى الجديدة.

وقالت إغيلاند: "يبدو أن نقود المانحين تستخدم على الأقل بشكل غير مباشر في تمويل برنامج تعمير القرى. على المانحين مسؤولية ضمان أن مساعدتهم لا تيسر التهجير القسري والانتهاكات المرتبطة به".

شهادات مختارة من "ننتظر الموت هنا":
"قيل لنا: إذا رفض أي شخص فسوف تتخذ الحكومة إجراءاتها... من ثم فقد ذهب الناس إلى القرية الجديدة بالقوة".
مزارع من أبوبو ووريدا (منطقة في أثيوبيا)، مايو/أيار2011.

"لم يرغب المزارعون في منطقتنا في الانتقال. أفادت سلطات المنطقة الحكومة الإقليمية بأن المزارعين رفضوا القبول. طلب الحاكم من رئيس المنطقة التحقيق. قال: نعم إنهم يقاومون. ماذا أفعل؟ هكذا سأل الحاكم. قال له الحاكم أنه سيتم وقف خمسة من موظفي التنمية عن العمل وأنه سيجلب الجنود. وهذا ما حدث".
موظف سابق في إدارة إحدى المناطق، يونيو/حزيران2011.

"الحكومة تقتل الناس بالتجويع والمجاعة. من الأفضل أن يهاجموننا ونحن في مكان واحد بدلاً من أن ننتظر الموت هنا. إذا هاجمونا، فسوف يهرب بعضنا، وسوف ينجو بعضنا. لكن هكذا... نكموت هنا مع أطفالنا. عمال الحكومة يحصلون على الراتب لكن نحن ننتظر الموت هنا".
أحد قيادات قرية مُهجرة منذ فترة قصيرة، أبوبو ووريدا، مايو/ايار 2011.

"هناك أثر نفسي سيئ على الأطفال. لا يوجد تعليم. كانت هناك مدرسة في القرية القديمة، لكن لا توجد واحدة هنا. لا أحد يذهب الآن للمدرسة، وهم لذلك خائفون. من سيحميهم إذا ذهبوا للقرية القديمة؟ حتى الأطفال يرفضون الذهاب".
سيدة من الأنواك في قرية جديدة، تناقش الأثر السلبي لعدم وجود المدرسة الموعودة في أبوبو ووريدا، مايو/أيار 2011.