تبدو الحركة المناوئة للقذافي والتي انطلقت في البدء كحركة سلمية ثم تحولت لاحقاَ إلى حركة مسلحة ، وكأنها على وشك الإطاحة بواحد من أعتى الحكام القمعيين في العالم. ذلك الحاكم الذي سحق إرادة ليبيا وتحكم فيها على مدى 42عاماً. إلا أن الفرصة تبدو الآن سانحة لبناء دولة أكثر ديموقراطية تقوم على أساس من الحقوق الأساسية وحكم القانون، وهي أمور طالما افتقدها الليبيون بشدة.

ومن المؤكد أن الأمر يؤرق الحكام القمعيين الآخرين في العالم العربي وما وراءه، إذ يتعين مثلاً على الرئيس السوري بشار الأسد أن يتظع.  فليبيا التي بدا جمود أوضاعها سرمدياً نتيجة لعنف العقيد معمر القذافي وبثه الخوف في النفوس قد تغيرت، وسواء أسقط القذافي اليوم أو عما قريب فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لن تكون أبداً كسابق عهدها.

وتجابه القيادة الانتقالية، أي المجلس الوطني الانتقالي، على مدى الأيام والأسابيع المقبلة مهاماَ ثقالاً خاصة في مجال حقوق الإنسان. كما أن كيفية معالجتها لمثل تلك التحديات سوف تفصح عن مسار التوجهات الليبية لأعوام مقبلة.

أولى تلك المهام هي النهوض بمسئولية تجنب الانتقام. إذ يتعين على المقاتلين الموالين للمجلس معاملة كافة معتقليهم، سواء أكانوا أفراداً من أسرة القذافي أو من الأسرى من مقاتلي الشوارع، معاملة إنسانية. علي المقاتلين طي صفحة الاستخدام النمطي للتعذيب والانتهاكات الموصوم بها النظام القديم.

يجب على قوات المجلس حماية المواقع الأكثر حساسية من حيث قابليتها لأن تكون بؤرة تركيز جماعات من السكان تحركها مشاعر طال قمعها نجمت عن مظالم حقيقية وقعت بحقهم، كمراكز الشرطة، والمحاكم، والسجون وغيرها من رموز دولة القذافي. كما يجب على تلك القوات حماية السكان الأكثر عرضة للمهاجمة بمن فيهم النازحين داخل البلاد ممن فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس في الجبال الشرقية و الغربية، وكذلك مسئولي الأمن الذين يؤخذ عليهم مساعدة القذافي في محاولته الاحتفاظ بالسيطرة على الأمور، وذلك إلى جانب قاطني معاقل القذافي مثل سبها وسرت.

ويواجه الليبيون من ذوي البشرة الداكنة، وكذلك الأفارقة من بلدان جنوبي الصحراء المخاطر بصفة خاصة، إذ كثيراً ما تنظر القوات المتمردة وغيرها من الجماعات المسلحة إليهم باعتبارهم مرتزقة مشايعين للقذافي ينتمون لبلدان أفريقية أخرى. وقد رأينا الأعمال الهجومية الشرسة وأعمال القتل تقع بحق مثل أولئك الأشخاص في المناطق التي وقعت تحت سيطرة المجلس الوطني الانتقالي.

كذلك فإن مستودعات السلاح التابعة للحكومة بحاجة لتأمين يضمن ألا تقع ترسانة القذافي الحربية السهيبة في أيدي الأفراد، لئلا تؤجج أعمال العصيان أو أن يجري تهريبها خارج البلاد. وقد رأت هيومن رايتس ووتش مستودعات ضخمة دون حراسة احتوت ألغاماً أرضية،  وصواريخ غراد، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ أرض- جو من طراز غراد SA-7القادرة على إسقاط طائرة مدنية.

وقد صدر عن قيادات المجلس من البيانات في شأن تلك التهديدات ما يدعو، حتى الآن، للإعجاب. فقد ألقوا خطباً مؤثرة تنهى عن العنف الثأري وأصدروا رسائل نصية قصيرة على نطاق جماهيري للحث على الهدوء وحماية مرافق الدولة. غير أن القادة قد يكونون بحاجة لتحويل تلك الكلمات القوية إلى أفعال واقعية تلافياً لوقوع الانتهاكات في عصر ما بعد القذافي. إذ سيكونون بحاجة لاعتقال ومقاضاة من يقومون بالنهب أو يسعون لفرضالعدالة بأيديهم. إن مهمة بناء الديموقراطية في بلد لم يعرف لأربعة عقود إلا رجلاً واحداً وأيديولوجيته شديدة الخصوصية، ستكون بحق مهمة هرقلية طويلة المدى، إذ ليست في ليبيا محاكم تتمتع بالاستقلال، كما أن ليبيا تفتقر للإعلام الحر، ولا يوجد دستور للبلاد التي لم تعرف الفصل بين السلطات. بلى سوف تكون عوائق بناء الديموقراطية ضخمة الحجم، وسيكون الليبيون بحاجة للدعم الدولي.

إن العدالة لأمر مطلوب سواء بحق عقود من القمع أو بحق ستة أشهر من النزاع المسلح. إلا أنه ينبغي أن تتم إجراءات التوقيف والمقاضاة طبقاً لحكم القانون، عوضاً عن أن يتم ذلك عبر التوقيف التعسفي، كذلك تتوجب علانية محاكمات من أيدوا أو من يشتبه في تأييدهم للنظام.

وفي نهاية الأمر فإن الحاجة لعملية المصالحة الليبية بصورة ما ستكون ملحة عند اشتباك البلاد مع الدكتاتورية وشبكة دعمها.

وليس هناك شك في نشوء الفرق مستقبلاً داخل المجلس الوطني الانتقالي، بتحول أعضائها عن بؤرة اهتمامهم الوحيدة المتمثلة في الإطاحة بالقذافي إلى العمل جاهدين على إقامة بناء جديد. غير أنه إذا ما ساد أسلوب الحوار والشفافية فإن ليبيا ستكون لديها فرصة أن تصبح مكاناً أفضل كثيراً.

يشغل فريد أبراهامز منصب مستشار خاص بمنظمة هيومن رايتس ووتش.