(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم أنه في يوم 21 فبراير/شباط 2011 سمحت الشُرطة العراقية لعشرات المُهاجمين بضرب وطعن المحتجيّن السِلميين في بغداد. وقالت هيومن رايتس ووتش أنه مِن واجب قوات الأمن حماية حق التجمّع السِلمي واستخدام الحد الأدنى  من القوة اللازمة لحماية الأرواح في حال اندلاع العنف.

وفي الساعات الاولى من صباح 21 فبراير/شباط، قام عشرات من الرجال المُسلحّين بسكاكين و هراوات  بالهجوم على حوالي 50 متظاهرا كانوا قد نصبوا خيمتين في ساحة التحرير بوسط بغداد. قام المهاجمون بضرب وطعن ما لا يقل عن 20 من المتظاهرين الذين كانوا يعتزمون أن يُخيّموا في الميدان حتى 25 فبراير/شباط، وذلك حين َدعَت جماعات لاحتجاجات وطنية على غرار "يوم الغضب" في مصر. وجاء الهجوم بعد انسحاب الشرطة من الساحة مباشرة، وكان شهود عيان قد رجّحوا أن المهاجمين كانوا في مناقشة مع الشرطة قبل أن يُهاجموا.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "وعود رئيس الوزراء نوري المالكي بالسماح بالاحتجاجات لا معنى لها حينما نرى الهجمات الشرسة كتلك التي كانت في فبراير/شباط. ينبغي على السلطات العراقية أن تُحاسِب  رجال الشرطة الذين سمحوا لهذا الهجوم أن يحدث".

وقامت عشرات المظاهرات في جميع انحاء البلاد منذ مطلع فبراير/شباط،  ركزّت بشكلٍ أساسي على النقص المزمن في الخدمات الأساسية والفساد المنتَشِر بشكل ملحوظ.  منذ 16 فبراير/شباط، قتلت قوات الامن ما لا يقل عن خمسة من المتظاهرين وأصابت أكثر من 100 في مظاهرات في جميع أنحاء العراق. كما  استهدف مسلحون جماعات المعارضة ووسائل الاعلام. وفي السليمانية ، وأضرم مجموعة المهاجمين النار في مباني متعددة خاصة بحزب المعارضة غوران ("التغيير") بالإضافة إلى  مقر التلفزيون المنشئ حديثا ومحطة الإذاعة التي بثت فيديو من الاحتجاجات.

الاحتجاجات في بغداد

قال أكثر من عشرة من شهود العيان  لـ هيومن رايتس ووتش أنه في يوم 21 فبراير/شباط وبعد فترة قصيرة من الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، قامت سيارات شُرطة في ميدان التحرير بوسط بغداد بإخلاء المنطقة بشكلٍ مفاجئ. على إثر ذلك، توقفت أربع سيارات عسكرية (من طراز هومفي) على الجانب البعيد من الميدان، في حين أن عدة سيارات أمن أخرى انسحبت وتوقفت على الشارع المُجاور. حظر التجوال الساري يحظر حركة المرور المدنية و السيارات على الطرق في بغداد بين منتصف الليل والساعة 5 صباحا. كما تُواجِه المركبات في منطقة ساحة التحرير العديد من نقاط التفتيش العسكرية والدوريات.

بعد أن وصلت السيارات، انقطعت أنوار الشوارع المُحيطة بالميدان وأضاء الأشخاص الموجودون في سيارات الهومفي العسكرية الأضواء الكاشفة الموصولة بسياراتهم. قال أحد منظمي الاحتجاج لـ هيومن رايتس ووتش أن عشرات الرجال - مرتدين قمصاناً مَدَنية مع سراويل مماثلة داكنة اللون وبطراز عسكري - توجّهوا للمحتجّين النائمين مُلوحّين بالسكاكين والهراوات والبنادق الصاعقة، وانتشروا في كل أنحاء الخيام. وقد سأل أحدهم مُنظّم الاحتجاج إن كان لديه تصريح للمظاهرة، ثم بدأ في استجوابه.

وقال شاهدٌ آخر أن شُرطياَ مُندهشاً من نقطة تفتيش قريبة توجّه إلى الميدان مع بندقيته، لكن عندما همس أحد الرجال المُسلحّين في أذنه شيئاً، هزّ الشرطي رأسه وانسحب بسرعة. وقال الشاهد الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية :"في هذه اللحظة أعطى واحدٌ منهم إشارة، فبدأوا في ضربنا و الركض نحو الخيام. وأضاف: " كنتُ أسمع الناس يصرخون من الألم، لذلك صحتُ بالجميع ليفرّوا".

قال مُحتّج مُصاب بطعنات ومختبئ في الوقت الحالي، لـ هيومن رايتس ووتش: "استيقظتُ على إثر ألم سكينٍ يُغرَز فيّ وصراخ الجميع. الرجل الذي طَعنني قال لي أنه لم يكن من المفترض بي أن أكون في الساحة، وأنه لابدّ لي أن أغادر، وإلا فإنه سيطعنني مرة أخرى. ثم وجّه لي ضربةً على رأسي. نهضتُ بأفضل ما استطعت، وساعدني محتجّون آخرون على الفرار.

وقال متظاهر آخر مُصاب بكدمات كبيرة على ظهره، وتهتك طويل على جانب ساقه اليسرى لـ هيومن رايتس ووتش: "كانوا يلكموننا ويطعنوننا أثناء محاولتنا الهرب منهم".

وأدلى شهودٌ آخرون بشهادات مُتسّقة عن الهجوم. وقالوا أنهم يعتقدون أن العُنف لغرض تخويف وتفريق المتظاهرين وليس لقتلهم، على الرغم من الصدمة التي أصابتهم بسبب وحشية الهجوم. وقال مُحتجون متعددون - كانوا قد واجهوا الشرطة عند نقاط التفتيش أثناء فرارهم إلى أزقة الحي المجاور - أن الشرطة أخبرتهم أنهم "غير مسموح لهم بالتدخل". قال أحد المُحتجين أن أحد رجال الشرطة أخبره أنه ليس بيدهم شيء لأن المهاجمين كانوا "من مكتب القائد العام للقوات المسلحة".

لاحظت هيومن رايتس ووتش تمزّقات أو كَدَمَات على سبعة من المحتجّين. كانت شهادات الشهود مُتسقة أيضا مع الفيديو الذي شاهدته هيومن رايتس ووتش؛ إطلاق نار في مكان الحادث في الساعات التي سبقت الهجوم، ومن ثم متظاهرين مُصابين صباح اليوم التالي.

في احتجاجاتٍ سابقة في ميدان التحرير، لاحظت هيومن رايتس ووتش تخويف قوات الامن العراقية للمتظاهرين السلميين عن طريق تصويرهم وتهديدهم  بإلقاء القبض عليهم، قائلين في إحدى الحالات: "الآن نحن نعرف من أنتم". قامت قوات الأمن في يومي 11 و 13 فبراير/شباط بتصوير وجوه المشاركين الذين كانوا يهتفون سلميا، وقالوا لهم أنه سوف يتم اعتقالهم. و في يوم 23 فبراير/شباط، رأت هيومن رايتس ووتش قوات الأمن العراقية وهي تمنع الصحافيين من تصوير أو التقاط صور للاحتجاجات.

الاحتجاجات في كردستان

منذ 17 فبراير/شباط، أدت الاشتباكات مع قوات الامن إلى قتل ثلاثة متظاهرين في السليمانية. وواصل الآلاف من  المتظاهرين احتجاجهم ضد الفساد المزعوم والهيمنة السياسية من قبل الحزبين الحاكمين، الحزب الديمقراطي الكردستاني (بزعامة مسعود بارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة جلال طالباني).

وقال أحد سُكّان السليمانية ( 25 عاماً) لـ هيومن رايتس ووتش أنه زار منطقة الاحتجاج في تلك المدينة من باب الفضول. وقال : بدون  سابق إنذار بدأ الحزب الديمقراطي الكردستاني إطلاق النار على الحشد من على سطح المبنى. وأضاف أنه أمضى ثلاثة أيام في المستشفى: "سمعت طلقات نارية وبدأت في الركض عندما أصابت رصاصةٌ مؤخرة كتفي الأيمن".

وقال أحد المتظاهرين الذين شاركوا في مظاهرة 17 فبراير/شباط في السليمانية  لـ هيومن رايتس ووتش: "قمنا برمي بعض الحجارة على مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولكن وقتها أطلقوا النار علينا. إنني لم أر أبدا مثل هذه المشاهد هنا منذ نهاية الحرب العنيفة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني" في عام 1990.

 كما نهب المهاجمون وأحرقوا مكاتب حزب المعارضة (غوران) في مدن كردستان التي تُديرها الحكومة الإقليمية لكردستان؛ أربيل ودهوك وسوران. وفي اليوم نفسه، أخلت هاولاتي، صحيفة مستقلة التي تصدر مرة كل أسبوعين، مكاتبها بعد تلقيها تهديدات من قوات الأمن النظامية المتمركزة في مكان قريب من مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني. وفي يوم 19 فبراير/شباط، اقتحم رجالٌ مُسلّحون مقر تلفزيون ناليا في السليمانية، مُطلقين النار على معدات البث، مُصيبين حارساً، و مُحرقين أسفل المبنى، طبقاً لموظفي المحطة. وكان بثّ تلفزيون ناليا قد بدأ قبل يومين وعرض لقطات من الاحتجاجات.

و في بيان صحفي بتاريخ 17 فبراير/شباط، أدان رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، سلوك المتظاهرين، و ليس سلوك قوات الأمن التي أطلقت النار عليهم. وفي مؤتمر صحفي في اليوم التالي وجّه، فاضل ميراني، رئيس المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، اللوم لقوات الأمن لعدم حمايتها مكاتب حزبه من رمي  المتظاهرين للحجارة. وقال: "عدم احترام مكاتبنا ثمنه باهظ ، وسنفعل كل ما في وسعنا لقطع أيدي أولئك العدوانيين تجاهنا".

وقال جو ستورك: "إن رد فعل المسؤولين في حكومة إقليم كردستان إزاء عنف المتظاهرين يبعث على الأسى". وأضاف: "بدلاً من تهديد المتظاهرين، يجب على المسؤولين كبح جماح قوات الأمن لكي يمنعوا مزيداً من العنف".

الاحتجاج القادم

من يوم  حثت جماعات الإنترنت العديد من العراقيين على الخروج الى الشوارع يوم 25 فبراير، بعد شهر مماثل في مصر "يوم الغضب"،  والتي أدت في نهاية المطاف الى الاطاحة بالرئيس حسني مبارك من منصب الرئاسة.

و رداً على آلاف العراقيين الذين خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على النقص المزمن في الخدمات الحكومية، أصدرت وزارة الداخلية في 25 يونيو لوائح مع أحكام مُرهِقة تُعرقِل تنظيم العراقيين للاحتجاجات المشروعة. فقد طالبت اللوائح المنظمين بالحصول على" موافقة خطية من وزير الداخلية وحاكم المقاطعة في نفس الوقت"، قبل تقديم الطلب إلى إدارة الشرطة ذات الصلة، خلال مدةٍ لا تقل عن 72 ساعة قبل الحدث المخطط له.

الدستور العراقي يضمن "حرية التجمع والتظاهر السلمي". باعتبارها دولة طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فالعراق هي ملزمة بحماية الحق في الحياة والأمن الشخصي، والحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي. وينبغي للعراق أن تلتزم بالمبادئ الأساسية للأمم المتحدة فيما يتعلق باستخدام القوة والأسلحة النارية، والتي تنص على أنه لا يجوز أن تستخدم القوة المميتة إلا حينما يتعذر تماما تجنبها من أجل حماية الحياة، ويجب أن تُستخدَم بحذر وبشكلٍ محدود. كما تُطالب هذه المبادئ الحكومات ب " ضمان معاقبة الاستخدام العشوائي أو التعسّفي للقوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون باعتباره جريمة جنائية يُعاقِب عليها القانون".

قانون حقوق الإنسان في الحق في الحياة ، بما في ذلك المادة 6 من العهد الدولي، يتطلب تحقيقاً فعالاً وشفافاً في حالات الوفيات التي تسبّب فيها موظفو الدولة، مما يؤدي إلى تحديد ومحاكمة مرتكبي أي جرائم اُرتُكِبَت.