(القاهرة) - قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر اليوم، يمثّل التعذيب مشكلة مزمنة في مصر ومطلب إنهاء انتهاكات الشرطة كان عنصراً مُحفزا للمظاهرات الشعبية الضخمة التي اجتاحت مصر خلال الأسبوع الماضي. وأضافت  إن محاكمة المسؤولين عن التعذيب والغاء قانون الطوارىء الذي يكرّس ثقافة إفلات قوات الأمن من العقاب ينبغي أن تكون أولوية للحكومة المصرية.

يوثق التقرير المُكوّن من 106 صفحة، بعنوان "إضغط عليه حتى يعترف : الإفلات من العقاب عن التعذيب في مصر"، كيف تغاضت حكومة الرئيس حسني مبارك ضمنياً عن إساءات الشرطة بعدم التحقيق والمقاضاة الجنائية للمسؤولين عن إنفاذ القانون المتهمين بالتعذيب، وترك الضحايا بدون علاج.

وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يستحق المصريون قطيعة نظيفة من ممارسة التعذيب الرهيبة الراسخة." أضاف: "إنّ سجل الحكومة المصرية الشنيع في هذه القضية هو جزء كبير ممّا يُبقي الحشود في الشوارع اليوم."

 سيطرت حالة خالد سعيد، 28 عاماً، الذي تعرض للضرب حتى الموت على يد اثنين من ضباط الشرطة السريّين في أحد شوارع الإسكندرية في يونيو/حزيران، على عناوين الصحف وفجرت مظاهرات في جميع أنحاء البلاد.وأغلق المدعي العام التحقيق في البداية وأمر بدفن سعيد، لكن تصاعد الاحتجاجات الشعبية دفع المدعي العام إلى إعادة فتح التحقيق وإحالته إلى المحكمة". "كلنا خالد" هو اسم المجموعة على فيسبوك التي ساعدت في اندلاع مظاهرات حاشدة في 25 يناير/كانون الثاني.

يحث التقرير المسؤولين على إجراء إصلاحات فورية قانونية وهيكلية وسياسية للتأكد من أن النظام القضائي يُسائل مرتكبي التعذيب ويردع الإساءات المستقبلية.ويفحص عشرات حالات التعذيب والوفاة في الحجز التي أقام الضحايا أو أسرهم دعاوى قانونية من خلال تقديم شكاوى.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الغالبية العظمى من شكاوى التعذيب لا تصل المحكمة بسبب تخويف الشرطة للضحايا وللشهود الذين يتقدمون بشكاوى، وعدم ملاءمة الإطار القانوني، والتأخير في إحالة الضحايا على الفحص الطبي. وثمة عامل آخر هو أن الشرطة من نفس وحدة الجلاد المزعوم هي المسؤولة عن جمع الأدلة واستدعاء الشهود.

وكانت قضية خالد سعيد استثناء، وواحدة من عدد قليل جدا من القضايا التي أدت التغطية الإعلامية والغضب الشعبي إلى أن يُصبح كبار أعضاء مكتب المدعي العام معنيين بها، وهو ما ضمن تحقيقاً سريعاً وكاملاً. إلا أنه في نوفمبر/تشرين الأول 2009، نشرت الحكومة إحصاءات تُبيّن أن المحاكم المصرية حكمت ما بين 2006 و 2009 على ستة فقط من ضباط الشرطة بالتعذيب والمعاملة غير الانسانية، على الرغم من وجود مئات الشكاوى عن حالات التعذيب والوفاة في الحجز. وفي يوليو/تموز 2010 أيدت محكمة الاستئناف بالإسكندرية حكماً بالسجن خمس سنوات في حق ضابط سابع.

وقال ستورك: "في بلد حيث لا يزال التعذيب يُمثّل مشكلة خطيرة ومُمنهجة، إدانة مجرد سبعة ضباط شرطة على مدى أربع سنوات يعكس انقطاعاً كبيراً عن الواقع ويترك مئات الضحايا وعائلاتهم من دون عدالة ودون علاج".

وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن المسؤولين عن إنفاذ القانون بشكل روتيني وتلقائي يستخدمون التعذيب وسوء المعاملة – في قضايا جنائية عادية كما في حالة المُعارضين السياسيين والمحتجزين لأسباب أمنية - لانتزاع اعترافات تحت الإكراه، وانتزاع معلومات أخرى، أو ببساطة لمعاقبة معتقلين.

وقال أحمد عبد المعز باشا، 22 عاما، وهو سائق في إمبابة، القاهرة، لـ هيومن رايتس ووتش كيف قبض عليه ضباط في منزله في يوليو/حزيران 2010.

اقتادوني إلى مركز شرطة إمبابة ووضعوني في غرفة لوحدي. جاء اثنين من الضباط في وطلبوا مني أن أعترف. سألت: "ماذا؟". أجابوا: "الاعتراف بالسرقة". وقال رئيس وحدة التحقيقات الجنائية "إضغطوا عليه حتى يعترف". قيّدوا يداي إلى الأمام وعلّقوني على الباب لأكثر من ساعتين.  كان لديهم سياط فضربوني على الساقين، وعلى أخمص قدماي، وعلى ظهري. وعندما أنزلوني إلى أسفل، أحضروا جهازا كهربائيا أسودا وعرضوني للصدمات الكهربائية أربع أو خمس مرات على ذراعاي حتى بدأ الدخان ينبعث منهما. وظلوا يقولون طيلة هذا الوقت: "يجب أن تعترف". وفي صباح اليوم التالي ضربوني مرة أخرى وجلدوني بكابل على ظهري وعلى كتفاي. أغمي علَي بعد ثلاث ساعات من الضرب.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الإفلات من العقاب على التعذيب حاد خاصة مع مباحث أمن الدولة، قسم في وزارة الداخلية  وهو المسؤول عن رصد المعارضين السياسيين. وينفّذ جهاز مباحث أمن الدولة بصورة روتينية عمليات الإخفاء القسري، واحتجاز المشتبه فيهم في منشآته لفترات طويلة، وإخفاء حقيقة أنه يحتجزهم أو رفض كشف أماكن وجودهم وحرمان المعتقلين من الاتصال بالمحامين، والأسرة، أو الأطباء.

مرافق مباحث أمن الدولة ليست أماكن احتجاز قانونية: يحظر القانون المصري الإعتقال في مرافق أخرى غير السجون ومراكز الشرطة المعترف بها. وتنفي الحكومة أن مباحث أمن الدولة تعتقل المشتبه بهم في منشآتها - حيث يواجه المشتبه بهم في كثير من الأحيان التعذيب - على الرغم من وجود شهادات كثيرة على عكس ذلك. إن اعتقال شخص ما ملحقاً بإنكار أو رفض الاعتراف باحتجازه، مما يحرم الشخص من حماية القانون، يعتبر إخفاءً قسرياً ويشكّل، مثل التعذيب، جريمة خطيرة بموجب القانون الدولي.

ولم تتم إدانة أي ضابط مباحث أمن دولة للتعذيب قط، رغم أنه في ثلاث حالات على الأقل مثُل ضباط أمام المحكمة. وقال أحد معتقلي مباحث أمن الدولة السابقين وعضو جماعة الاخوان المسلمين، نصر السيد حسن نصر، لـ هيومن رايتس ووتش عن اعتقاله لمدة 60 يوما من قبل مباحث أمن الدولة في عام 2010، حيث يقول إنه ظل معصوب العينين طوال الوقت:

ضربوني بحذاء على الوجهه. وركلوني على الخصيتين حيث سقطت على الأرض. عندما وقعت أرضاً، إستخدموا الصدمات الكهربائية لجعلي أقف ومن ثم ضربوني مرة أخرى على الخصيتين. وعند نقطة معينة حاول الضابط خنقي. واتصل الضابط بالحراس وقال: "أريدكم أن تُحضروا زوجة نصر وبناته إلى على الساعة 4 وتعريتهن أمامه". التقطوا صورا لي بينما كنت عاريا وأتعرض للتعذيب وهددوني بنشرها.

قال الضحايا وأسرهم، الذين قدموا شكاوى حول التعذيب، باستمرار لـ هيومن رايتس ووتش إن ضبّاط الشرطة حاولوا تخويفهم لسحب شكواهم أو لتسوية الأمر خارج المحكمة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن حقيقة أن وحدة الشرطة المتهمة بسوء المعاملة تشارك في جمع الأدلة واستدعاء الشهود أثناء تحقيق المدعي العام الأولي هو عامل رئيسي يحول دون إجراء تحقيق محايد. النيابة العامة - سواء كان ذلك بسبب ضيق الوقت أو غياب الإرادة السياسية - لا تُقيّم بشكل صحيح الدليل الذي تُقدمه الشرطة، أو نوعية التحقيق الذي تجريه. في كثير من الأحيان تُؤخّر الشرطة تنفيذ أمر المدعي العام بعرض المشتكي على طبيب شرعي لفحصه إلى حين تلاشي الأدلة المادية على الاعتداء.

وقال ستورك: "ضحايا الاساءات في حاجة الى الشعور بأن القضاء سيحمي حقوقهم وأنهم يستطيعون تقديم الشكاوى إلى النيابة العامة دون خوف من الانتقام".

قالت هيومن رايتس ووتش إن الإطار القانوني المصري فشل في تجريم التعذيب تماماً تماشياً مع القانون الدولي، وهو عامل آخر يُسهم في الإفلات من العقاب. تعريف التعذيب في الفصل 126 من قانون العقوبات لا يشمل أعمال التعذيب لأسباب أخرى غير انتزاع اعتراف، مثل العقاب أو التخويف. القانون المصري لا ينص إلا على عقوبات تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات – وهي عقوبات لا تتناسب مع خطورة جريمة التعذيب. ويعطي قانون العقوبات مزيدا من السلطة التقديرية للقضاة في ممارسة الرأفة وتخفيض العقوبة، وهذا ما يفعلونه في كثير من الأحيان. وقالت هيومن رايتس ووتش في نوفمبر/تشرين الأول 2009، ومرة أخرى في فبراير/شباط 2010، تعهدت الحكومة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال المراجعة الدورية الشاملة بتعديل تعريف التعذيب تماشيا مع القانون الدولي، ولكن مضى أكثر من عام بعد ذلك وليس هناك أي تقدم في هذا الإلتزام.

دعت هيومن رايتس ووتش الحكومة المصرية إلى التحقيق في جميع المزاعم ذات المصداقية بشأن التعذيب وسوء المعاملة، حتى في حالة عدم وجود شكوى رسمية. على النيابة العامة إجراء هذه التحقيقات بشكل سريع، وحيادي، وشامل، مع ضمان التحقيق مع جميع المسؤولين المزعومين بما في ذلك الرؤساء. ينبغي إنجاز فحوصات الطب الشرعي بسرعة.ولاينبغي لمرتكبي الاعتداءات المزعومين جمع الأدلة، أو التفاعل مع المشتكين والشهود. وينبغي على الحكومة وضع حد للاحتجاز غير القانوني للمشتبه بهم في مكاتب مباحث أمن الدولة، وأن تسمح للمدعين العامين بالقيام بزيارات مفاجئة إلى مثل هذه المواقع للتحقق من الامتثال.

وطالبت هيومن رايتس ووتش الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إلى التحدث علناً ضد التعذيب في مصر، فضلاً عن فشل الحكومة في قمع هذه الممارسات ومعاقبة المسؤولين عنها.

قال ستورك: "تُصبح تجاوزات الشرطة شائعة عندما يكون هناك إفلات فعّال لموظفي إنفاذ القانون ورؤسائهم من العقاب". وأضاف: "هذه أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الناس يخرجون الى الشوارع في الأسبوع الماضي للمطالبة بوضع حد لتجاوزات الشرطة. مصر بحاجة إلى مواجهة جادة لجريمة التعذيب، بدءاً من عملية التحقيق الخاطئة، إلى إرسال إشارة قوية على أن الجلادين ستتم محاسبتهم".