قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الحكومة الإسرائيلية إجراء تحقيق مستقل وفوري في مقتل أربعة مدنيين في 16 أبريل/نيسان 2008، ومنهم مُصور يعمل مع رويترز وصبيان في سن المراهقة. وقد خلصت تحقيقات هيومن رايتس ووتش في موقع الحادث إلى اكتشاف أدلة تشير الى أن طاقم تشغيل دبابة إسرائيلية أطلق النار بشكل ينطوي على الإهمال أو التعمد على الفريق الصحفي.

وقال جو ستورك، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لم يتأكد الجنود الإسرائيليون من أنهم يصوبون نحو هدف عسكري قبل إطلاق النار، وثمة أدلة تشير إلى قيامهم؛ في واقع الأمر؛ باستهداف الصحفيين". وأضاف: "على إسرائيل إجراء التحقيق في حوادث سقوط القتلى، وأن تُحاسب المسؤولين إذا تبين وقوع جرائم".

وكان فاضل شناعة، المُصور الذي يعمل مع وكالة أنباء رويترز والبالغ من العمر 23 عاماً، قد قُتل وهو يصور إحدى الدبابات على مقربة من حدود غزة مع إسرائيل، جنوب شرق مدينة غزة. كما قُتل أيضاً ثلاثة أشخاص آخرين فيما كانوا يراقبون شناعة أثناء قيامه بالتصوير. وقام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بالتعرف على أحمد عارف فرج الله، 14 عاماً، وغسان خالد أبو عطيوي، 17 عاماً، وخليل إسماعيل دغمش، 22 عاماً.

أما المقابلات التي أجرتها هيومن رايتس ووتش مع شاهد عيان على القصف، وأحد سكان قرية قريبة وصحفي وصل إلى الموقع بعد الهجوم مباشرة، وكذلك مشاهد صورها شناعة، فقد أشارت جميعاً إلى عدم وجود نشاط للمسلحين الفلسطينيين في موقع الحادث.

وفي حوالي الساعة الخامسة مساء يوم 16 أبريل/نيسان، كان شناعة في سيارته مع فني الصوت وفا أبو مزيد، في الطريق إلى قرية جحر الديك الواقعة على الطرف الشرقي لقطاع غزة، للتحقيق في تقارير عن أحداث قصف في المنطقة، طبقاً لما ذكر أبو مزيد. وكانا في شاحنة رمادية غير مدرعة. وطبقاً لرويترز وللصور الفوتوغرافية لموقع الحادث، كانت عليها كلمتي (تلفزيون) و(صحافة) بحروف كبيرة ملونة.

وفي الطريق مرا بدبابة إسرائيلية كانت متوقفة أعلى أحد المرتفعات على مسافة مئات الأمتار. وما إن بلغا جحر الديك حتى قاما بتصوير مجموعة من سكان القرية الذين أصيبوا جراء القتال، ثم غادرا المنطقة عبر الطريق نفسه، ليمرا ثانية بالدبابة الإسرائيلية. وحسبما ذكر أبو مزيد لـ هيومن رايتس ووتش، فرغم ترامي أصوات بعض طلقات الأسلحة الآلية على بعد، فلم يكن ثمة إطلاق نار في المنطقة التي كانا فيها في ذلك الحين.

وقال أبو مزيد إنهما قررا التوقف إلى جانب الطريق لالتقاط بعض المشاهد للمنطقة المحيطة. وكان شناعة يرتدي سترة واقية عليها من الأمام كلمة "صحافة" بحروف كبيرة زرقاء وبيضاء. ويظهر من المشاهد التي صورها شناعة دبابة إسرائيلية على مسافة مئات الأمتار تطلق قذيفة. وبعد ثانية واحدة انتهى تسجيل كاميرا شناعة.

وقال أبو مزيد لهيومن رايتس ووتش: "وضع فاضل الكاميرا وقائمها الثلاثي وطلب مني أن أبعد بعض الأطفال الذين تجمعوا حولنا. كانوا في سن المراهقة ولم يكن ثمة مقاتلين أو أي إطلاق نار. وفيما كنت أبعدهم سمعت صوتاً مكتوماً يُشبه (بوف)". وأضاف: "نظرت تجاه فاضل ووجدته راقداً على الأرض ينطق الشهادة. كما لحقت بي إصابة في يدي اليسرى. مات فاضل، وسقطت قذيفة أخرى خلف الشاحنة فألحقت بي الإصابات في يدي اليمنى وخصري. ثم عدوت نحو الطريق الرئيسية بحثاً عن النجدة".

ويظهر في صور فوتوغرافية التقطها صحفي محلي إثر وقوع الحادث بفترة وجيزة الصبيان المراهقان فرج الله وعطيوي راقدان موتى قرب الشاحنة المُدمرة.

وبعد قصف الشاحنة بدقائق حاول صحفيون آخرون بلوغ المنطقة في سيارة جيب مُدرعة. وحين أوقفوا شاحنتهم، وعليها كلمة "صحافة" بحروف كبيرة، وتقدموا إلى شاحنة رويترز، تعرضوا بدورهم لقصف الدبابة.

وقال وسام نصار، المصور الفوتوغرافي البالغ من العمر 23 عاماً والذي يعمل مع وكالة أنباء معاً، لـ هيومن رايتس ووتش: "رأينا قذيفة قادمة نحونا من الجهة التي حصل فيها التوغل الإسرائيلي... انبطحنا أرضاً حين رأينا القذيفة تقترب. وسقطت على مسافة خمسة أمتار خلف الشاحنة وانفجرت".

ويظهر من الأدلة التي تم جمعها من الطريق ومن صور الأشعة السينية الخاصة بالموتى والمصابين أن الدبابة أطلقت قذيفة مسمارية، والتي انبعثت منها مئات المقذوفات الصغيرة قبل أن ترتطم القذيفة بالأرض. وعرض الأطباء في غزة صور الأشعة السينية الخاصة بجثمان شناعة، ويظهر فيها عدة جروح من أثر مقذوفات مسمارية في صدره وساقيه. وكانت العديد منها مغروسة في سترته الواقية.

وقالت الميجور أفيتال ليبوفيتش، المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، لـ هيومن رايتس ووتش إن موقع الحادث: "هو المنطقة التي تعرض فيها خمسة جنود من الجيش الإسرائيلي للقتل" قبل 11 ساعة تقريباً. إلا أنها لم تحدد بدقة أين توفى الجنود ومدى قرب الموقع الذي لاقوا مصرعهم فيه من موقع مصور رويترز. وقالت: "يجري النظر في هذا الموضوع. وحين نصل إلى استنتاج فسوف نطلع رويترز عليه".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الإسرائيلية إجراء تحقيق كامل في الحادث وأن تعلن عن نتائجه على الملأ.

وقال ثلاثة شهود عيان قابلت هيومن رايتس ووتش كل منهم على انفراد إنه لم تكن هناك أعمال اقتتال وقت الحادث وفي المنطقة التي كان المُصور يقوم بالتصوير فيها، رغم وقوع قتال في وقت سابق من اليوم نفسه في جحر الديك، التي تقع على مسافة 1.5 كيلومتر من موقع الهجوم.

وقال جو ستورك: "المنطقة التي قُتل فيها الصحفي كانت مفتوحة ومرتفعة عمّا حولها بعض الشيء". وأضاف: "وكانت توجد على شاحنة رويترز علامتي (تلفزيون) و(صحافة) واضحتين، وكانت الشاحنة قد مرت إلى جوار الدبابة مرتين، إذن يصعب تصديق أن طاقم تشغيل الدبابة الإسرائيلية لم يتبين أن الشاحنة لا تحمل سوى الصحفيين".

وتقضي قوانين الحرب – والتي تنطبق على الأعمال العدائية في غزة – أن تبذل أطراف النزاع كل ما بوسعها للتحقق من كون الأهداف التي تستهدفها ذات طبيعة عسكرية. لكن لا يمكن استهداف المدنيين، ومنهم الصحفيين الذين يغطون الأحداث في منطقة القتال. ومن يتعمد شن هجمات على مدنيين أو يشنها بشكل ينطوي على الإهمال، يكون قد ارتكب جريمة حرب. وحين يظهر الدليل على احتمال وقوع جريمة حرب، فعلى الدولة التزام بالتحقيق في الواقعة، وأن تقاضي المشتبه بهم إذا اتضح مسؤوليتهم.

ودأبت جماعات حقوق الإنسان في إسرائيل وفلسطين على دعوة الجيش الإسرائيلي، ومنذ زمن طويل، إلى إيقاف استخدام القذائف المسمارية في غزة لأنها تنتشر على مساحة واسعة ولهذا فثمة احتمال أكبر بأن تصيب المدنيين عشوائياً. والقذائف المسمارية هي مقذوفات صغيرة حادة الأطراف بطول 3.75 ملم تنطلق من القذائف التي تنفجر في الهواء وتنثر آلاف المقذوفات الصغيرة على مساحة تتخذ هيئة القوس، بطول 300 متر وعرض 90 متراً.

وقال جو ستورك: "إن استخدام القذائف المسمارية ذات نطاق القتل الواسع تزيد من احتمال إصابة المدنيين عشوائياً". وأضاف: "وعلى إسرائيل أن توقف استخدامها لهذا السلاح في غزة، التي تعتبر إحدى أعلى المناطق في العالم من حيث الكثافة السكانية".

للاطلاع على تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في يوليو/تموز 2007 بعنوان "قصف عشوائي: صواريخ فلسطينية على إسرائيل وقذائف مدفعية إسرائيلية على قطاع غزة"، يُرجى زيارة:
https://www.hrw.org/arabic/reports/2007/iopt0707/

طلاع على بيان صحفي لهيومن رايتس ووتش صدر في 2003 عن استخدام القذائف المسمارية في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، يُرجى زيارة:
https://www.hrw.org/arabic/docs/2003/04/29/isrlpa10751.htm