قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن على السلطات التونسية أن توقف التحرش بالصحافي والسجين السياسي السابق عبد الله زواري، وأن تضع نهاية لإبعاده إلى أقصى جنوب البلاد.

وقد دأبت السلطات على محاولة إسكات ومعاقبة زواري منذ إطلاق سراحه في 2002 بعد تنفيذ حكم بالسجن لمدة 11 عاماً، وذلك بسبب نقده اللاذع لسياسات الحكومة، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وتضمنت أشكال معاقبة زواري إخضاعه للإقامة الجبرية بمنطقة ريفية في ولاية مدنين على بعد 500 كيلومتر من منزل أسرته بضواحي تونس العاصمة، وحبسه ثلاث مرات، وإخضاعه لمراقبة الشرطة على مدار الساعة، ومنعه أحياناً من استعمال مقاهي الإنترنت المحلية للاتصال بالآخرين.
وكان زواري قد بدأ إضراباً عن الطعام منذ الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني احتجاجاً على رفض الطلبات الكتابية المتعددة التي تقدم بها إلى السلطات للسماح له بزيارة أسرته.
وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لمنظمة هيومن رايتس ووتش
"إن الحكومة التونسية تروج باستمرار لسجلها في مجال حقوق الإنسان؛ ولكنها لن تقنع العالم بأن الأوضاع تتغير بالفعل إلا عندما يُسمح لمعارضين من أمثال عبد الله زواري بحرية السفر والتعبير".
وكان زواري يعمل مدرساً للغة العربية بمدرسة ثانوية وصحافياً بجريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي عندما ألقي القبض عليه في عام 1991. وجاء القبض عليه جزءاً من حملة ضخمة شنتها السلطات على الحزب بعد إعلان حظره قانونياً. وكان زواري واحداً من قيادات النهضة الذين تمت إدانتهم في العام التالي في محاكمة جماعية أمام محكمة عسكرية بتهم تتعلق بالسعي إلى إسقاط النظام. وتعرضت المحاكمة وقتها لانتقادات من منظمات راقبتها، كانت من بينها منظمة هيومن رايتس ووتش، ووصفتها بأنها غير عادلة بشكل سافر.

وحُكم على زواري بقضاء 11 عاماً في السجن، بالإضافة إلى خمسة أعوام رهن "المراقبة الإدارية". وبعد إطلاق سراحه أمرته السلطات بالإقامة في حاسي جربي بولاية مدنين، وهي منطقة لم يكن له أية صلة بها باستثناء كون أصول أسرة زوجته ترجع إلى هناك. فقد نشأ زواري بمنطقة موناستير وكان وقت القبض عليه في عام 1991 يقطن في ضواحي تونس العاصمة، حيث لا تزال زوجته وأربعة من أطفاله يعيشون. كما أن تونس العاصمة هي محل الإقامة المذكور في بطاقتي هويتهما ومدارس أطفالهما توجد بها.
ورغم أنه من المألوف أن يواجه السجناء السياسيون في تونس طائفة من القيود الإدارية بعد إطلاق سراحهم، إلا أن الإبعاد الفعلي داخل الحدود لسجين سابق يعد أمراً نادر الحدوث. ويبدو أن هذا الإجراء قد تم اللجوء إليه خصيصاً في حالة زواري بغرض إسكات معارض يحتفظ بتوثيق مفصل لأوضاع السجون ويعلن بوضوح أن قضاء عقد من السنوات وراء القضبان لم يضعف من عزمه على انتقاد السياسات الحكومية والتعاون بانفتاح مع المنظمات الحقوقية.
وأصرت السلطات التونسية في بيان لها على أن قانون العقوبات يمنح وزير الداخلية سلطة تحديد محل إقامة زواري كجزء من عقوبة المراقبة الإدارية. وأضافت أن إدانة زواري ثلاث مرات منذ عام 2002 صدرت عن القضاء نتيجة انتهاك القانون التونسي وأن هذه الأحكام تم تأييدها بعد الاستئناف. وقالت إن هذا يظهر أن قضية زواري لا علاقة لها بـ"حرية 'العيش حياة طبيعية مع أسرته'".
غير أن معاملة زواري بشكل عام لا تدع مجالاً للشك في كون السلطات تضطهده بسبب آرائه الصريحة في السياسة وحقوق الإنسان.
وكان زواري قد أقام دعوى أمام محكمة إدارية بمكان إقامته الجبرية بعد فترة قصيرة من صدور قرار الإقامة الجبرية في عام 2002، دفع فيها بأن أي تطبيق لعقوبة المراقبة الإدارية التالية لعقوبة السجن لا يجب أن يتضمن التفريق بينه وبين أسرته أو محيطه الاجتماعي أو فرصه في التوظيف. ولا يزال زواري في انتظار نظر الدعوى بعد أكثر من عامين على إقامتها.
وقد شاهد ممثل لمنظمة هيومن رايتس ووتش في 11 ديسمبر الماضي أفراداً بدا بوضوح أنهم أفراد شرطة بملابس مدنية يقفون في ثلاثة مواقع مختلفة في نطاق 100 متر من منزل زواري. وقال زواري إنهم يتبعونه بسيارتهم بشكل معلن كلما غادر القرية.
كما دأبت السلطات على محاولة منع زواري من الاتصال بالعالم الخارجي. فقد وردت معلومات بأنه بعد أن استخدم زواري إحدى مقاهي الإنترنت بمدينة جرجيس المجاورة في 22 يناير/كانون الثاني لبث أخبار بشأن نيته الإضراب عن الطعام قام مسئول الأمن في المنطقة بإصدار أوامر لمالكي مقاهي الإنترنت الأربعة في المدينة بمنع زواري من دخولها. وقد صرح زواري بأنه تلقى هذه المعلومات من أحد مالكي مقاهي الإنترنت.
ويذكر أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تحاول فيها السلطات منع زواري من استعمال الإنترنت. ففي 19 إبريل/نيسان 2003 قامت صاحبة مقهى للإنترنت في جرجيس بمنع زواري من استعمال حاسب آلي بالمقهى، فيما بدا وكأنه تنفيذ لتعليمات الشرطة. وعندما تقدم زواري بشكوى ضد مالكة المقهى بسبب امتناعها عن تقديم الخدمة قامت المالكة بتقديم شكوى مضادة تتهم فيها زواري بسبها، وهو ما ينفي زواري وقوعه. وفي يوليو/تموز 2003 أدانت محكمة محلية زواري بتهمة السب وحكمت عليه بقضاء أربعة أشهر في السجن رغم أن الضحية المفترضة لم تحضر الجلسة؛ بينما تم رفض الشكوى التي قدمها زواري.
وتعكس هذه الإجراءات سياسة الحكومة التونسية في الرقابة على الإنترنت عن طريق مراقبة مقاهي الإنترنت وحجب المواقع التي تتهمها بانتقاد الحكومة. وتشمل هذه المواقع المحجوبة المجلات الإلكترونية الثلاث التي ينشر فيها زواري مقالات بشكل غير منتظم: تونس نيوز (www.tunisnews.net)، ونهضة نت (www.nahdha.net)، وكلمة (www.kalimatunisie.com).
وفي 17 أغسطس/آب 2003 وبينما كان زواري خارج السجن بموجب حكم استئنافي تم القبض عليه بتهمة انتهاك شروط المراقبة الإدارية بعدما سافر بصحبة ثلاثة من محامي حقوق الإنسان إلى بلدة بن قردان التجارية الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من منزله. وقال زواري وقتها إنه ظن أن من حقه الذهاب إلى بن قدران، خاصة وأنه كان قد سافر إليها في مناسبات سابقة تحت مراقبة لصيقة من الشرطة ودون أية عواقب. وفي 29 أغسطس/آب أصدرت محكمة محلية حكماً بسجن زواري تسعة أشهر بتهمة انتهاكه شروط المراقبة الإدارية، وذلك بموجب المادة رقم 150 من قانون العقوبات. وقد قضى زواري هذه العقوبة عقب قضائه العقوبة السابقة بالسجن أربعة اشهر بتهمة السب، وأطلق سراحه في سبتمبر 2004. وكان زواري في عام 2002 قد قضى كذلك شهرين في السجن تنفيذاً لحكم سابق بسجنه ثمانية أشهر بتهمة انتهاك شروط المراقبة الإدارية، قبل أن يتم إطلاق سراحه بموجب "أسباب إنسانية".