قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن قيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق نيران الدبابات والمروحيات على مظاهرة سلمية جنوبي قطاع غزة أمس يشكل استخداماً غير مشروع وغير ضروري للقوة؛ وقد أدى هذا القصف إلى مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، وإصابة عشرات آخرين.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش
"إنه لأمر فظيع أن تقدم القوات الإسرائيلية على استخدام أسلحة ميدانية لوقف مسيرة سلمية؛ وباستخدامها أسلحة ثقيلة ضد متظاهرين لم يستخدموا العنف، فإن إسرائيل لم تنتهك القانون الدولي فحسب، بل خالفت أيضاً القواعد والنظم الإسرائيلية ذاتها فيما يتعلق بإطلاق النار".
وكانت إسرائيل قد بدأت عملية اجتياح واسعة النطاق جنوبي قطاع غزة في وقت سابق من الأسبوع الحالي، حيث توغلت القوات الإسرائيلية في منطقة تل السلطان بمحاذاة الحدود المصرية، بين مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين ومنطقة غوش قطيف الاستيطانية الإسرائيلية، وقامت بإغلاقها وعزلها عن محيطها. وأصدر الجيش الإسرائيلي بياناً أوضح فيه التدابير التي اتخذها أمس أثناء مسيرة احتجاجية للفلسطينيين نحو حي تل السلطان، قائلاً إن إحدى المروحيات المسلحة أطلقت صاروخاً على منطقة مكشوفة بالقرب من موقع المسيرة لثني المتظاهرين عن مواصلة مسيرتهم نحو تل السلطان؛ وأضاف البيان أن الدبابات صوبت نيرانها لاحقاً على "مبنى مهجور" بالقرب من المتظاهرين، مما أسفر عن سقوط قتلى. وزعم الجيش الإسرائيلي أيضاً أنه استخدم القنابل المضيئة لتحذير المتظاهرين من مغبة مواصلة مسيرتهم نحو تل السلطان.

وعلى النقيض من ذلك، قال شهود عيان لمنظمة هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية لم تطلق أي أعيرة تحذيرية قبل سقوط هؤلاء القتلى؛ وإن القصف ظل مستمراً بينما كان المتظاهرون يحاولون نقل الجرحى. وقد وقع هذا الحادث في طريق رئيسي في منطقة عامرة. وأفاد شهود العيان أنه لا توجد أي "مبانٍ مهجورة" في المنطقة.
ولم تزعم القوات الإسرائيلية أنها تعرضت لأي هجوم من المتظاهرين؛ وتتباين روايات شهود العيان الذين قابلتهم منظمة هيومن رايتس ووتش مع ما ذكره الجيش الإسرائيلي عما إذا كان بعض المتظاهرين مسلحين، غير أن وجود بعض المتظاهرين المسلحين لا يبرر اتخاذ مثل هذه الإجراءات المفرطة والعشوائية.
هذا، وقد دعت هيومن رايتس ووتش الحكومة الإسرائيلية إلى الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، التي تسري على القوات المسلحة عند قيامها بأعمال حفظ الأمن والنظام أثناء المظاهرات. وتستوجب هذه المبادئ من قوات الأمن، عند قيامها بواجبها، أن تحرص قدر الإمكان على استخدام أساليب غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام العنف. وحينما لا يجد الموظفون المكلفون بتنفيذ القانون مناصاً من استخدام القوة، يجب عليهم توخي ضبط النفس، والاقتصار على الحد الأدنى الضروري من هذه القوة. ويجب تحقيق هذا الهدف المشروع بأقل قدر ممكن من الضرر والأذى، ومع احترام ضرورة الحفاظ على أرواح البشر.
كما تعرب هيومن رايتس ووتش عن عميق قلقها إزاء سياسة هدم المنازل الفلسطينية التي تنتهجها إسرائيل؛ وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أمس أنه بعد مقتل فلسطيني في الثاني من مايو/أيار الجاري أثناء تنفيذ هجوم في قطاع غزة أسفر عن مقتل خمسة مستوطنين إسرائيليين، قام الجيش بهدم منزله بعد ذلك بأسابيع، أثناء عملية الاجتياح الحالية. ويبدو أن هدم المنازل يأتي في إطار سياسة ينتهجها الجيش الإسرائيلي للعقاب الجماعي الذي يحرمه القانون الإنساني الدولي تحريماً صارماً. وفضلاً عما سبق، فإن كبار المسؤولين الإسرائيليين أعلنوا يوم 13 مايو/أيار عن خطط لهدم المئات من المنازل بهدف توسيع "منطقة فاصلة" على امتداد الحدود بين رفح ومصر؛ وعلى مدى بضعة أيام بعد ذلك، قام الجيش الإسرائيلي بهدم ما يتراوح بين 80 و116 منزلاً في المنطقة الحدودية، مما أدى إلى تشريد أكثر من 1000 شخص.

ويُزعم أن عمليات هدم المنزل تلك تستهدف الحيلولة دون اتخاذ هذه المنازل مخبأ للمسلحين الفلسطينيين أو غطاءً لأنفاق تهريب الأسلحة من مصر. وفي أعقاب الانتقادات الدولية، قالت الحكومة الإسرائيلية إنها لن تقوم بعمليات الهدم الشامل للمنازل في هذا الوقت، ولو أنها سوف تواصل تدمير المنازل "كلما دعت الضرورة لذلك" في سياق القتال.
وقالت ويتسن
"إن هدم المنازل كعقاب جماعي أو تدمير مناطق سكنية بأكملها هو أمر غير مشروع؛ فوفقاً لقوانين الحرب، لا يجوز تدمير الممتلكات الخاصة إلا إذا استوجبت العمليات العسكرية ذلك باعتباره ضرورة مطلقة؛ أما إذا كان التدمير غير المشروع واسع النطاق، ولا مبرر له، فإنه يعد بمثابة جريمة حرب".
وقد حثت منظمة هيومن رايتس ووتش الحكومة الإسرائيلية على السماح لمراقبين مستقلين بإجراء تحقيق نزيه غير متحيز بشأن العمليات التي قامت بها مؤخراً في منطقة رفح، واتخاذ الإجراءات التأديبية ضد من تثبت مسؤوليتهم عن أي أفعال غير قانونية، أو ملاحقتهم قضائياً، وفقاً لمقتضى الحال. كما يجب على الحكومة الإقلاع عن جميع سياسات هدم المنازل التي لا تتفق مع المعايير الدولية، بما في ذلك السياسات التي تهدف إلى "منع" وقوع هجمات في المستقبل. وأخيراً، يجب على المجتمع الدولي مطالبة إسرائيل بالوفاء بالالتزامات الدولية الواقعة على عاتقها باعتبارها دولة احتلال، مما يوجب عليها حماية المدنيين وممتلكاتهم.