البصرة -- "إن هذا المكان يبدو مناسبا لمقبرة جماعية" - هذا ما قاله لنا جواد كاظم علي، وهو عراقي يبلغ من العمر 54 عاما يحاول العثور على ابنه المراهق الذي "اختفى" منذ فترة من الزمن، وكنا عندئذ على بعد 25 ميلا إلى الغرب من البصرة، وأمامنا بقعة جرداء من الأرض تعلوها سلسلة من الآكام الترابية.

كان جواد قد أتى إلى هذا المكان ليحفر فيه وينقب بحثاً عن رفات ابنه مصطفى، وجاء معه فريق منظمة هيومن رايتس ووتش للبدء في تقييم المهمة الضخمة الماثلة أمامهم، والمتمثلة في فتح ملفات الماضي الوحشي الذي عاشه العراق.

لكن جواد لم يكن بقادر على الدنو من الموقع، ناهيك عن الحفر فيه؛ فقد كانت قذائف الهاون الحية وغيرها من الذخائر غير المنفجرة منتثرة فوق الآكام.

وأيا كان من حفر هذه القبور - إن كانت قبوراً حقاً - فقد حرص أشد الحرص على طمس معالمها لتصبح مهمة الكشف عنها غاية في الصعوبة؛ وهي كذلك بالفعل.

لقد احتجزت حكومة صدام حسين أو قتلت أكثر من 250 ألفاً، وكلهم تقريبا لهم أقارب يطالبون الآن بالعدل، أو بتسلم رفات ذويهم، أو على الأقل الحصول على معلومات عما حدث لأحبائهم.
وفي خضم أعمال السلب التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تعرض للنهب أو الإتلاف ما لا يُحصى من الوثائق الخاصة بالاعتقالات وعمليات الإعدام. وقد تحاول أسر الضحايا الاقتصاص لهم من مسؤولي النظام السابق، الأمر الذي ربما يفجر موجة أخرى من موجات إراقة الدماء التي لا يتحملها هذا البلد.

إلا أن جواد لم يكن متعطشاً للدماء، وإنما كان مدفوعاً بلوعة مؤلمة تضطرم في قلبه ورغبة عارمة في وضع حد لما يعتمل في نفسه من مشاعر حيال فقد ابنه.

فقد كان مصطفي طالبا بالسنة النهائية بالمدرسة الثانوية عندما أتت جماعة مسلحة إلى منزل أسرته واقتادته هو وأخاه الأكبر يوم 24 مارس/آذار 1999، وذلك على إثر اندلاع انتفاضة شيعية هزت البصرة مؤخراً، وقيام حزب البعث بالانتقام من الشيعة. وبعد أقل من شهر رجع جواد من عمله ليجد أن منزله قد تعرض للسرقة والنهب، وأن بقية أسرته غير موجودة، فلحق بهم في السجن ليبقى معهم حتى يحميهم قدر استطاعته.

واحتُجز جواد واثنان من أبنائه في أحد سجون البصرة مع 70 أو 80 آخرين في غرفة طولها 18 قدما وعرضها 12 قدما وبها مرحاض واحد مفتوح. ثم أفرج عنهم في آخر الأمر في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1999، لكنهم وجدوا أن منازلهم قد سويت بالأرض، وفقد جواد الوظيفة التي كان يعمل بها في حقل التدريس.

ننتقل بعد ذلك سريعا إلى التاسع من أبريل/نيسان 2003؛ فعندما انهارت الحكومة العراقية انكشفت وثيقة خطية مهمة في سياق أعمال السلب التي تعرضت لها مديرية الأمن في البصرة، وأصبحت الآن معلقة في كل مسجد من مساجد المدينة، وبها خانات بأسماء 140 شخصا وأعمارهم وتاريخ مقتلهم وعلى يد من قتلوا، وتوحي القائمة بأن هؤلاء الأشخاص أعدموا في جماعات، وأن منهم من قتل على أيدي أقارب المقتولين في انتفاضة الشيعة، ومنهم من قتل على أيدي ضباط الأمن.

وطبقا لهذه الوثيقة، فقد قتل مصطفى رميا بالرصاص على أيدي ضباط الأمن في الثامن من مايو/أيار 1999. فهل كان هذا الموقع الغريب الواقع إلى الغرب من مدينة البصرة هو المقبرة الجماعية التي دفن فيها ابن جواد؟ إن جواد يريد أن يصدق ذلك.

لقد بدأت الشائعات تنتشر في شتى أنحاء البصرة بين الناس الذين انهمكوا في محاولة محمومة للبحث عن دليل. وكان العراقيون يحاولون الاقتراب منا والحديث إلينا دائما وبصورة شبه عشوائية في شوارع البصرة لرغبتهم في الحصول على العون للعثور على رفات ذويهم.

والسؤال الآن هو ما الذي تفعله قوت التحالف، لا لتهدئة النفوس المعذبة فحسب، ولكن ضمانا لإحقاق الحق وإخماد الضغائن المترتبة على فظائع الماضي إلى الأبد، وذلك لأسباب عملية بحتة؟ فليس من مصلحة أحد أن ينبش الأفراد القبور الجماعية؛ إذ نادرا ما يجد الناس ما يبحثون عنه، وكثيرا ما يفوتون على غيرهم فرصة العثور على ما يحتاجون إليه. ولذلك يجب على القوات الأمريكية والبريطانية أن تبدأ بأقصى سرعة في حراسة المواقع المماثلة للموقع الذي زرناه إلى الغرب من البصرة لمنع محاولات الحفر العشوائية التي يقوم بها الأقارب الملهوفون على من فقدوا من ذويهم.

إن كلاً من هذه المواقع كان مسرحاً لجرائم ارتُكبت، ويجب على قوات التحالف باعتبارها قوات احتلال أن تقوم بدور الشرطة في العراق الآن. والمعروف أن المقابر الجماعية يمكن أن تقدم أدلة بالغة الأهمية للمحاكمات التي قالت الحكومة الأمريكية إنها يجب أن تعقد لمقاضاة مرتكبي الجرائم في الماضي.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن أسر الضحايا مشغولة الآن بالاحتياج النفسي إلى التعرف على مصير ذويهم المختفين أكثر من الحاجة المجردة إلى العدالة؛ ولذلك يجب أن يكون لهم صوت في وضع خطة ما لاسترداد رفات الضحايا وتوثيق ما حدث.

إن القوات الدولية لا تستطيع أن تبعد الناس عن المواقع التي هم في أمس الحاجة إلى زيارتها، ومن هنا ينبغي على السلطات الأمريكية والبريطانية أن تتعاون مع القادة المحليين لإنشاء هيئة معنية بالمفقودين، يمكن أن تقدم لها الأسر ما من شأنه المساعدة في العثور عليهم، مثل سجلات علاج الأسنان الخاصة بهم؛ فهناك مجموعة من الأسباب القانونية والنفسية التي تجعل الأسر بحاجة إلى تلقي تأكيد رسمي بوفاة ذويهم وسبب وفاتهم.

إن الموقع الذي زرناه مع جواد كان "متفجرا" بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن جرائم الماضي يمكن أن تواصل الانفجار بطرق كثيرة أخرى غير ذلك.
*سمعان ضياء ظريفي وأوليفر بيركولت عضوان في فريق منظمة هيومن رايتس ووتش الذي يجرب تحقيقات في البصرة.