Skip to main content
تبرعوا الآن

إيران: القصف الإسرائيلي على مستودعات النفط يهدد البيئة والصحة

الأضرار المتوقعة الناجمة عن هجمات 7 مارس/آذار جرائم حرب محتملة

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة لتخزين النفط عقب غارات جوية إسرائيلية في طهران، إيران، 7 مارس/آذار 2026. © 2026 عليرضا صوت أكبر/إيسنا عبر أ ب
  • الهجمات الإسرائيلية على أربعة مستودعات نفط حول طهران في 7 مارس/آذار 2026 قد تتسبب في أضرار صحية وبيئية طويلة الأمد للمدنيين.
  • الضربات التي تستهدف بشكل أساسي البنية التحتية المدنية وتسبب أضرارا متوقعة للمدنيين هي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب محتملة. 
  • يفترض أن القوات الإسرائيلية لم تأخذ في الحسبان الأضرار المتوقعة على المدى الطويل في محيط طهران، وهو ما يجب أن تُحاسب عليه.

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الهجمات الإسرائيلية على أربعة مستودعات نفط حول طهران في 7 مارس/آذار 2026 قد تسبب أضرارا صحية وبيئية طويلة الأمد للمدنيين. وتشكل الضربات التي تستهدف بشكل أساسي البنية التحتية المدنية بشكل أساسي وتسبب أضرارا متوقعة للمدنيين انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، ومن المرجح أن تكون جرائم حرب

في 8 مارس/آذار، أفادت شركة توزيع النفط المملوكة للدولة في إيران أن "أربعة مواقع تستخدم لتخزين وتوزيع المنتجات النفطية ومركزا لنقل المنتجات النفطية في محافظتي طهران وألبرز تعرضت لهجوم من طائرات معادية". في ذلك اليوم، نشر الجيش الإسرائيلي على "إكس" أنه استهدف "عدة مجمعات لتخزين الوقود تابعة للحرس الثوري الإسلامي في طهران". 

قالت بهار صبا، باحثة أولى في شؤون إيران في هيومن رايتس ووتش: "قد يكون لهجمات إسرائيل في 7 مارس/آذار على مستودعات النفط المحيطة بطهران عواقب مدمرة على البيئة وصحة الناس لسنوات عديدة، ومن المرجح أن تشكل جرائم حرب. بحسب الافتراض، لم تأخذ القوات الإسرائيلية في الحسبان الضرر المتوقع على المدى الطويل في محيط طهران، وهو ما يجب أن تُحاسَب عليه".

تحدثت هيومن رايتس ووتش مباشرة أو عبر أطراف ثالثة مع ثمانية أشخاص في طهران وكرج حول آثار الضربات، ومع تسعة خبراء في البيئة والصحة. حلل الباحثون صور الأقمار الصناعية وتحققوا من الفيديوهات المتعلقة بالهجمات. ووجهت هيومن رايتس ووتش رسالة إلى السلطات الإسرائيلية والإيرانية في 26 مارس/آذار للحصول على مزيد من التوضيح بشأن الهجمات. ولم تردّ السلطات الإيرانية حتى الآن.

ردت السلطات الإسرائيلية في 30 مارس/آذار، قائلة إن الهجمات "نُفذت وفقا لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط". وأفادت بأن مستودعات النفط التي تعرضت للهجوم "كانت مخصصة لتوفير الوقود مباشرة للوحدات للقوات المسلحة التابعة للنظام، دعما لعمليات الطيران العسكري والمسيّرات والسفن الحربية والبنية التحتية العسكرية الأخرى". 

تأكدت هيومن رايتس ووتش من أن مستودعات النفط كانت تُستخدم لأغراض مدنية، لكنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تُستخدم أيضا لدعم الجيش. قال مصدر مطلع إن مستودعات النفط كانت تحتوي فقط على البنزين والديزل، اللذين لا يُستخدمان في الطيران أو المسيّرات أو السفن الحربية. 

أكدت هيومن رايتس ووتش الهجمات على مستودعات النفط الأربعة باستخدام صور الأقمار الصناعية وفيديوهات تم التحقق منها، بعضها حددت مواقعها الجغرافية مجموعة "جيو كونفيرمد"التطوعية. 

خريطة للهجمات الأربع المؤكدة على منشآت النفط والغاز في 7 مارس/آذار 2026، في طهران، إيران. غرافيك © 2026 هيومن رايتس ووتش

تُظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطت في 9 مارس/آذار – بعد أكثر من 24 ساعة من الهجمات – أعمدة دخان كبيرة تتصاعد من مستودعات النفط في شهران وأقدسيه وشهر ري. 

تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 9 مارس/آذار 2026 أعمدة دخان ضخمة تتصاعد من مستودعات النفط في شهران وأقدسيه وشهري ري. وتُظهر الصور الملتقطة في 11 مارس/آذار خزانات نفط مدمرة في مستودع فارديس ومبانٍ مجاورة مدمرة، بما فيها منشأة طبية الصور © Planet Labs PBC التحليل والغرافيك © 2026 هيومن رايتس ووتش

وتُظهر الصور الملتقطة في 11 مارس/آذار خزانات وقود مدمرة في مستودع فرديس للنفط. أفادت "جامعة ألبرز للعلوم الطبية" أن مركز غسيل الكلى بالقرب من مستودع فرديس "اشتعلت فيه النيران ودُمرت معداته ومبانيه" خلال الهجوم. وتُظهر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة الملتقطة في 18 مارس/آذار أضرارا مفترضة في منشأة طبية ومدرسة ابتدائية بالقرب من خزان نفط مدمر في مستودع فرديس للنفط.

كما تُظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطت في مارس/آذار عمودا من الدخان الأسود يتصاعد من مستودع شهر ري باتجاه وسط طهران. وتُظهر صور في 17 مارس/آذار أن عشرات خزانات الوقود متضررة أو مدمرة بشكل واضح في المواقع الأربعة، بما يشمل ألسنة اللهب والدخان المتصاعد من مستودع أقدسيه للنفط.

تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 11 مارس/آذار 2026 سحابة دخان أسود تتصاعد من مستودع النفط في شهر ري باتجاه الشمال والمناطق المكتظة بالسكان في طهران. © الصورة © 2026 Copernicus.Sentinel-3 data الغرافيك © 2026هيومن رايتس ووتش

قال محافظ محافظة ألبرز إن الضربة التي استهدفت مستودع فرديس النفطي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ستة أشخاص وإصابة 21 آخرين، وهو ما لم يتسنَ التحقق منه. ولم ترد أنباء عن أرقام الضحايا في الهجمات الثلاثة الأخرى.

قالت امرأة في شمال طهران لـ هيومن رايتس ووتش: "في اليوم التالي لقصف [مستودعات النفط]، لم يكن بالإمكان رؤية السماء – كانت سوداء".

قالت امرأة من شهرك غرب في شمال غرب طهران: "بدت المدينة وكأنها في يوم القيامة. كانت واجهات المباني البيضاء والسيارات والفسيفساء في الأفنية وشجيرات الزهور والنباتات وقطط المدينة مغطاة بطبقة من السخام الأسود". 

سحابة دخان داكنة تحيط بمبنى سكني بالقرب من حريق مستمر عقب غارات جوية إسرائيلية شُنت في 7 مارس/آذار 2026 على مصفاة شهران للنفط في شمال غرب طهران، إيران، 8 مارس/آذار 2026.  © 2026 أ ف ب عبر غيتي إيمجز

وصف السكان أعراضا تنفسية فور وقوع الهجمات، مثل ضيق التنفس والسعال المستمر وألم الصدر وتهيّج الجلد والعينين. 

قال خبراء البيئة والصحة إن الهجمات على مستودعات النفط تسببت في انبعاث ملوثات هوائية خطيرة، غازية ومرئية، يمكن أن تسبب آثارا صحية حادة ومزمنة على السكان القريبين، ربما لعقود.

صرّح "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" في 13 مارس/آذار: " يتعرّض السكان في إيران – بمن فيهم الأطفال – حاليا للاستنشاق المباشر لدخان كثيف ناتج عن احتراق النفط، والذي يحتوي على مركّبات خطرة، مما يثير مخاوف بشأن المخاطر طويلة المدى على صحة الإنسان والبيئة.. ... قد تتسرب الملوثات الناتجة عن الحرائق غير المسيطر عليها إلى التربة والمياه، وتصل إلى المياه الجوفية، وتمتصها المحاصيل، مما يؤدي إلى تلوث الإمدادات الغذائية". 

قالت "منظمة الصحة العالمية" إن الهجمات "أثارت مخاوف من تعرّض المنطقة لتلوث أوسع نطاقا، وإن التلوث السام والملوثات التي تؤثر على صحة الجهاز التنفسي وتلوث المياه يمكن أن تكون لها آثار طويلة الأمد".

بموجب قوانين الحرب السارية على النزاع المسلح الدولي في إيران، لا يجوز توجيه الهجمات إلا نحو الأهداف العسكرية. على الأطراف المتحاربة اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين والأعيان المدنية إلى أدنى حد ممكن، بما يشمل تجنب وضع الأهداف العسكرية بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان. 

وتعتبر مستودعات النفط وغيرها من البنى التحتية للطاقةتلقائيا أعيانا مدنية، لكنها يمكن أن تصبح أهدافا عسكرية إذا استُخدمت لدعم الجيش. مع ذلك، فإن مهاجمتها ستكون غير متناسبة بشكل غير قانوني إذا تجاوز الضرر المتوقع الذي يلحق بالمدنيين والهياكل المدنية المكاسب العسكرية المتوقعة. 

تنص توجيهات "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" على أن تقييمات التناسب يجب أن تأخذ في الاعتبار الآثار البيئية غير المباشرة "التي يمكن توقعها بشكل معقول". وتشمل هذه الآثار التأثيرات طويلة الأمد أو "الارتدادية" على المياه، ونظم الغذاء، وصحة المدنيين. كما أن الهجمات ضد الأهداف العسكرية تكون غير قانونية إذا كان من المتوقع أن تسبب أضرارا "بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد" للبيئة الطبيعية، تُقاس بالشهور أو السنوات. 

الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب التي يتم الأمر بها أو ارتكابها بنية إجرامية — أي عمدا أو باستهتار — تشكل جرائم حرب

قالت هيومن رايتس ووتش إنه بالإضافة إلى التأكد من أن مستودعات النفط كانت أهدافا عسكرية، كان على القوات الإسرائيلية أن تأخذ في الاعتبار العواقب الطويلة الأمد المتوقعة للهجمات على البيئة وصحة الناس. 

استهدفت القوات الإيرانية البنية التحتية للنفط والغاز في دول أخرى – الإمارات والبحرين والسعودية وعُمان وقطر والكويت.

قالت صبا: ينبغي أن تدرك إسرائيل، وكذلك الولايات المتحدة وإيران، أن قوانين الحرب تنص على تدابير حماية خاصة للبيئة. من المرجح أن تؤثر الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للنفط والغاز على ملايين الأشخاص لفترة أطول بكثير من النزاع نفسه". 


مستودعات النفط في طهران ومحيطها

هاجمت القوات الإسرائيلية في 7 مارس/آذار أربعة مستودعات رئيسية للنفط والغاز في طهران وحولها: مستودع شهر ري للنفط، الواقع شرق مصفاة طهران للنفط في جنوب المدينة؛ ومستودع شهران للنفط في شمال غرب طهران؛ ومستودع أقدسيه للنفط في شمال شرق طهران؛ ومستودع فرديس للنفط في في كرج، بمحافظة ألبرز على بعد حوالي 48 كيلومتر غرب طهران. وكانت القوات الإسرائيلية قد استهدفت مستودعي شهري ري وشهران للنفط في يونيو/حزيران 2025.

تشير مقالات لمنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية المحلية بين 2020 و2025 وبيان صادر في سبتمبر/أيلول 2025 عن "الشركة الوطنية الإيرانية لتوزيع المشتقات النفطية" إلى أن مستودع شهران كان نقطة تخزين وتوزيع رئيسية للوقود، بما يشمل البنزين المخصص للمركبات. إذ توزع مئات الشاحنات يوميا الوقود من المنشأة إلى محطات الوقود في مختلف أنحاء طهران، لا سيما في شمال طهران وشمال غربها ووسطها. 

 بنيت المنشأة في 1974-1975 على مشارف المدينة، لكن بحلول 2020، ونتيجة للزيادة الهائلة في عدد سكان طهران، أصبح الموقع منطقة سكنية وتجارية مكتظة. وكان السكان وأعضاء المجلس البلدي قد أعربوا مرارا عن مخاوفهم بشأن المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها السكان في حالة وقوع حادث.

قال مهندس سابق في شركة مصفاة طهران إن جميع المستودعات كانت تخزّن البنزين والديزل المستخدمين في الحياة اليومية – "السيارات والشاحنات والزراعة". وأضاف أنها لم تكن تخزّن الوقود والبتروكيماويات المشتقة من تكرير النفط الخام أو الغاز الطبيعي، مثل الكيروسين ونفتا البترول، التي لها تطبيقات صناعية محددة وتستخدم في دفع المركبات الفضائية، ومن المرجح أن تستخدم لأغراض عسكرية. مع ذلك، لا يزال بإمكان الجيش استخدام المشتقات النفطية الموجودة في هذه المستودعات.

تتناول الأقسام التالية الآثار قصيرة المدى والمحتملة طويلة المدى لضربات 7 مارس/آذار على مستودعات النفط على البيئة وصحة الناس. 

الأمطار السوداء والحمضية

وصف أحد سكان طهران الآثار المباشرة التي أعقبت الحادث قائلا: 

"بعد الانفجار ليلا، تحوّل الليل إلى نهار في بعض أجزاء طهران. تحولت السماء إلى اللون الأحمر وغطت السحب السوداء المدينة تدريجيا. كان الكثير من الناس على أسطح المنازل يشاهدون النيران والدخان. لكن المواجهة الرئيسية مع عمق الكارثة كانت في صباح اليوم التالي. عندما انتظرنا، لم تظهر الشمس. كانت السماء تبدو وكأننا في منتصف الليل".

أفاد سكان طهران وكرج على نطاق واسع بأن غبارا أسود غطى السيارات والحيوانات والنباتات والأسطح الخارجية الأخرى. قال خبراء بيئيون إن من المرجح جدا أن يكون ذلك الكربون الأسود، أو السخام، وهو مادة خطيرة جدا على صحة الإنسان والبيئة. 

حددت هيومن رايتس ووتش الموقع الجغرافي لفيديو من تقرير لـ "سي إن إن" بتاريخ 8 مارس/آذار يظهر سماء سوداء وشرفة مبللة مغطاة بمادة تشبه السخام، والتي يقول المراسل إنها تبدو وكأنها مياه أمطار مشبعة بالنفط، على مبنى في شمال طهران، على بعد حوالي 10 كيلومتر من مستودعات النفط في شهران وأقدسيه. قالت امرأة إن صديقتها في طهران ذكرت أن "جميع القطط أصبحت سوداء" بعد الهجوم. وقال شخص آخر إن القطط في المدينة بدت وكأنها "مغموسة بالسخام الكثيف". تظهر إحدى الصور من طهران أزهار الياسمين مغطاة بالغبار الأسود. 

في اليوم التالي للهجوم، أبلغ العديد من الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك منظمة الصحة العالمية، عن هطول أمطار سوداء وحمضية في طهران وكرج. قال أحد سكان طهران لابنته بعد الهجوم: "كان الجو مظلما ولم أستطع رؤية الشمس في الصباح". وأضاف أن المطر الذي هطل في اليوم التالي ترك قطرات سوداء على نظارته. 

قال أرمين سوروشيان، أستاذ الهندسة الكيميائية والبيئية بـ "جامعة أريزونا"، إنه استنادا إلى الصور والروايات الواردة من طهران بعد الهجوم، كان من الواضح أن "السخام، المعروف أيضا بالكربون الأسود، هو ما كان موجودا في الهواء. معظم الجسيمات الأخرى لا تمتص الضوء، ولهذا السبب لا تظهر باللون الأسود". وقال أيضا إن المطر الحمضي الذي أفاد الناس برؤيته في اليوم التالي للهجوم كان على الأرجح ممتزجا بالسخام المنتشر في الهواء في ذلك الوقت.

الأمطار الحمضية هي تساقط مواد كيميائية حمضية ضارة من الغلاف الجوي. وفي معرض حديثه عن الأوضاع في طهران يوم 10 مارس/آذار، قال كريستيان ليندماير، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، "إن المطر الأسود والأمطار الحمضية المصاحبة له تشكل بالفعل خطرا على السكان". 

قالت المرأة من شهرك غرب إن الناس في شمال طهران "كانوا يرتدون الكمامات ويُظهرون لبعضهم البعض آثار السخام الأسود على ملابسهم ووجوههم". وأضافت أن الناس كانوا يعبرون عن قلقهم بشأن تنفس الهواء ويخشون أن تكون الطبقة السوداء تغطي رئتيهم. قالت: "بعد ذلك بقليل، بدأت تمطر بغزارة. تدفقت قطرات سوداء من أسطح السيارات في الشارع. بدت المدينة وكأنها امرأة تبكي وقد تلطخ وجهها بمكياجها". 

قال الطالب في كرج إن رئتيه "حساستان بشكل عام" بسبب الربو، لكنه خرج بعد الهجوم. وعندما عاد إلى الداخل، "أصيب بسعال شديد ومستمر دام حتى ظهر اليوم التالي".

قال أستاذ في هندسة الطاقة المستدامة إنه كان من المتوقع أن يؤدي مثل هذا الهجوم "إلى حالة طوارئ لتلوث حاد في الهواء على مستوى المدينة"، تغطي مدينة طهران بأكملها لمدة لا تقل عن عدة ساعات، مما يؤثر على سكانها البالغ عددهم 10 ملايين نسمة. 

بينما قال الطالب في كرج وآخرون إن الهواء بدا أنظف بعد بضعة أيام من المطر، أوصت وزارة الصحة الإيرانية الناس بـ"البقاء في منازلهم وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى"، وتجنب ممارسة الرياضة والمشي في الحدائق. 

أصدرت "جمعية الهلال الأحمر الإيراني" تحذيرا بشأن تلوث الهواء بالمواد الكيميائية السامة الذي يؤدي إلى هطول الأمطار الحمضية، والتي قالت إنها شديدة الخطورة ويمكن أن تؤدي إلى حروق كيميائية في الجلد وتلف الرئتين. تبع ذلك إصدار إعلانين تثقيفيين ينصحان السكان باتخاذ تدابير مثل غسل أي جزء من الجلد تعرض للمطر بشكل متكرر بالماء البارد، وشطف الأنف والحلق بعد هطول المطر، حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يغادروا منازلهم، والامتناع عن الخروج فور هطول المطر. 

التهديدات التي تواجه البيئة 

قال أحد سكان طهران في رسالة صوتية بعد الهجمات: "إنه أمر كارثي، كارثي. التلوث شديد، وطهران تحت سحب كيميائية سوداء. تسمم الكثيرون، وأنا نفسي لا أستطيع التنفس بشكل سليم واضطررت إلى استخدام جهاز استنشاق. [كما أعاني] من حرقة في العينين والحلق". 

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ستة خبراء بيئيين ومهندسين على دراية بالبنية التحتية للطاقة في إيران بشأن الملوثات المحتملة التي قد تكون انبعثت في الهواء جراء الهجمات على مستودعات النفط. 

قال هانز بيتر هاينريش آرب، الكيميائي البيئي في "الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا": "ستكون هناك موجتان من التلوث الناجم عن المطر الأسود"، مشيرا أولا إلى الارتفاع الفوري في التعرض للمواد السامة عبر الهواء والماء والجلد، وثانيا إلى الانتشار طويل الأمد للمواد الكيميائية الخطرة — ومن ضمنها الملوثات المنبعثة من سحب الدخان النفطي ورغوة إطفاء الحرائق — التي ستؤثر على السكان في المناطق المجاورة. قال: "إذا لم تكن هناك حرب، فإن أفضل ما يمكن فعله هو محاولة إزالة أكبر قدر ممكن من السحب واحتواءها قبل أن تنتشر، وهو أمر صعب بحد ذاته عندما لا يكون هناك خطر من تهديدات إضافية بالقنابل".

قال مهندس الطاقة المستدامة إن حرق البنزين والديزل في "حرائق الخزانات" سيؤدي على الأرجح إلى إطلاق ملوثات مثل "الجسيمات الدقيقة وفائقة الدقة، والكربون الأسود أو السخام، والمركبات العضوية المتطايرة، وأول أكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والألدهيدات، والمركبات العطرية من نوع البنزين، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات الناتجة عن الاحتراق". وقال هو وخبراء آخرون بالمثل إن المطر الأسود ناتج عن "الاحتراق غير الكامل للمنتجات البترولية"، التي تحتوي على ملوثات، بما فيها تلك التي ذكرها. 

قال خبراء البيئة إن هذه الملوثات معروفة بخطورتها الشديدة على البيئة. وحذروا من الآثار المحتملة والخطيرة على المدى الطويل على النظام البيئي والسلسلة الغذائية التي قد تنجم عن الهجمات.

وصف سوروشيان الآثار طويلة المدى للأمطار الحمضية قائلا: "المشكلة الرئيسية تتعلق بالنظم البيئية. ستسقط غالبية [الأمطار الحمضية] على الأرض، والأرض بها تربة. أو على المجاري المائية. قد يقلل ذلك من درجة الحموضة في أي مسطح مائي، وإذا وصلت الأمطار الحمضة إلى التربة، يمكن أن تتسرب إلى المياه الجوفية وتؤدي إلى تحمض كل ما تلامسه". 

وصف كاوه مدني، مدير "معهد المياه والبيئة والصحة" التابع لـ "جامعة الأمم المتحدة"، الآثار المحتملة للملوثات على مجاري المياه: "إذا كانت هذه المواد سامة، فستؤثر على المياه وبالتالي على الزراعة والنظم الغذائية". قال إن التلوث "يؤثر على الجلد والنباتات والكلاب والطيور والقطط، وكل شيء. المطر قد يزيد الأمور سوءا لأنه يبقي هذه المواد في البيئة وقد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية ".

قال آرب، الكيميائي البيئي: "ستستمر السحابة [المواد السامة المنبعثة] في التوسع مع انتشار الملوثات، مما يمثل خطرا طويل الأمد على التربة والمياه الجوفية [في طهران] لعقود". وقال إنه ينبغي تنفيذ تدابير طويلة الأجل لحماية المياه الجوفية بعد تنظيف السطح للحد من انتشار التلوث. وقد تشمل هذه التدابير طرق الضخ والمعالجة – التي يتم فيها استخراج المياه الجوفية لإزالة الملوثات – أو تركيب حواجز تحت السطح لمنع المزيد من الانتشار.

العواقب الصحية المحتملة 

بالإضافة إلى الآثار الصحية الفورية، وصف عدة أشخاص في طهران مشاكل صحية مستمرة بعد أيام وأسابيع من الهجوم. قالت امرأة إن شقيقتها، وهي من سكان طهران في الأربعينيات من عمرها وليس لديها أي مشاكل صحية، اضطرت للذهاب إلى البنك بعد الهجوم بوقت قصير. وأوضحت أنها أوقفت سيارتها أقرب ما يمكن من البنك حتى لا تضطر إلى السير مسافة طويلة في الهواء الملوث، لكن بعد بضع خطوات بدأت رئتاها تؤلمانها. وقالت شقيقتها: "حتى يومنا هذا [بعد أكثر من أسبوع] لا تزال رئتاها تؤلمانها". 

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ستة خبراء في مجال الصحة والبيئة بشأن العواقب الصحية المحتملة على المدى القصير والطويل للهجمات على مستودعات النفط. قال كل منهم إن هذه العواقب هي توقعات تستند إلى فهمهم للملوثات التي من المرجح أن تكون قد انبعثت من الهجمات، لكن هناك حاجة إلى مزيد من البيانات لإجراء توقعات أكثر دقة.

قال أرب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "التلوث سلاح مزمن – من النوع الذي يستمر في القتل بعد توقف إطلاق النار"، مؤكدا على العواقب الصحية المحتملة على المدى الطويل. 

قد يشير المطر الحمضي إلى الانتشار الواسع لملوثات الهواء الضارة بصحة الإنسان. يمكن أن يكون للملوثات الجوية، التي تعد من العوامل الشائعة المسببة للمطر الحمضي، والتي تنتج بشكل أساسي عن احتراق الوقود الأحفوري، آثار سلبية عميقة على الصحة عند استنشاقها، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض صحية حادة مثل النوبات القلبية ونوبات الربو، ويساهم في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية المزمنة، والضعف الإدراكي العصبي لدى الأطفال. 

قال إيوغان داربيشاير، عالم بيئي في "مرصد النزاع والبيئة" الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقرا له: "الكربون الأسود والمعادن هي في الحقيقة التي تشكل مخاطر مستمرة من الترسب ثم إعادة الانتشار بفعل الرياح ودخولها إلى رئتي الناس". 

قال مهندس الطاقة المستدامة في تعليقه على تحليل منظمة الصحة العالمية للمخاطر الصحية المحتملة الناجمة عن التعرض للملوثات التي من المحتمل أن تكون ناتجة عن الهجوم، قائلا: "هذا أمر مهم بالنسبة لطهران لأن التقارير الواسعة النطاق عن ترسب السخام تشير إلى أن السكان لم يتعرضوا فقط لدخان مزعج، بل لتركيز عالٍ من الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الاحتراق والتي لها تأثير صحي كبير".

قال ليندماير من منظمة الصحة العالمية إنه لم يتمكن من الاطلاع على تقارير السلطات الوطنية بشأن قياسات تركيزات الملوثات. مع ذلك، فإن التعرض للملوثات التي انبعثت على الأرجح من الهجمات على مستودعات النفط "يؤدي إلى تهيج الرئتين والعينين على المدى القصير"، ويمكن أن يؤدي أيضا إلى أمراض مزمنة على المدى الطويل، ومنها "أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان – وخاصة سرطان الرئة – ونتائج الحمل السلبية".

أفادت "وكالة حماية البيئة" الأمريكية سابقا أن "الجسيمات الدقيقة [ومنها الكربون الأسود] يمكن أن تخترق الرئتين بعمق". قالت الوكالة أيضا إن التعرض لهذه الجسيمات الدقيقة "يمكن أن يسبب الوفاة المبكرة وآثارا ضارة على الجهاز القلبي الوعائي (القلب والدم والأوعية الدموية)".

أشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة في بيانه الصادر في 13 مارس/آذار إلى التجارب المستقاة من نزاعات أخرى، والتي تُظهر المخاطر الصحية الجسيمة الناجمة عن التعرض للدخان والجسيمات والانبعاثات السامة. 

قالت سميرة بارزين، الباحثة البارزة في "معهد التغير البيئي بجامعة أكسفورد"، إنه رغم الافتقار إلى بيانات عن الآثار الصحية للهجوم الذي شنته القوات الإسرائيلية على مستودع النفط في شهران في يونيو/حزيران 2025، إلا أنه عادة ما يكون هناك "انتشار مرتفع جدا للّوكيميا بين الأطفال في المناطق المحيطة بالمنشآت النفطية". وأضافت أن الضربات الجوية على مستودعات النفط الإيرانية ستؤدي إلى مزيد من التعرض لهذه الجسيمات الضارة، حيث إن الهجمات "ستطلق المزيد من هذه الجسيمات في الهواء". 

توصي منظمة الصحة العالمية بمراقبة الحالة الصحية في المجتمعات المتضررة، وتقييم التعرض على مستوى الأرض، وإبلاغ سكان المناطق المتضررة بالمخاطر وتدابير الوقاية، وحماية مصادر مياه الشرب، وتعزيز القدرات السريرية لاستيعاب الحالات المتوقعة من أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.