(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن العمال الوافدين في دول "مجلس التعاون الخليجي" يواجهون مخاطر إضافية تهدد حياتهم وحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية بسبب النزاع الإقليمي الحالي.
يؤدي العمال الوافدون أعمالا أساسية لاستمرار عمل اقتصادات الخليج وخدماته خلال النزاع، منها توصيل الطعام والمياه، وتقديم الرعاية الصحية، وصيانة البنية التحتية الحيوية. مع ذلك، لا يستطيع بعض العمال دفع نفقاتهم اليومية بسبب فقدان الدخل وارتفاع التكاليف وافتقارهم إلى خدمات اجتماعية كافية أو ضمان اجتماعي.
قال مايكل بَيْج، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يواجه ملايين العمال الوافدين في دول الخليج تهديدات لسلامتهم الجسدية وأمنهم الوظيفي وسط النزاع. جلب النزاع مخاطر جديدة للعمال الوافدين، كما كشف عن الثغرات في حقوق العمال وغيرها من الحقوق، بما فيها الثغرات بسبب نظام الكفالة".
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي لدول الخليج اتخاذ تدابير طارئة للتخفيف من فقدان الدخل والتعويض عنه عند الضرورة. تسلط الأزمة الضوء أيضا على الحاجة الملحة لاتخاذ المزيد من التدابير الهيكلية، بما يشمل ضمان حصول جميع العمال على الأقل على أجر يكفي لتغطية تكاليف المعيشة، واحترام عقودهم، وتمكينهم من الحصول على مزايا الضمان الاجتماعي.
ينبغي لدول الخليج أيضا ضمان حصول العمال الذين يسعون إلى العودة طواعية إلى بلدانهم الأصلية على دعم لتغطية تكاليف السفر جوا، أو التنسيق مع حكومات بلدانهم الأصلية وشركات الطيران لتوفير خيارات سفر ميسورة التكلفة.
في مارس/آذار 2026، قابلت هيومن رايتس ووتش 38 عاملا وافدا من الهند ونيبال وبنغلاديش يقيمون في الإمارات، البحرين، وعمان، وقطر، والكويت، والسعودية. يعمل هؤلاء كسائقين وعمال توصيل وحراس أمن وطهاة وعمال نظافة، وهم من ملايين العمال الوافدين الذين يشغلون وظائف أساسية تحافظ على سير عمل المستشفيات والأسواق ووسائل النقل رغم المخاطر المتزايدة. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى أفراد عائلات بنغلاديشيين قُتلوا في البحرين والإمارات والسعودية.
راسلت هيومن رايتس ووتش جميع دول مجلس التعاون الخليجي للاستفسار عن هذه المخاوف، لكن لم تقدم أي منها ردودا وافية.
قال عامل في مستشفى بقطر: "أعمل في مستشفى، لذا لم يتوقف العمل. أحيانا تحدث انفجارات في الليل، وأحيانا خلال النهار. تدور في ذهني أفكار كثيرة حول ما قد يحدث... تركت طفلي في بلدي".
حتى 25 مارس/آذار، شملت الوفيات المرتبطة بالنزاع في دول الخليج عمالا وافدين، منهم سائق باكستاني، وحارس أمن نيبالي، وسائق بنغلاديشي يقود صهريج مياه، وفقا لـ تقارير إعلامية وتقارير حكومية رسمية. وأصيب آخرون بجروح.
قال أفراد عائلة صالح أحمد، وهو مواطن بنغلاديشي، إنه قُتل في عجمان بالإمارات بعد أن أصاب حطام ناتج عن هجوم مكان السائق في صهريج المياه الذي كان يقوده، ما أدى إلى ثقوب في المركبة وإصابته بجروح قاتلة. أصيب بنغلاديشي آخر، هو أ.م. طارق، بشظية في رأسه أثناء نزوله من سطح سفينة، فتوفي على الفور بعد انتهاء نوبة عمله الليلية في منطقة الحد الصناعية بالبحرين.
لطالما دعت هيومن رايتس ووتش إلى فرض سياسات تأمين إلزامي على الحياةلضمان تعويض أسر العمال المتوفين، بغض النظر عن سبب الوفاة أو وقتها أو مكانها.
قال عامل مصاب نجا بأعجوبة من الموت: "أشعر أن الله أنقذني... وإلا لكنت قد مت ككلب ضال... أشعر بالغضب لأن عمالا أبرياء مثلنا يعانون دون سبب". قال العاملان المصابان اللذان قابلتهما هيومن رايتس ووتش إنهما تلقيا العلاج المناسب في المرافق الطبية.
وبينما أقر العمال الوافدون بفعالية أنظمة الدفاع الجوي والإنذار في دول الخليج في حماية أرواحهم، أعرب العمال أيضا عن مخاوفهم بشأن الوضع الأمني الحالي. قال قائد إحدى جاليات الوافدين في الإمارات: "من ناحية، يعمل الوافدون وهم خائفون. ومن ناحية أخرى، هناك قلق مستمر من فقدان الوظائف".
قال عامل توصيل مقيم في قطر: "أخاف كلما خرجت إلى العمل. لا يمكن معرفة أين سيسقط الصاروخ التالي. لكنني أذهب على أي حال... أمثالي من الناس لا يشغل بالهم سوى أمر واحد: كيف نكسب الـ10 ريالات التالية". عندما يتلقى تنبيهات إما من الحكومة أو من مجموعة "واتساب" في شركته، يغيّر مساره أو يعود إلى المنزل.
ورغم أنه يمكنه تسجيل الخروج من التطبيق الذي يخصص له طلبات التوصيل إذا شعر بعدم الأمان أثناء العمل، فإنه ملزم بواجبه التعاقدي مع شركة توريد العمالة بالعمل 12 ساعة يوميا وتوصيل ما لا يقل عن 10 طلبات.
قال سائق تاكسي مقيم في الكويت: "هذا عمل يعتمد على العمولة. ليس لدينا راتب. انخفض عدد الرحلات بشكل كبير". انخفضت أرباحه اليومية بأكثر من النصف، وهي لا تكفي لتغطية نفقات معيشته وعمله، ومن ضمنها المدفوعات لمالك التاكسي، والوقود، وصيانة السيارة، والسكن، والطعام.
أبلغ عمال وافدون مقيمون في الإمارات والبحرين وقطر والكويت عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وقالوا إنه في حين تخضع المتاجر الكبرى لرقابة حكومية، فإن العمال ذوي الأجور المنخفضة يتسوقون عموما من المتاجر الصغيرة، منها البقالات، التي لا تخضع لنفس المستوى من الرقابة الحكومية. قال عامل مقيم في الكويت: "ما كنا ننفقه على مؤن الطعام لشهرين لا يكفي الآن حتى لشهر واحد". أفاد العمال أن الأسعار الحالية للمواد الغذائية، مثل الخضروات، تضاعفت مرتين أو ثلاث.
يُلزم القانون المحلي أصحاب العمل في دول الخليج بتوفير وجبات أو بدل طعام للعمال، بالإضافة إلى الأجور. وغالبا ما يكون المبلغ غير كافٍ حتى في غياب الأزمات. مثلا، وفقا للقانون القطري، يُلزَم أصحاب العمل الذين لا يوفرون الطعام بتقديم بدل غذاء شهري بحد أدنى 300 ريال قطري (حوالي 82 دولار أمريكي)، وهو مبلغ لم يزداد منذ 2021.
مع ذلك، في بعض الحالات، يُضطر العمال الوافدون إلى تغطية تكاليف طعامهم بأنفسهم أيضا. ويشمل ذلك العمال الوافدين غير المسجلين، وكذلك العمال الذين يحملون ما يُعرف بالعامية بـ "التأشيرات الحرة" (أزاد)، وهي ممارسة تقوم بموجبها الشركات أو الأفراد ببيع مخصصاتهم من التأشيرات إلى العمال من أجل الربح.
قال عامل بنغلاديشي عاطل عن العمل مقيم في البحرين، ويخضع لترتيب "التأشيرة الحرة" لكنه يكافح لإيجاد عمل مؤقت منذ اندلاع النزاع: "أحيانا لا أملك حتى ما يكفي من الطعام. رغم المخاطر، عليّ الخروج والبحث عن عمل لمجرد الحصول على الطعام... لكنني لا أجد أي عمل. حتى الآن، أحضرت بالفعل حوالي 20 ألف تاكا (حوالي 163 دولار) من بلدي لأتمكن من العيش. لا أعرف إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع أو إلى متى سيستمر هذا النزاع."
حللت هيومن رايتس ووتش فيديو أُرسِل مباشرة إلى الباحثين وحددت موقعه الجغرافي، وهو يظهر عشرات الأشخاص متجمعين في شارع في البحرين، قال الشخص الذي صوّر الفيديو إنهم كانوا ينتظرون أن يُقلهم مقاولو البناء للعمل اليومي.
قال سائق سيارة تاكسي في الكويت يدفع 70 دينارا كويتيا (حوالي 226 دولار أمريكي) شهريا لكفيله بموجب ترتيب "التأشيرة الحرة": "انخفض دخلي إلى خمس ما كان عليه ولا يغطي التكاليف الأساسية... اليوم، قدت السيارة أربع ساعات ولم أكسب شيئا".
ينبغي لدول الخليج تقييم الأثر الاقتصادي السلبي المتوقع للأزمة على العمال الوافدين واتخاذ تدابير طارئة لضمان أن يتمكن جميع العمال من إعمال حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل الغذاء والسكن.
تحدثت هيومن رايتس ووتش أيضا إلى عمال يواجهون خفضا في ساعات العمل أو الأجر أو إجازة إجبارية غير مدفوعة الأجر رغم أن لديهم عقود عمل لسنتين.
قال ثلاثة عمال في قطاع الضيافة في الإمارات إن معدلات إشغال الفنادق انخفضت بشكل كبير، لذا تطلب الشركات من الموظفين استنفاد إجازاتهم المتبقية، أو أخذ إجازات غير مدفوعة حتى إشعار آخر، أو إنهاء عقودهم. قال طاهٍ في الإمارات لا يزال يحتفظ بوظيفته: "انخفض عدد الموظفين من 25-30 إلى 3-4 فقط. العمال الذين أجبروا على أخذ إجازة غير مدفوعة الأجر حتى إشعار آخر ولا يستطيعون العودة إلى ديارهم يحصلون على سكن من عملهم، لكن عليهم دفع تكاليف طعامهم بأنفسهم".
قال أحد هؤلاء العمال: "لا نتلقى رواتب أو مزايا. يشجعنا صاحب العمل على العودة إلى ديارنا، لكن علينا أن ندفع ثمن التذكرة بأنفسنا، والأسعار مرتفعة للغاية".
قال طاهٍ من نيبال يعمل في أبو ظبي: "من المحزن أن تفقد وظيفتك بعد أن أخذت قروضا لدفع رسوم التوظيف للقدوم إلى هنا. يدفع الناس ما بين 300 و400 ألف روبية نيبالية (حوالي 2,000-2,686 دولار) للحصول على هذه الوظائف". وثّقت هيومن رايتس ووتش أن معظم العمال في دول الخليج يدفعون رسوم استقدام باهظة يتم تمويلها عبر قروض غير رسمية.
حتى بعض العمال الوافدين الذين تلقوا رواتبهم خلال الشهر الأول من الأزمة أعربوا عن قلقهم بشأن أمن وظائفهم ودخلهم. قال مدير شركة توريد مقرها البحرين إن ثلاثة من عملائه من الشركات طلبوا منه بالفعل خفض رواتب أكثر من 400 عامل إلى النصف.
قال عامل وافد مقيم في الكويت إن المطعم الذي يعمل فيه شهد انخفاضا حادا في عدد الزبائن وطلبات التوصيل إلى المنازل: "يعمل الموظفون لساعات أقل ويتقاضون أجورا مخفضة وفقا لذلك. المطار مغلق لذا العودة إلى الوطن ليست خيارا. خيار السفر عبر السعودية غير ممكن لأن أسعار التذاكر ارتفعت بجنون".
بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومات التزام بضمان حصول جميع العمال، بمن فيهم الوافدون، في بلدانهم على أجر عادل والتمتع بالضمان الاجتماعي ليتمكنوا من إعمال حقهم في مستوى معيشي لائق، بما يشمل أوقات الأزمات. كما ينبغي لدول الخليج ضمان إطلاع جاليات العمال الوافدين بشكل كافٍ على خطط الطوارئ والتوجيهات في أوقات الأزمات بلغات تشمل لغاتهم الأم.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي لأصحاب العمل الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية رغم الحرب. كما ينبغي للشركات المعرضة للتأثيرات الخارجية في قطاعات مثل السياحة تفعيل خطط الطوارئ التي تراعي عدم الاستقرار المتأصل في هذا القطاع وتحمي العمال خلال فترات الركود الاقتصادي، وألا تحمّل العبء الكامل للعمال الذين عليهم إعالة أسرهم وسداد قروضهم.
الوافدون غير القادرين على العمل وفقا لعقودهم ينبغي ألا تُقطَع عنهم أجورهم المستحقة تعاقديا. ينبغي للحكومات إعطاء الأولوية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لضمان ألا تُحمِّل العمال الوافدين الأقل أجرا تكاليف تعطل الأعمال.
قال بَيجْ: "ينبغي للحكومات وأصحاب العمل اتخاذ خطوات ملموسة لحماية العمال العالقين في خطوط المواجهة على بعد آلاف الأميال من أوطانهم، والذين، رغم المخاطر الكبيرة، يؤدون أعمالا أساسية في جميع أنحاء الخليج".