Skip to main content

السعودية: إصلاحات العمل غير كافية

الإبقاء على العناصر المنتهِكة والتغييرات تستثني عاملات وعمّال المنازل

عمال وافدون يعملون في بناء منازل فخمة جديدة في العاصمة السعودية الرياض، أبريل/نيسان 2019. © 2019 فايز نور الدين/ "أيه إف بي" عبر "غيتي إيمدجز"

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش'' اليوم إنّ السعودية أدخلت، في مارس/آذار 2021، إصلاحات عمالية تُخفف القيود وتسمح لبعض العمال الوافدين بتغيير وظائفهم من دون موافقة صاحب العمل، في بعض الظروف المحدودة.

مع ذلك، لا تصل الإصلاحات إلى حدّ تفكيك نظام الكفالة المُنتهِك، وتستثني العمال الوافدين غير المشمولين بقانون العمل، بمَن فيهم عاملات وعمّال المنازل والمزارعين، وهم من بين الأقل حماية والأكثر عرضة للانتهاكات. تسمح الإصلاحات للعمال الوافدين بطلب تصريح سفر من دون إذن صاحب العمل للمرة الأولى، لكنها لا تلغي تصريح السفر، الذي ينتهك حقوق الإنسان.

قال مايكل بَيْج، نائب مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "لدى السعودية أحد أكثر أنظمة الكفالة انتهاكا في المنطقة. الإصلاحات محدودة وإشكالية، ولا تفكّك نظام الكفالة إطلاقا. استُثني الملايين من عاملات وعمّال المنازل وغيرهم من هذه الإصلاحات، ما يضعهم بالكامل تحت رحمة أصحاب العمل".

يشغل ملايين العمال الوافدين غالبا وظائف يدوية، ومكتبية، وخدماتية في السعودية، ويشكلون أكثر من 80% من القوة العاملة في القطاع الخاص. يحكمهم نظام الكفالة المنتهِك الذي يمنح أصحاب العمل سلطة مفرطة على تنقلهم ووضعهم القانوني في البلاد. يرسّخ النظام تعرّض العمال الوافدين لمجموعة واسعة من الانتهاكات، من مصادرة جوازات سفرهم إلى تأخر أجورهم وعملهم القسري. رغم أن وسائل الإعلام المحلية ذكرت عكس ذلك، قلّما تسهم التغييرات في تفكيك نظام الكفالة، ما يعرّض العمال الوافدين لخطر الانتهاكات بشكل كبير.

أُعلِن عن الإصلاحات للمرّة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 كجزء من مبادرة "تحسين العلاقة التعاقدية" التي أطلقتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية بهدف "تحسين العلاقة التعاقدية بين العمال وأصحاب العمل"، والمساعدة في إنشاء "سوق عمل جاذبة"، و"تحسين بيئة العمل" في البلاد.

الإصلاحات، التي جاءت على شكل قرار وزاري والمتاحة على المنصتَيْن الإلكترونيتَيْن "أبشر" و"قوى"، تعالج جزئيا فقط عنصرَيْن من خمسة عناصر رئيسية لنظام الكفالة يمكن أن تُبقي العمال الوافدين أسرى لأوضاع منتهِكة، مثل الحاجة إلى موافقة صاحب العمل على تغيير الوظائف أو تركها ومغادرة البلاد. لكن حتى هذه التغييرات محدودة، وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يحق لكل فرد مغادرة أي بلد.

حتى 14 مارس/آذار، نصّت الإصلاحات على أن العمال الوافدين الخاضعين لولاية قانون العمل السعودي يمكنهم تغيير وظائفهم من دون موافقة صاحب العمل الحالي، بعد إتمام عام واحد من العقد أو بمجرد انتهاء عقدهم. وفق دليل المستخدم لخدمات مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية الصادر عن الوزارة، تشمل الظروف الأخرى التي يمكن للعامل الوافد تغيير وظيفته في ظلّها من دون شروط: انتهاء صلاحية رخصة عمل العامل؛ عدم تقاضي العامل أجره لثلاثة أشهر متتالية؛ ونشوب نزاع عمالي وسط تغيّب صاحب العمل عن جلستَيْ تقاضٍ.

يبدو أن النسخة الإنغليزية من الدليل مختصرة من النسخة العربية وتغفل بعض التوجيهات الهامة.

تنص النسخة العربية على أن صاحب العمل الجديد مسؤول عن دفع أي تكاليف مرتبطة بنقل الوظيفة، لكنها لا توضح كيف تعتزم الوزارة ضمان عدم إجبار العمال الوافدين المستضعفين على تحمل هذه التكاليف بأنفسهم. يذكر قسم "الأسئلة الشائعة" أن العامل الوافد الذي عليه الصادر بحقه بلاغ انقطاع عن العمل لا يمكنه الاستفادة من إصلاحات التنقّل الوظيفي. تغفل النسخة الإنغليزية من الدليل هذه النقطة.

في السعودية وسائر دول الخليج، يمكن اتهام العمال الذين يتركون صاحب العمل من دون موافقته بـ "الهروب"، ويواجهون السجن والترحيل. أظهرت أبحاث هيومن رايتس ووتش في دول الخليج أن العمال الوافدين معرّضون لمثل هذه العقوبات، حتى عندما يفرون من الاستغلال أو الانتهاكات. يرفع بعض أصحاب العمل قضايا هروب كاذبة للتهرب من التزاماتهم القانونية بدفع الأجور أو توفير الطعام والسكن.

بموجب القرار الوزاري، يمكن الآن للعمال الوافدين، الذين لم يتمكنوا سابقا من مغادرة السعودية والعودة إليها من دون موافقة صاحب العمل، تقديم طلب عبر الإنترنت للحصول على تأشيرة خروج وعودة أو تأشيرة خروج نهائي من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. ينص الدليل على وجوب حيازتهم إقامة سارية المفعول، وعقد عمل موثّق، وجواز سفر صالح. يجوز للسلطات السعودية رفض خروجهم في حال ترتّبت عليهم ديون أو غرامات مستحقة.

ينص الدليل أيضا على أنه ينبغي على العامل، وليس صاحب العمل، تحمل أي تكاليف مترتبة على طلب التأشيرة، والتي تبلغ تكلفتها حاليا 200 ريال سعودي (53 دولار أمريكي). وفق توجيهات النسخة العربية، يتمّ إشعار صاحب العمل عندما يقدم العامل الوافد طلبا، ولديه 10 أيام للاستفسار عن الطلب.

تصلح تأشيرة الخروج والعودة لـ 30 يوما، ولا يمكن للعامل الوافد طلب تأشيرات متعددة الاستخدامات بشكل مستقل. يمكن لصاحب العمل فقط تمديد تلك الفترة الزمنية، ويُمنع العامل الوافد الذي لا يعود في غضون 30 يوما نهائيا من العمل في السعودية. يُمنع العامل الوافد الذي يغادر السعودية باستخدام تأشيرة خروج نهائي قبل انتهاء عقده من دخول المملكة نهائيا. من غير الواضح ما المعايير التي تنوي الوزارة اتخاذها لتحديد شروط قبول طلبات خروج العمال وإمكانية استخدام استفسار صاحب العمل لحرمان العامل من تصريح الخروج.

ينصّ الدليل بالعربية على أن النظام الجديد لطلب هذه التأشيرات من دون موافقة صاحب العمل لا يحل محل النظام السابق، الذي من خلاله يكون صاحب العمل مسؤولا عن إصدار هذه التأشيرات لموظفيه الوافدين، إنما يُطبّق إلى جانبه ببساطة. بالتالي، قد لا يدرك العمال الوافدون الإصلاحات أو كيفية الاستفادة منها، خصوصا الذين يعملون في وظائف متدنية الأجر، ويعتمدون على أصحاب العمل في الإقامة والطعام والنقل، وقد لا يعرفون بالإصلاحات أصلا أو يجدون صعوبة في الاطلاع على المنصات الإلكترونية.

تظل عناصر الكفالة المنتهِكة الأخرى جزءا من النظام الجديد. لا يزال على العمال الوافدين - ومَن يعيلونهم - الاعتماد على أرباب عملهم لتسهيل الدخول والإقامة والعمل في البلاد، ما يعني أن أصحاب العمل مسؤولون عن التقدم بطلب للحصول على تصاريح الإقامة والعمل وتجديدها وإلغائها. قد يجد العمّال أنفسهم بلا وثائق دون أن يكون لهم أي ذنب في ذلك عندما لا ينفذ أصحاب العمل مثل هذه العمليات، ويتحمّل العمال العواقب. قالت هيومن رايتس ووتش إن العمال الوافدين سيظلون بحاجة أيضا إلى إذن صاحب العمل للتنقّل الوظيفي، إذا لم يتمّموا عقدهم أو عملوا أقل من عام، ما يعرضهم غالبا للانتهاكات.

لا تزال مصادرة جوازات السفر، ورسوم التوظيف المرتفعة، وممارسات التوظيف الخادعة مستمرة ولا تُعاقَب إلى حد كبير، ويُحظر على العمال الانضمام إلى النقابات العمالية أو الإضراب.

يواجه أكثر من 3.7 مليون عاملة وعامل منزلي الانتهاكات الجسيمة نفسها، بما فيها عدم دفع الأجور وتأخرها، وساعات العمل الطويلة من دون يوم عطلة، ومصادرة جوازات السفر، ناهيك عن الإقامة القسرية، والعزل، والاعتداء الجسدي والجنسي. يُحرمون من جميع أشكال الحماية الممنوحة لأولئك الذين يحكمهم قانون العمل، بما فيها الإصلاحات الأخيرة.

ليست المرة الأولى التي تزعم فيها السعودية أنها بصدد استبدال أو إلغاء نظام الكفالة. العام 2000، أزالت المصطلح من قوانينها واستبدلته بلغة تشير إلى العلاقات التعاقدية مع السماح لأصحاب العمل بالاحتفاظ بالصلاحيات نفسها.

أدخلت السعودية إصلاحات عمالية في 2015 فرضت على أصحاب العمل الذين ينتهكون اللوائح غرامات أو رفعتها، بما فيه حظر مصادرة جوازات سفر العمال الوافدين، وعدم دفع الرواتب في الوقت المحدد، وعدم تقديم نسخ من العقود للموظفين. مع ذلك، لم تنطبق إصلاحات 2015 على عاملات وعمّال المنازل وغيرهم من المستبعدين من قانون العمل. بقيت انتهاكات كثيرة مستشرية بينما كان من المفترض أن تردعها العقوبات.

على مدى العقد الماضي، شرعت دول خليجية أخرى في إصلاح أنظمة الكفالة سيئة السمعة لديها، بحيث أدخلت معظمها إصلاحات أبرز من تلك التي أدخلتها السلطات السعودية. مع ذلك، تستمرّ انتهاكات كثيرة مشابهة بحقّ العمال الوافدين في المنطقة، وغالبا ما تشمل عدم دفع الأجور وتأخرها ومصادرة جوازات السفر.

قال بَيْج: "تبدو إصلاحات العمل في السعودية إيجابية في البداية، لكن التفاصيل تكشف أنه ما زال بالإمكان أن يبقى العمّال عالقين مع أصحاب عمل منتهِكين، وأن التغيير يسمح بمتابعة الممارسات الاستغلالية ضد العمال الوافدين. على السلطات أن تعتبر هذه الإجراءات بداية إصلاح أوسع لنظام الكفالة والعمل، وليس نهايته".

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.