عائلة نازحة في خيمتها في مخيم السويدة للنازحين في محافظة مأرب في شمال اليمن، فبراير/شباط 2020. هُجِّرت العائلة مرتين، وكانت المرة الثانية بعد الفرار من مأرب هربا من القتال قرب العاصمة صنعاء. 

© 2020 علي عويضة

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن المدنيين الفارين من تجدد القتال في شمال اليمن  مهددون بشكل خاص جراء تفشي فيروس "كورونا".

اقترب القتال في محافظة مأرب بين قوات الحوثيين والتحالف بقيادة السعودية وحلفائه من الحكومة اليمنية من المخيمات المكتظة بالنازحين، التي تفتقر إلى ما يكفي من الخدمات الصحية والمساعدات الإنسانية. ينبغي لأطراف النزاع اتخاذ خطوات فورية لحماية النازحين في المناطق غير الآمنة وتيسير الحصول على المساعدة. ظروف المخيمات السيئة، بما فيها الفيضانات الأخيرة، تهدد سكانه بشكل خاص في ظل انتشار فيروس كورونا، والذي لا يملك اليمن قدرة احتوائه، لا سيما وأن المانحين قلّصوا مساعداتهم.

قالت أفراح ناصر، الباحثة في الشأن اليمني في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي للقوات الحكومية اليمنية والقوات الحوثية حماية المدنيين الفارين وضمان حصولهم على المساعدة. الخطر متزايد على ملايين المدنيين اليمنيين الذين تعتمد حياتهم على الإغاثة، بينما تقلصت المساعدات الخارجية ويزداد الخوف من تفشي فيروس كورونا".

أدى النزاع المسلح الذي بدأ في اليمن في مارس/آذار 2015 إلى تهجير نحو 4 ملايين شخص. فر العديد من ديارهم بسبب الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب، بما فيها الغارات الجوية غير القانونية للتحالف بقيادة السعودية على المنازل، والمدارس، والأسواق، والقصف العشوائي من قبل الحوثيين على الأحياء السكنية. منذ أوائل 2020، ازداد القتال في شمال اليمن بشكل حاد، ما تسبب في نزوح كبير نحو مأرب. أفادت "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" )مفوضية اللاجئين( أن أكثر من 40 ألف شخص قد نزحوا منذ بداية العام، ومن المرجح نزوح المزيد مع اقتراب قوات الحوثيين من مدينة مأرب.

تستضيف مأرب حاليا 750 ألف نازح، ما يفوق عدد سكان المدينة الأصلي البالغ 500 ألف. هناك مخيمات للنازحين ومراكز إيواء أخرى في أنحاء مأرب، بما فيها مدارس وحرم جامعي ومتحف، وفقا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. قال عامل في مجال الإغاثة لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات التحالف منتشرة بالقرب من بعض المخيمات بالقرب من الخطوط الأمامية الحالية، ما يُعرّض المدنيين لخطر إضافي.

في فبراير/شباط 2020، حقّقت قوات الحوثيين تقدما عسكريا في شمال اليمن وسيطرت على مديرية نِهم الاستراتيجية وعلى مدينة الحزم على بعد نحو 60 كيلومتر شمال شرق العاصمة صنعاء، و60 كيلومتر شمال غرب مأرب. في الوقت نفسه، أحرزت قوات الحوثيين تقدما عسكريا في محافظة البيضاء، جنوب مأرب، ما ترك المدينة محاطة بقتال محتدم من الشمال والجنوب

 
2020 هيومن رايتس ووتش ©

منذ فبراير/شباط، جعل التقدم العسكري الحوثي تجاه مدينة مأرب المدينة مُحاطة بالمعارك من الشمال والجنوب. استمرت غارات التحالف الجوية، وأصحبت مأرب إحدى أكثر المناطق تضررا. أصيب مستشفيان في مدينة مأرب خدما النازحين خلال اشتباكات في فبراير/شباط. وصف منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن الهجمات بأنها "خرق غير مقبول بتاتا للقانون الإنساني الدولي".

أعيقت المساعدة الإنسانية الدولية لليمن بسبب نقص التمويل بالإضافة إلى عرقلة الحوثيين لمساعدة المحتاجين. لم يفِ المانحون الدوليون بتعهدات التمويل لعام 2020، حيث تم تمويل 27 % فقط من احتياجات صندوق التمويل الإنساني في اليمن.

كما انخفضت التعهدات في 2020، حيث تم التعهد بتقديم 800 مليون دولار أمريكي فقط مقابل 2.6 مليار دولار أمريكي تم التعهد بها في 2019.

في أبريل/نيسان، حذر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من أن 31 من أصل 41 برنامجا إنسانيا رئيسيا في اليمن سيتم تقليصها أو إغلاقها "ما لم يتم الحصول على التمويل بصورة عاجلة". قال العديد من موظفي الإغاثة لـ هيومن رايتس ووتش إن النازحين سيكونون من بين الأكثر تضررا من نقص التمويل. قالت مفوضية اللاجئين إن تقريبا مليون نازح ولاجئ من الفئات الأشد ضعفا في اليمن مُعرضون لخطر فقدان مأواهم، والمساعدات النقدية الحيوية لشراء المواد الأساسية كالغذاء والدواء، وغيرها من المساعدات. وقالت المفوضية إنها تلقت 28% فقط من التمويل المطلوب لعام 2020 لحماية النازحين ومدهم بالمساعدة الأساسية.

قال العديد من عمال الإغاثة والصحفيين في مأرب لـ هيومن رايتس ووتش إن الحوثيين والسلطات الحكومية اليمنية فرضوا قيودا على عمليات المساعدة الإنسانية في المدينة. سبق أن اتهمت الأمم المتحدة سلطات الحوثيين بعرقلة المساعدات، بما في ذلك تحويل وجهة المساعدات الغذائية من "برنامج الأغذية العالمي"، ومطالب باقتطاع 2% من مجمل ميزانية المساعدة التي تقودها الأمم المتحدة، ورفض شروط التسجيل البيومترية للحد من الفساد، وغيرها من القيود غير الضرورية على عمليات الإغاثة في شمال اليمن.

منذ أوائل 2020، أوقفت عدة حكومات مانحة التمويل في الشمال بسبب القيود المتزايدة التي فرضها الحوثيون. علقت "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" 73 مليون دولار على الأقل من أصل 85 مليون دولار للبرامج الإنسانية في الشمال الذي يسيطر عليه الحوثيون. بعد احتجاج مجموعات إنسانية على ذلك القرار، أعلنت الولايات المتحدة في 6 مايو/أيار عن 225 مليون دولار من المساعدات الغذائية الطارئة لليمن.

مخيم الميل هو واحد من 126 مخيما للنازحين في محافظة مأرب في شمال اليمن. مارس/آذار 2020 

© 2020 علي عويضة

قالت إحدى منظمات الإغاثة لـ هيومن رايتس ووتش إنه بعد تعليق التمويل مؤقتا بسبب عرقلة الحوثيين، استأنفت "الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي" تمويلها مؤخرا. وقال عامل إغاثة آخر في مأرب إن دولتين مانحتين أخريين، دون ذكر الأسباب، علقتا تمويل مشاريع في مأرب وأجزاء أخرى من الشمال، ما تسبب في فقدان وظيفته.

أثار مسؤولو الأمم المتحدة مخاوف من أن بعض التوقعات الوبائية تتوقع أن يُصيب فيروس كورونا 16 مليون شخص تقريبا في اليمن، أي 55% من السكان. النظام الصحي المحطم في البلاد - والذي يعاني من نقص الموارد والدمار بسبب سنوات الحرب - غير مستعد بشكل كاف لرعاية المصابين بفيروس كورونا واحتواء انتشار الفيروس.

يواجه النازحون، الذين حذرت مفوضية اللاجئين أنهم "الأكثر عرضة للخطر جراء فيروس كورونا"، مخاطر أكبر. يتواجد معظم النازحين في مخيمات مكتظة بشكل خطير، مع رعاية صحية دون المستوى المطلوب، وتعذّر الحصول على المياه النظيفة، والصرف الصحي، والخدمات الأساسية الأخرى، أو القدرة على اتباع المبادئ التوجيهية للتباعد الاجتماعية أو "العزل الذاتي" عند المرض. أثرت الفيضانات المُباغتة الأخيرة في مأرب على 16 موقعا على الأقل، ما زاد من فرص تفشي الكوليرا مرة أخرى.

حتى منتصف مايو/أيار، كانت في مأرب إصابتان مؤكدة بفيروس كورونا، وسيزداد الخطر مع انتشار الفيروس في مناطق أخرى من اليمن. أبلغت لجنة فيروس كورونا التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في 21 مايو/أيار عن وجود 180 إصابة مؤكدة و29 وفاة في حضرموت، وعدن، وتعز، ومحافظات أخرى منذ 10 أبريل/نيسان. حتى 16 مايو/أيار، أبلغ منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن أن هناك أربع إصابات مؤكدة ووفاة واحدة في العاصمة صنعاء.

قالت منظمات إنسانية لـ هيومن رايتس ووتش إن العدد الفعلي للحالات في اليمن من المُرجح أن يكون أعلى بكثير من الحالات المُبلغ عنها، ويعود ذلك جزئيا إلى القدرة المحدودة على إجراء الفحوصات وضعف النظام الصحي في البلاد. كما أفادت أن الأطراف المتحاربة سيّست الاستجابة لفيروس كورونا من خلال اتهام بعضها البعض بنشر الفيروس عمدا.

قالت ناصر: "في ظل الأزمة الإنسانية القائمة في اليمن، والنظام الصحي المتدهور، والتهديد الوشيك بتفشي الكوليرا، يواجه النازحون في مأرب الآن تهديدا مزدوجا يتمثل في تجدد القتال وانتشار دون رادع لفيروس خطير. على الأطراف المتحاربة العمل مع المانحين لمنع وقوع كارثة أكبر".