في وقت سابق من هذه السنة، منحني الجيش الإسرائيلي تصريحا لمغادرة قطاع غزة بأبعاده التي تبلغ 11 بـ 40 كيلومترا، لأول مرة في حياتي، والسفر إلى الولايات المتحدة للعمل. في الشهر الماضي، غادرت مرة أخرى، ولكن هذه المرة لرؤية بقية فلسطين وإسرائيل. الرحلة التي استغرقت ساعة واحدة للعبور بين إسرائيل وقطاع غزة إلى القدس بدت كرحلة إلى عالم بعيد.

عبير المصري، مساعدة أبحاث هيومن رايتس ووتش في قطاع غزة، أمام قبّة الصخرة في المسجد الأقصى بالقدس الشرقية المحتلة، في يوليو/تموز 2018.

© 2018 هيومن رايتس ووتش

لطالما حلمت بشم رائحة هواء القدس وسماع آذان الصلاة من مساجدها. عندما كان احتمال السفر إلى هناك لا يزال حلما بعيد المنال، أخبرت أحد الزملاء، "أتمنى فقط أن أحصل على فرصة للصلاة في المسجد الأقصى قبل أن أموت".

لم أستطع النوم في الليلة التي سبقت رحلتي إلى القدس لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى. كل ما وقف بيني وبين أحلامي كان مسافة قصيرة، وحاجز قلنديا الذي يقسم الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة في رام الله عن أولئك في القدس الشرقية. سألت نفسي بعد أن عشت لسنوات تحت الحصار الإسرائيلي الذي حول غزة إلى سجن بسقف مفتوح، ما الذي تعنيه نقطة التفتيش عندما تملك تصريحا ثمينا للمغادرة؟

كنت مخطئة. حُشرت مع مئات الفلسطينيين، ننتظر عند المدخل المعدني الدوار الذي يفتح لمدة 30 ثانية كل 15 أو 20 دقيقة، للسماح لمجموعة صغيرة بالتقدم وإبراز التصاريح. اندلع جدال عندما حاول شخص تجاوز الطابور. أغمي على امرأة وهي تنتظر دورها. هل كنت على وشك أن أفقد الفرصة الوحيدة في حياتي لأصلي في الأقصى؟ شعرت بإهانة الحياة اليومية في ظل الاحتلال بالضفة الغربية، الذي يحرمك الشعور بالانتماء لوطنك.

بعد ساعتين، تمكنت من الدخول عبر الأبواب الدوارة، وأظهرت تصريحي لجندي، ثم عبرت. قدنا السيارة بأسرع ما يمكن إلى الأقصى واندفعنا للداخل. لم نلحق خطبة الجمعة، لكن الإمام دعا الجميع إلى الصلاة مع وصولنا، كما لو كان في انتظارنا.

بدا المسجد الأقصى أكثر إثارة مما كنت أتصور. لم أستطع حبس دموعي، سواء من الفرح من النظر إلى جماله، أو من الحزن على أن هذا المكان المهيب شهد نصف قرن من الاحتلال العسكري البشع المسيء، حيث يقرر الجنود من يستطيع الصلاة هناك.

كما وقعت في حب بيت لحم والناصرة ويافا وعكا وحيفا خلال جولتي السريعة، والتقطت صورا في كل مكان، لأشاركها مع العائلة والأصدقاء في الوطن.

أنا الآن في غزة، لست متأكدة إن كنت سأتمكن من العودة. لكني أتذكر المشاهد والروائح، وأنتظر اليوم الذي يستطيع فيه كل شخص في غزة السفر بحرية.