أم تعرض صورة ابنها الذي احتجزته السلطات في محافظة إدلب شمالي سوريا، 20 مارس/آذار 2016. لم تسمع أخباره منذ احتجازه. 

© 2016 رويترز

من المرجح أن تكون المرحلة الأخيرة من الحرب في سوريا في محافظة إدلب الشمالية الغربية على الحدود التركية، حيث يُحاصَر حوالي 2.3 مليون شخص. ومع انتهاء القوات الروسية-السورية من استعادة السيطرة على محافظة درعا الأصغر، في جنوب غرب البلاد، ستكون إدلب آخر معقل مهم في أيدي القوات المناهضة للحكومة. إذا استأنفت القوات الروسية-السورية إضعاف المدينة والمناطق المحيطة بها من الجو، فقد يواجه مدنيوها الخيار الرهيب: إما يختبئون في الملاجئ أو يقدمون على محاولة يائسة لعبور الحدود التركية التي أُغلقت فعليا منذ عام 2015.

رغم ذلك، ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الأدلة على أن روسيا قد تكون مستعدة للتصرف بشكل بناء أكثر. يسعى المسؤولون الروس إلى الحصول على مساعدات لإعادة إعمار سوريا من المانحين الغربيين. وطبقا لمصادر قريبة من المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة بين أطراف النزاع السوري، فقد طرحت روسيا فكرة وقف التقدم العسكري إلى إدلب، وربما إعطاء تركيا درجة من السيطرة كتلك التي تمارسها الآن على منطقة عفرين المجاورة. مقابل ذلك، تريد روسيا التزاما غربيا كبيرا بالمساعدة في إعادة بناء المدن والبنية التحتية السورية المدمرة. قد تكون هذه فرصة ليوقف الغرب الفظائع التي تحدث في سوريا. يبقى السؤال هو كيفية استغلالها.

كانت الحرب السورية استثنائية في فظاعتها، حيث كانت القوات الجوية الروسية-السورية تهاجم المدنيين عشوائيا، بل استهدفتهم مباشرة في بعض الحالات، إلى جانب المدارس والمستشفيات. كما استخدمت القوات السورية بانتظام، وبدعم من روسيا، أسلحة محظورة مثل الذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة والكيميائية. وهناك أدلة دامغة على أن القوات الروسية نفسها استخدمت قنابل حارقة.

تحظر قوانين الحرب هذه الهجمات حظرا تاما وتعتبرها جرائم حرب، لكن الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين ضربا بهذه القوانين عرض الحائط بأفعالهما. هذا السلوك العسكري هو السبب الرئيسي في مقتل نصف مليون شخص تقريبا وتهجير أكثر من 50 بالمئة من سكان سوريا قبل الحرب.

كانت القوات الجوية الروسية على وجه الخصوص شريكا لا غنى عنه في هذه المذبحة. فقد قاتلت إلى جانب الطائرات السورية منذ عام 2015، وعززت فعالية القوات الموالية للحكومة بشكل كبير. وذلك من الأسباب الحاسمة التي ترجح انتصار الأسد الذي كان موقفه في ساحة المعركة من قبل ضعيفا.

كان لروسيا دور مهم، على سبيل المثال، في حملات القصف الجوي التي شنتها الحكومة السورية، والتي أدت إلى الاستيلاء على شرق حلب والغوطة الشرقية في 2016 و 2018 على التوالي، وهما من أكثر الجيوب التي كانت تحتلها قوات المعارضة سكانا. أودت الغارات الجوية بمئات المدنيين في كلتا المنطقتين. وفي تلك الأثناء، فرضت القوات الموالية للحكومة على الأرض حصارات خانقة لمنع وصول الإمدادات الإنسانية وعمال الإغاثة إلى المدنيين. كانت المعاناة وعدد القتلى كافيين لإجبار المنطقتين على الاستسلام.

الشركة الرسمية المُصدّرة للسلاح الروسي، "روزوبورون-إيكسبورت"، هي أكبر مزود بالأسلحة للجيش السوري. يقدم الدبلوماسيون الروس دعما سياسيا علنيا للأسد، ويستخدمون حق الفيتو لمنع محاولات إحالة سوريا إلى "المحكمة الجنائية الدولية"، ويحاولون في الوقت نفسه منع إجراء تحقيقات رسمية لتحديد القوات التي تستخدم الأسلحة الكيميائية، ولو أنهم لم ينجحوا في ذك في آخر المطاف. كذلك تصدرت وسائل الإعلام الرسمية الروسية مثل "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" جهود التغطية على الفظائع التي يرتكبها التحالف العسكري الروسي-السوري.

حتى الآن، كانت إدلب ملجأ لبعض السوريين. ومع سقوط الجيوب المعادية للحكومة، خيّرت القوات السورية الناجين بين إهانة ركوب حافلات الحكومة الخضراء سيئة السمعة ليُلقى بهم في إدلب، أو العيش في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة حيث يواجهون خطر الانتقام، من اعتقال وتعذيب وإعدام، إن اشتُبه في كونهم معادين للحكومة. وقد اختار الكثير منهم إدلب لأسباب واضحة.

تقريبا نصف سكان إدلب المدنيين اليوم هم نازحون من أماكن أخرى في سوريا. وانضمت إليهم مجموعة من الميليشيات المناهضة للحكومة التي غالبا ما تكون متعسفة. فهي تنفذ إعدامات دون احترام الإجراءات الواجبة، وتسيء معاملة المعتقلين، وتقف في طريق المساعدات الإنسانية، وتخطف الناس للحصول على الفدية. الآن، وبعد أن ضغطت القوات الموالية للحكومة على الأرض على إدلب وقصفتها قوات التحالف العسكري الروسي-السوري من الجو، لم تتبق في سوريا أماكن تذكر للفرار إليها.

ربما عبر المدنيون الهاربون من الهجمات الروسية السورية في الماضي حدود محافظة إدلب مع تركيا، حيث يعيش الآن حوالي 3.5 مليون لاجئ سوري. لكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2015، اعترضت قوات الأمن التركية على الحدود روتينيا مئات طالبي اللجوء، وأحيانا الآلاف منهم، وأبعدتهم إلى إدلب دون احترام الإجراءات الواجبة. الحدود مسيّجة، وقوات الأمن التركية تطلق النار على طالبي اللجوء الذين يحاولون عبورها بشكل غير قانوني، ما أسفر عن مقتل العديد وإصابة آخرين.

ليس معروفا ما إذا كانت تركيا ستُبقي حدودها مغلقة أمام الوافدين الجدد، إذا تعرض آلاف السوريين لمذبحة على الجانب الآخر. لكن تركيا، إذا شهدت من جديد تدفقا كبيرا لملتمسي اللجوء غير الراغبين في العودة إلى العيش في ظل حكومة الأسد، فقد تواجه ضغوطا من الداخل، حيث تتنامى المشاعر المعادية للاجئين، لتعليق الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي القاضي بوقف تدفق طالبي اللجوء عبر بحر إيجه إلى اليونان. إذن، فمنُع وقوع مجزرة في إدلب أصلا هو خيار أفضل بكثير.

رغم ذلك، فإن الاقتراح الروسي لإعادة الإعمار مثير للجدل لعدة أسباب، حتى لو تم إقناع الحكومات الأوروبية بدفع الأموال لإعادة بناء مدن كانت القوات الروسية والسورية مسؤولة عن تدميرها بشكل كبير. فهناك مخاوف كبيرة من أن تعطي الحكومة السورية الأولوية للمناطق التي ترى أن سكانها ظلوا موالين لها أثناء الحرب، بدلا من تخصيص مساعدات إعادة الإعمار حسب الحاجة. كما أنها لم تكشف عن كيفية إنفاق أموال إعادة الإعمار والإنعاش، وما يزيد الأمر تعقيدا إصرارها على تقييد وصول المنظمات الإنسانية المستقلة إلى المناطق التي استعادتها. سبق وحولت القوات العسكرية والاستخباراتية السورية بالفعل مبالغ كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى جيوبها ولتمويل عملياتها، ولذلك، هناك مخاوف حقيقة من أنها ستحوّل مساعدات إعادة الإعمار على نحو مماثل.

الأكثر من ذلك أن روسيا التزمت الصمت بشأن القيود التي تفرضها الحكومة السورية على عودة النازحين إلى بعض الأحياء، حتى تلك التي استعادتها قبل عدة سنوات. كما لم تعارض روسيا علانية مخططات سورية للتنظيم العمراني، مثل القانون رقم 10 لعام 2018، الذي يسمح للحكومة السورية بمصادرة وإعادة بناء ممتلكات السكان دون اتباع الإجراءات القانونية أو تعويضهم. كما أن روسيا لم تفعل الكثير لإنهاء الاعتقال غير القانوني في سوريا والذي قد ينتهي بموت المحتجزين، وهي عقبة هائلة أمام عودة ملايين السوريين الذين فروا من القتال.

مهما كان، يجب ألا تعتمد حياة المدنيين السوريين على الرشاوى والصفقات السرية. البديل هو شجب التواطؤ الروسي مع الاستراتيجية العسكرية السورية الإجرامية والضغط بقوة على الكرملن لإنهاء هذه الفظائع.

من الواضح أن لدى روسيا السلطة اللازمة على حكومة الأسد لتجنب حمام دم في إدلب. وبإمكان طائراتها أن ترفض المشاركة في هجمات مشتركة لقصف المدنيين والبنى التحتية المدنية بشكل عشوائي. كما يمكن لشركة تصدير السلاح الروسية أن تكف عن مدها بالأسلحة إلى أن يتم إيقاف الفظائع. ويمكن لدبلوماسييها الكف عن حماية المسؤولين السوريين من الملاحقة القضائية الدولية بسبب جرائم الحرب.

المهم هو جعل روسيا تستخدم هذا النفوذ. سمعة الأسد لا يمكن إصلاحها، فطموحه الرئيسي هو البقاء في السلطة والإفلات من الملاحقة القضائية، لكن بوتين لا يزال يطمح إلى أن يُعامل كزعيم عالمي محترم. ويجب إقناعه بأنه سيفشل في هذا المسعى طالما استمر في التغطية على فظائع الأسد.

لم تُبد حكومة الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب أي رغبة للقيام بذلك، كما اتضح مؤخرا من خلال مغازلة الرئيس ترامب لبوتين في قمة هلسنكي. الاتحاد الأوروبي في وضع أفضل للتصرف. فإذا كانت روسيا تريد علاقات أفضل مع الاتحاد، بما في ذلك تخفيف محتمل لعقوباته ضدها وتحسين توقعاتها الاقتصادية، يجب أن تظهر استعدادا حقيقيا لوقف إراقة الدماء في سوريا. ويمكنها أن تبدأ بحماية الـ2.3 مليون سوري في إدلب.