لبنان: المدارس تميّز ضد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة

النظام التعليمي في لبنان يميّز ضد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. غالبا ما ترفض المدارس قبول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بسبب تحدياتهم. حتى الذين يلتحقون بالمدارس، لا تتخذ المدارس أي خطوات معقولة كي تؤمن لهم تعليما جيدا. عوض ذلك، يلتحق العديد من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بمؤسسات غير مخوّلة للتعليم، أو لا يحصلون على أي تعليم على الإطلاق.

 

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير نشرته اليوم إن النظام التعليمي في لبنان يميّز ضد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. غالبا ما ترفض المدارس قبول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بسبب تحدياتهم. حتى الذين يلتحقون بالمدارس، لا تتخذ المدارس أي خطوات معقولة كي تؤمن لهم تعليما جيدا. عوض ذلك، يلتحق العديد من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بمؤسسات غير مخوّلة للتعليم، أو لا يحصلون على أي تعليم على الإطلاق.

وجد تقرير "’أود الذهاب إلى المدرسة‘: حواجز تعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان"، الصادر في 56 صفحة، أن القانون يمنع المدارس من التمييز ضد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومع ذلك ترفض العديد من المدارس الرسمية والخاصة قبول العديد من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. أما الذين يتم قبولهم، لا تُجري المدارس أي تسهيلات معقولة مثل تعديل الصف أو المناهج أو طرق التعليم لتتماشى مع حاجاتهم. كما تطلب المدارس من أُسر الأطفال ذوي الحاجات الخاصة دفع رسوم إضافية وتكاليف تُعتبَر تمييزية.

قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ممارسات القبول التمييزية تحرم الأطفال اللبنانيين ذوي الاحتياجات الخاصة من التعليم. في غياب أي فرصة حقيقية للحصول على تعليم شامل، يُترَك آلاف الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة بدون تعليم".

أطفال بسن المدرسة في لبنان

الصور في أعلى الصفحة وفي الأسفل على اليسار: © 2017 Amanda Bailly لحساب هيومن رايتس ووتش. الصور في الوسط الصفحة وعلى اليمين: © 2017 Sam Koplewicz لحساب هيومن رايتس ووتش

بموجب القوانين اللبنانية والدولية، يجب تمكين جميع الأطفال من الوصول إلى تعليم جيد بدون تمييز. يضمن القانون اللبناني رقم 220، الذي أُقرّ عام 2000، حق ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم وخدمات أخرى، لكنه غير مطبّق حسبما وجدت هيومن رايتس ووتش. المسار التعليمي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان محفوف بالعديد من العقبات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، ما يعني أنهم غالبا ما يخوضون تجربة سيئة – هذا إذا ما قُبلوا أصلا.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 200 طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة وأُسرهم، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين وخبراء في حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وموظفين تربويين. كما زارت 11 مدرسة رسمية وخاصة و17 مؤسسة و6 مقدّمي خدمات.

قالت بعض الأسر إن مسؤولي المدارس قدّموا أسبابا مختلفة، وقاسية في بعض الأحيان، لرفض قبول أطفالهم. قال أحد الخبراء في حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة: "في حين أن الاستبعاد ليس هو السياسة الرسمية، فقد أصبح العرف".

القليل من المدارس تؤمن مداخل ملائمة لذوي الاحتياجات الخاصة ولا تقدم إلا القليل من التسهيلات التي يحتاجونها للنجاح. وجدت هيومن رايتس ووتش في جميع الحالات تقريبا أن المعلمين وإداريي المدارس يفتقرون للتدريب اللازم على التعليم الشامل، كما تفتقر المدارس للتمويل لتوظيف ما يكفي من الأشخاص، خاصة المساعدين الذين يمكنهم تقديم الدعم المباشر لطفل أو أكثر. من أشكال التعليم الشامل، تعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في مدارس في مجتمعاتهم المحلية، مع دعم معقول على المستوى الأكاديمي وغيره من أشكال تحقيق الذات.

قال أحد المعلمين: "نفعل ما في وسعنا. لكننا لا نملك الموارد أو الأدوات التي نحتاج".

تمثّل 103 مؤسسات متخصصة وممولة من وزارة الشؤون الاجتماعية البديل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لا يتمكنون من التسجيل في المدارس. غير أن الموارد التعليمية في العديد من هذه المؤسسات سيئة جدا. ويثير غياب المراقبة وآليات التقييم السيئة والشح في الموارد الملائمة قلقا حول إذا ما كانت هذه المؤسسات تحفظ حقوق الأطفال بالتعليم.

وجدت هيومن رايتس ووتش أن الظروف التي توفرها بعض هذه المؤسسات تثير مشاكل. ففي اثنين من المؤسسات الداخلية لا يوجد أي فاصل بين الأطفال وراشدين لا تربطهم بهم علاقة قرابة، ما يقوّض الخصوصية والمراقبة. في العديد من الحالات، يجبر طول المسافة وكلفة المواصلات الأطفال على النوم في المؤسسات، ما يؤدي إلى فصلهم عن أسرهم ومجتمعاتهم المحلية لفترات طويلة.

لا توجد بيانات واضحة حول عدد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان ولا عدد المسجلين في المدارس. من بين 8,558 طفل لبناني بين 5 و14 سنة مسجلين في وزارة الشؤون الاجتماعية كأطفال ذوي احتياجات خاصة، 3,806 يرتادون مؤسسات ممولة من الحكومة، بينما يتوزع عدد قليل على المدارس الخاصة والرسمية.

غير أن بيانات أخرى تثير مخاوف من أن عشرات آلاف الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة غير مسجلين رسميا. تقدّر "اليونيسف" و"منظمة الصحة العالمية" و"البنك الدولي" أن 5 بالمئة من الأشخاص تحت سن 14 سنة هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يعني أن العدد التقريبي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة اللبنانيين بين 5 و14 سنة، هو 40 ألفا.

قامت الحكومة اللبنانية بخطوات في الاتجاه الصحيح في السنوات الأخيرة. فوزارة التربية والتعليم العالي بذلت جهدا لإدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس الرسمية. وهي تخطط لبرنامج تجريبي في 2018 تستقبل 30 مدرسة رسمية بموجبه أطفالا لديهم صعوبات في التعلم و6 مدارس ستستقبل أطفالا لديهم إعاقات بصرية وسمعية وجسدية وعقلية خفيفة.

الحق بالتعليم يشمل جميع الأطفال، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة. على لبنان، بصفته طرفا في "اتفاقية حقوق الطفل" و"العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، أن يؤمن التعليم الابتدائي الإلزامي المجاني وإمكانية الحصول على التعليم الثانوي بدون تمييز لجميع الأطفال. التعليم الشامل يفيد جميع الطلاب، وليس فقط أولئك ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو وسيلة لتحقيق تعليم عالي الجودة ويمكنه أن يعزز شمول المجتمع.

العقبات التي يواجهها الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة ليست مقتصرة على لبنان، فـ "اليونيسكو" تقدّر أن أكثر من ثلث الأطفال الذين هم في سن التعليم الابتدائي والمتوسط ولا يرتادون المدارس، والمقدّر عددهم بـ 121 مليون، هم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة اللبنانية أن تطبق وتعزز قوانين حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. على وزارة التربية تأمين التعليم الشامل في جميع المدارس بطريقة تحقق أعلى مستوى من الاندماج للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس الرسمية والخاصة، بما في ذلك عبر تعديل المناهج وتوظيف أشخاص ذوي خبرة. أما وزارة الشؤون الاجتماعية فعليها أن تضع خطة عمل محددة زمنيا لإنهاء الاعتماد على مؤسسات الرعاية والانخراط في المجتمع. 

قالت فقيه: "بعد 18 عاما من إقرار الحكومة اللبنانية قانونا يضمن حق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالتعليم، لم يحصل أي شيء تقريبا ليتحول القانون إلى واقع. على لبنان أن يتخلص من اعتماده على المؤسسات الرعائية فورا وضمان حصول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة على تعليم جيد في الصف مع زملائهم".